
كتب الإعلامي والأديب بسام برّاك عبر صفحته على “فيسبوك”:
فيروز… صوتُ الصّورة.
لا أذكرُ من بعلبكَّ الا اطلالةَ فيروز على أدراج قلعتِها عامَ ثمانية وتسعين حين وقفتْ بعد طول حربٍ لتُهديَنا السلام، والطيور ترفرف حول صوتِها. كلُّ ماعدا تلك الاطلالة يجعلُ مدينة الشمس في خاطري رؤيا ملتبسة ينقصها ضوءٌ آتٍ من صوتٍ واحدٍ، يمدّ شعاعَه صوبَها كي يَقيَها العتمَ في ليالي البرد وسكون الحجارة.
غدًا، تعود حاملةُ مفاتيحِ الصوت الى بوّابة القلعة، تُشرق صورتُها من صوتِها، ويبزغ صوتها من صورتها، فتحتجبُ الشمس خلف البحر وتترك للسيّدة مِساحة العواميد والأدراج والغناء وأصواتِ البلابل.
غدًا يعبر جبينُ “غربة” فوق القلعة، وتمرّ “عطر الليل” متأبّطة الزوّادة لأبيها فيحصد العسكر ثمارَ التاريخ. غدا “صبيّة جسر القمر” تردم الهوّة بين بعلبك الأمس والحاضر، و”هالة”، ينحني لها تاجُ الملك فتتركُه في بردِ مملكتِه لتعودَ الى “درج اللوز” وترفعُ صوتها الى مصافِّ القمر في ضيعتِها فتهدهدُ له “القمر بضوّي عالناس”.
اللّه يا فيروز، يا من غرستُ قبلتي في يدك غيرَ مرّة فنبتَ في شفاهي لحنٌ خلتُه بعضًا من صوتك، ويا من جالستُك ذات ذكرى في دارتِك فأقفلتُ على ذكرياتي البابَ وصرتِ بصوتِك المتكلّم وذاك المرنّم المفصلَ الزمنيَّ لذاكرةِ حياتي..
الله، يا أيتّها المعمّرةُ ثمانينَ من الاعوام في خزانة أغانيك، ويا من ينضحُ قلمي بأكثرَ ممّا يُتيح له مِدادُه حين يهرع الى رحمِ صوتِك ليصلّي حبرَه ويعمّدَ مقالاتِه، ويا من هرولتُ خلفك من طقسٍ شرقيّ الى آخر غربيّ في الكنائس والأديار لآخذ َمن قبس صوتِك ونداهُ بلسمًا أداوي به جرحًا من جروحات المسيح في الجمعة العظيمة.
كيف لي أن لا أخاصمَ الله! كيف لي، وهو كلّما منحك سنة يتركك تبتعدين في الزمن خلف بوّابةِ بيتك، فتُفسحين لنا المزيدَ من الذكرى، ولا نلمس صوتَك، ولا نرى إطلالتَك، ولا تلتهبُ أيدينا من التصفيق لانحنائك.
أنا في خصامٍ مع الله لأنه لم يوقفِ الزمن عند عتبةِ عمرك ولم يبدّل مسار الحياة بعفوٍ خاصٍّ عن فيروز.
غدا… ألاقيك في بعلبك فأمرّرُ خيالَ يدي على صورتك، وهي تضيء قلعة يتجاوب صداها منذ ستين سنةً مع مدى صوتك، وأصفّقُ لذاكرةٍ بنيتُها مع حفلاتِك ولا تزال تُمعنُ في عدم النسيان… غدا، سوف أسألُ السماء عن سفيرتِها فترشدني الى ” يا ساكن العالي” وأستجوبُ الزمنَ عن عمرِه فيدلّني الى ” شو بيبقى من الرّواية” ، وأسائل الله لمَ ترككِ تغيبينَ عن شعبِك وناسِك وبحرِ جمهورك لتقفي خلف الصورة فتُسمعني ملائكتُه ” بيتي أنا بيتك”.
… لا … غدا، سأصارحُ اللهَ بحبرٍ لا يهابُ الموقف : “كم خطيئتُك كبيرة ٌيا الله لأنك تُبعدُ عنّا فيروز وتأخذ صوتَها الى هيكلك وتبقي لنا الصورة”.
