خاص “المسيرة” – واشنطن: ترامب يشكل حكومته… تشدُد مع إيران وحزم في سوريا وشراكة مع الخليج

لن تنفع محاولات استهداف فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، فالمزاج العام الذي أدى إلى تحقيق فوز ساحق للجمهوريين في السلطة على المستويات كافة، كفله الدستور الأميركي الذي وضع اللعبة الانتخابية منذ أكثر من مئة عام في إطار توازنات الأرقام وليس تبعاً للمزاج الشعبي، ليس إنتقاصاً من الحق الديمقراطي لكل ناخب أميركي إنما من أجل تأمين الظروف المناسبة لتشكّل الولايات المتحدة من خمسين ولاية وضمان وحدة الدولة في إطار نظام فدرالي واسع، إذاً لهذين السببين الرئيسيين، قام واضعو الدستور الأميركي بصوغ الآلية الانتخابية بالشكل المطبق حالياً، لدرجة أن أي تعديل للدستور يفرض موافقة ثلثي الولايات الأميركية وتوفر الغالبية في الكونغرس.

قد لا يعني كثيراً لكل من الرئيس المنتخب دونالد ترامب والمرشحة هيلاري كلينتون تاريخ التاسع عشر من كانون الأول، حيث بدأ رافضو فوز ترامب حملة للضغط على المندوبين في “المجمع الانتخابي” من أجل تغيير أصواتهم التي انتقلت تلقائيا إلى ترامب من الولايات التي فاز بها، وعدد مندوبيها هو أكبر من عدد مندوبي الولايات التي فازت بها هيلاري، حيث أنه يتعين على هؤلاء المندوبين أن يدلوا بأصواتهم شخصياً ومباشرة في هذا التاريخ، ويراهن أصحاب هذه الحملة على أن يعاكس اي مندوب من الكلية الانتخابية، رغبة ولايته ويغير صوته ليصبح لصالح هيلاري، فإذا قام 38 منهم فقط بنقل أصواتهم من ترامب إليها، يصبح مجموعها 270 صوتا، فيما تقل حصة ترامب من 306 حصل عليها تلقائيا يوم الانتخابات لتصبح 268 صوتا، فيصبح الرئيس المنتخب خاسرا للانتخابات. ولكن هذا السيناريو مستبعد من قبل الحزبين الجمهوري والديمقراطي للأسباب التالية:

الإقرار بالهزيمة

أولاً: أقرّ الحزب الديمقراطي بالهزيمة بدءاً بكلينتون وصولاَ إلى الرئيس الحالي باراك أوباما وكلاهما يعدان العدة لترك العمل الرسمي، وقد ألقت هيلاري كلينتون  باللوم على جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الاتحادي (إف.بي.آي) في خسارتها انتخابات الرئاسة الأميركية ، في جلسة عقدتها مباشرة بعد الانتخابات مع كبار ممولي حملتها الانتخابية، عندما اعتبرت أن قرار كومي إرسال رسالة إلى الكونغرس قبل أيام من الانتخابات أعلن فيها إعادة فتح تحقيق في ما إذا كانت قد أساءت التعامل مع معلومات سرية عندما استخدمت خادما شخصيا للبريد الإلكتروني أثناء عملها كوزيرة للخارجية، شكل تدخلاً صريحاً من قبل أهم جهاز في الولايات المتحدة في مسار الانتخابات بشكل مباشر وواضح مما أًثار أيضاً حفيظة الرئيس أوباما الذي انتقد علناً رئيس مكتب التحقيقات الفدرالي على خطوته.

ثانياً: لا تفكر قيادة الحزب الديمقراطي في العودة إلى السلطة بقدر ما تفضل الانصراف إلى معالجة أوضاع البيت الداخلي بعد الهزيمة على مستوى مجلسي الكونغرس وحكام الولايات أيضاً، وفي إدراك مدى انخفاض الزخم الانتخابي للحزبيين ومناصري الحزب في الانتخابات التي جرت مقارنة مع الانتخابات الأخيرة في الولاية الثانية للرئيس أوباما، فعلى الرغم من فوز كلينتون بالتصويت الشعبي إلا أن مستويات التصويت لها كانت أقل بشكل واضح من نسب التصويت لأوباما حتى في ولايته الثانية، فأحجم عدد من الديمقراطيين عن التصويت في عدد من الولايات المهمة التي كانت تصنف في خانة الحزب الديمقراطي. وقد دلت النتائج الرسمية التي صدرت عن حجم تصويت الناخبين الأميركيين أن ما مجموعه تسعة وخمسين مليون ومئة ألف ناخب صوتوا لكلينتون في العام الحالي 2016 بينما حظي الرئيس الحالي باراك أوباما في تصويت العام 2012 بتصويت نحو خمسة وستين مليون وتسعمئة ألف ناخب، اي بإنخفاض بلغت نسبته ستة ملايين وثمانمئة ألف ناخب.

