كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة”:
يمر الوقت، لكن بعضا منه يتجمّد في لحظة ما، 21 تشرين الثاني 2006 هذا زمن تجمّد في لحظته، اغتيال بيار الجميل الحفيد، هكذا يكتبون للتعريف عنه، أكتب يا زمن غير تعريف، استشهاد بيار الجميل ذاك لـ بيحبّ لبنان، كل من يحب لبنان بهذا القدر يستشهد بهذا القدر؟ أما زلت تحب لبنان وأنت هناك، وتحرّض الناس بتلك المقولة “بتحب لبنان حب صناعتو”؟ واضح أنك ما زلت نشيطا ممتلئا حياة وإلا لكانت هذه الأرض نسيت كل ذاك النبض، لكن كيف لها أن تفعل أيها الوزير الشاب وأنت من ضمن قافلة حب طويلة سبقت ثورة الأرز وصارت مع الثورة هي كل الحب؟

طيبة القهوة مرّة من دون سكر، كما كنت تحبّها، فيها ما فيها من طعم التفكير العميق، طعم المرارة أحيانا تشوبه الحلاوة، طيبة القهوة المرّة هناك على شرفة بيت الكتائب في الصيفي، أو من نافذة وزارة الصناعة في بيروت، أو في أحلى الأماكن على الاطلاق، البيت العتيق في بكفيا مع زوجة وأطفال صاروا الآن شبابا مثلك تماما، والأحلى من كل ذلك بعد، هناك على منبر 14 آذار تلك، وبالشال الأحمر قبل أن يصبح الدم الأحمر ثمن وقفة العزّ تلك.

يللا فلنرتشف معا القهوة المرّة الطيبة، من دون سكر تشوبها حلاوة الشهادة!! نعم نحن نستذوق الحلاوة في كل تلك المرارة لأن الكأس التي نشربها، الممزوجة بالدموع والفراق تعلّم علينا فائض كرامة، هذا أمر لا يتذوّقه الا نحن، المقاومون الحقيقيون على مر أزمان الأحتلال في هذه الأرض المستحيلة، دائما مستحيلة ودائما نهرع للدفاع عنها، ودائما نذهب الى أبعد الحدود، الى الشهادة، أو نحيا معهاولأجلها بفائض الحب ذاك. صراحة وعلى رغم منظومة الموت التي أحاطت بمناضلي ثورة الأرز، لم نكن لنتوقع أن تكون من ضمن الشهداء، كنا نقول انك ما زلت شابا وأن الرب لن يسمح أن ينالوا منك بعدما اغتالوا صوتا شابا مدويا فينا، جبران التويني قبل نحو السنة، هذا أكثر من قدرتنا على الاحتمال، لكن حصل وجرّبونا للمرّة… لا أعرف كم مرّة، ما أعرفه أننا وعينا وكبرنا ونضجنا ونكاد نصبح في المقلب الآخر من العمر، على بلد يعدد شهداءه، وينشر صورهم على حيطان القلوب، في مقلة العيون الدامعة، على لائحة الفخر والكرامات المتناثرة من بخورهم، ويذهب كل سنة الى الكنائس يرفع لأجلهم الصلوات ويحكي بمرارة وفخر الانتماء، عن مناضلين ذهبوا عمليا بأجسادهم وتفاصيلهم الصغيرة، لكنهم، وكل سنة كل مناسبة كل حكاياة، يعودون بعنف الحب ويبقون فينا أكثر من أي وقت مضى، وأنت منهم بيار.

غريب وجهك كيف يحكي سطور براءة ما، أحلى ما فيك تلك النظافة في التعبير والانتماء والإخلاص للقضية، أي قضية بعد يا رجل ممكن أن نحكي عنها بعد؟ هي نفسها روح 14 آذار التي منها انطلقت والتي توجتنا جميعا مقاومين وشهداء. لا تسأل بيار عن هيكيلية 14 آذار، لعلك تعرف قبلنا أنها انتهت، لكن بقيت ريح الثورة، روح الانتفاضة، رياح الغضب، بقيت الملاعب حيث صدحت الأصوات ذات عز ذات مجد، المنادية بالاستقلال والحرية، الأصوات التي طردت الاحتلال وما تناثرت في الهباء.
لا تصدّق ما يقوله البعض، ما زلنا نبني الوطن، حجر فوق حجر، بصعوبة بالغة صحيح، نشق المستحيل كي لا يطلع لنا صوت شهيد ويصرخ “شو عملتو فينا وكرمال مين استشهدنا” وأعرف انك لن تقولها يوما، لأنك والشهداء تعرفون قبلنا أن لولا تلك الدماء الطيبة المذاق الحلوة اللون والطعم التي زيّنت تلك الأرض من عبقها، لما بقي لبنان، لما وصلنا الى ما نحن عليه، على رغم ان ما نحن عليه ليس بعدعلى قدر كل تلك الشهادة، لكن والله واصلون، أتعرف لماذا؟ لأننا صادقون، سلاحنا الضمير، نريد وطنا يشبه المنبر الذي وقفت إليه متشحا بالشال الأحمر، منبر الحرية، ومن هناك نسأل معك “بتحب لبنان؟ بدك تعيش وتستشهد وتحب كرمالو وإلا أنت مزّيف”. هكذا أراك تقول وتنده على هؤلاء الذين أحبّوك، وأحبوا لبنان بصناعته وزراعته وسواده وبياضه أنت ابن الصناعة اللبنانية الأصيلة، مناضل ثورة الأرز…
والآن فلنكمل ارتشاف القهوة المرّة على شرفة لبنان لدي الكثير من الأخبار الجديدة لك وستفرح قلبك… صار لنا رئيس صنع في لبنان… نحضر لقانون انتخاب عصري… عندنا الكثير من الغاز… أتريد المزيد من القهوة بيار؟…



للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