مسلم على رأس “الديمقراطي”

ثالثاً: بعد هذه الصدمة ينصرف إذاً هذا الحزب في سعي لترتيب أوضاعه الحزبية، ولكن في خطوة قد تعتبر سابقة من نوعها في الولايات المتحدة، ويمكن وضعها في سياق ردّ مباشر على طروحات الرئيس المنتخب دونالد ترامب ضدّ الأقليات في البلاد ولا سيما الأقليات المسلمة، فقد أعلن السيناتور المسلم كيث إليسون ترشحه لرئاسة اللجنة الوطنية في الحزب الديمقراطي، ويحث السيناتور إليسون على ضرورة مشاركة المسلمين بشكل فاعل في السياسة الأميركية، مشيراً إلى وجود العديد من القيم التي يمكن للولايات المتحدة أن تكسبها من الأفراد المسلمين. وأطلق بيرني ساندرز، المنافس السابق لهيلاري كلينتون على بطاقة ترشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة، حملة لجمع تواقيع لدعم السيناتور إليسون. والسيناتور إليسون محامٍ من مواليد 1963، اعتنق الإسلام وهو في سن 19 بعدما كان كاثوليكياً، وهو أول نائب ديمقراطي مسلم في الكونغرس الأميركي عن ولاية مينيسوتا، ووصول مسلم الى رئاسة الحزب الديمقراطي  سيكرس الانتقال إلى مرحلة قد يراهن فيها الحزب على الطبقات الأكثر شعبوية بعد فشل الخط الوسطي الذي مثلته كلينتون في محاورة هموم الطبقة العاملة التي كسب ترامب أصواتها، ودليل هذا التوجه هو دعم بعض قيادات الحزب الديمقراطي الذين يدعمون وصول إليسون لرئاسة الحزب التظاهرات في عدد من المدن الأميركية ضدّ انتخاب ترامب مع علمهم المسبق أن هذا التحرك الشعبي سينطفئ بعد فترة وجيزة ولن يقود إلى أي نتيجة.

ترامب وتشكيل فريقه

رابعاً: يخطو الرئيس المنتخب ترامب خطوات تنفيذية من أجل ضمان إنتقال سلس للسلطة من خلال اتخاذ عدد من الخطوات.

وهو كلف نائبه مايك بنس قيادة فريقه للإشراف على انتقال السلطة في البيت الأبيض مفضلا إياه على حاكم ولاية نيوجيرزي كريس كريستي. وقالت حملة ترامب إن كريستي سيبقى نائبا لرئيس الفريق الانتقالي. وجاء الإعلان بعد وقت قصير من اجتماع معاوني ترامب للبدء في تقييم المرشحين لبعض من 4000 وظيفة سيعين من سيشغلونها بعد أن يتولى الرئاسة رسميا في العشرين من كانون الثاني 2017.

ووفقا لمصادر قريبة من حملة ترامب فإن رينس بريبوس رئيس اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري كُلف رسمياً لتولي منصب كبير موظفي البيت الابيض بعدما تمّ إستبعاد ستيفن بانون الرئيس التنفيذي لحملة ترامب لشغل المنصب. ولدى ترامب مجموعة صغيرة نسبيا من المرشحين للعمل معه لأن جمهوريين كثيرين أدانوا خطابه ذي النبرة العنصرية خلال الحملة الانتخابية كما أن بعض مواقفه يتعارض مع النهج التقليدي للحزب.

وقالت مصادر إن السناتور جيف سيسشنز عضو مجلس الشيوخ عن ولاية آلاباما قد يتولى منصب وزير الدفاع في حين قد يعين رئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغريتش وزيرا للخارجية وقد يتولى الجنرال المتقاعد مايكل فلين منصب مستشار الامن القومي. ولم تستبعد صحيفة “واشنطن بوست” تولي السناتورة السابقة كيلي أيوت وزارة الدفاع. وأضافت أن من بين الأسماء الأخرى المرشحة للمنصب نفسه، اللفتنانت جنرال المتقاعد جوزيف “كيث” كيلوغ، والمدير السابق لوكالة المخابرات الدفاعية مايك فلين .وبالإضافة إلى قائمة المرشحين لوزارة الدفاع، فإن رئيس بلدية نيويورك السابق، رودي جولياني، يُعد المرشح الرئيسي لمنصب وزير العدل، مع احتمال أن يكون أيضا وزيرًا للخارجية.

سياسة ترامب الخارجية

ولا تزال الصورة غامضة في شأن مسار السياسة الخارجية لترامب على رغم إعلانه خطوطاً عريضة، بينها العلاقة الجيدة مع إسرائيل ومصر والأردن وإعادة التفاوض حول الملف النووي الإيراني، ودعم مجلس التعاون الخليجي وتطوير استراتيجية أكثر بطشاً في الحرب ضد تنظيم “داعش”.

ملف إيران

ومن مؤشرات تشدد الإدارة الجديدة في شأن ملف إيران، إعلان السناتور ليندسي غراهام أنه يتطلع للعمل مع الرئيس المنتخب لتشديد العقوبات المصرفية على إيران، والتي كانت جمدتها إدارة أوباما في أروقة الكونغرس، مع الإشارة إلى أن إدارة أوباما نفسها كانت تلافت عرض الاتفاق النووي مع إيران على الكونغرس للتصوبت عليه، بل إكتفت بتخليص الرئيس من مسار بحث هذا الاتفاق لئلا يسقط، فأصبح إقراره ملزمًا للبيت الأبيض فقط، من دون الكونغرس بمجلسيه، وإذا كان الرئيس المنتخب ترامب أعلن صراحة أنه يعارض الاتفاق النووي، ويعارض تزويد إيران بالمزيد من الأموال، فإن أبواب تعديل الاتفاقية النووية أو حتى إلغاءها متوافرة بسهولة، ولكن كيفية إتمام ذلك تعود إلى ما سيقرره مجلس الأمن القومي الجديد الذي سيعينه ترامب.

الحرب في سوريا والعراق

يعتبر المقربون من ترامب في قضايا السياسة الخارجية ان الإدارة الحالية للرئيس أوباما لم تتدخل بما فيه الكفاية إن في العراق أو في سوريا لتغيير مسار الأحداث في هاتين الدولتين بما يتلاءم مع مصالح الولايات المتحدة لدرجة أن التدخل الجزئي في العراق وفي جزء بسيط من سوريا لم يعط أية نتائج حتى اليوم، كما أن الغارات الجوية التي يقوم بها التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” لم تعط هي الأخرى أية نتائج سريعة على صعيد القضاء على هذا التنظيم.

ففي العراق لم يتدخل بالسرعة الكافية لحماية الاقليات، أما الإدارة الجديدة لترامب فوضعت سقفاً متوازناً لتحركها في المنطقة، فمن جهة لن تسمح بمدّ النفوذ الإيراني ومن جهة ثانية ستواصل المعركة ضدّ الجهاديين، أما كيفية إتمام ذلك فيعود أيضاً لما سيقدم للرئيس الجديد من إستشارات وتوصيات من قبل كبار الجنرالات والأدميرالات الذين عينهم في خلال حملته الانتخابية، وهم على دراية بأن المتطرفين والنظام الايراني سيحاولون إفشال أية خطة أميركية جديدة لانهم يستفيدون من الأوضاع السائدة حاليأً، وتعتبر الإدارة الجديدة أن اوباما قرر الانسحاب من العراق لانه كان يعُدّ الاتفاق مع ايران، وبإنسحابه السريع وانتشار التطرف من جديد في العراق أدى الأمر إلى تفاقم الأوضاع في سوريا ووصلت الامور الى حرب طاحنة مما سمح لكل اللاعبين من روسيا وإيران وحزب الله وغيرهم بالتدخل. ومن بين الخطط المقترحة لمعالجة الأوضاع في سوريا فإن ادارة ترامب قد تواصل التنسيق مع بعض الدول العربية في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الاسد، أما بالنسبة الى مناطق الاسد فهي واقعة تحت السيطرة والرعاية الروسية، من هنا جاء إقتراح ترامب نفسه بالحديث مع الروس حول الوضع في سوريا.

العلاقة مع العرب والخليج

إن أول زيارة خارجية سيقوم بها ترامب ستكون إلى مصر مع ما يعني ذلك من دعم واضح لنظام السيسي ومعارضة واضحة لما قامت به جماعة الأخوان المسلمين ليس فقط في مصر بل في عدد من الساحات العربية وصولاً إلى ليبيا، وبالتالي ستعيد الإدارة الجديدة نسج علاقاتها مع الدول العربية مثل الأردن ومصر وغيرها كما كانت سائدة في أيام إدارة الرئيس جورج بوش الإبن، وعليه سيعمل على زيادة التنسيق والتعاون بين هذه الدول أولاً وبرعاية أميركية مما سيؤدي إلى مزيد من تقوية دول الإعتدال في مواجهة التطرف.

وبالنسبة الى العلاقة مع دول الخليج وعلى الرغم من انتقاده في عدد من المرات للدول النفطية، فإنه بالتأكيد سيعيد تكريس علاقة الولايات المتحدة مع دول مجلس التعاون الخليجي على قاعدة الشراكة الاقتصادية والعسكرية في آن، وسيعزز علاقة المصالح مع دول التعاون على المستوى الأمني والاستخباراتي لجهة مواصلة الحرب ضدّ التطرف وتنظيم “داعش”، ووضع حد نهائي لخطر التوسع أو حتى تدخل نظام الملالي  في ايران في المنطقة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل