.jpg)
كتب العميد الركن (م) وهبي قاطيشه في “المسيرة”:
أشهرٌ وأشهرٌ وأشهر… على حصار حلب. يحاصرها جيش النظام وميليشيات إيرانية ولبنانية. بوتين يعزّز أسطوله البحري شرقي المتوسط، ويدعم القوى التي تحاصر المدينة. هذه القوى تهاجم المدينة، ثم تتوقف أو تنكفئ، ولا تلبث أن تعود للتهويل بمهاجمتها… وهكذا دواليك. حتى باتت حلب كابوساً يؤرّق ليل المماعنين. وماذا بعد؟
ما يجري في مدينة حلب اليوم، يختصر خمس سنوات من عمر المأساة في سوريا. مدينة محاصرة، تشكل هدفاً مفصلياً في الحرب السورية. النظام يعتقد بأن سقوطها بيده، يفتح له باب المفاوضات، وحرية مناورة أكبر في تقرير مصير النظام في سوريا. وبوتين يرى في سقوط حلب، إستعادة للهيبة الروسية التي افتقدها بتفكك الإتحاد السوفياتي قبل ربع قرن؛ لأن سقوط المدينة، يعزّز، كما يعتقد، مكانته في المفاوضات الدائرة في جنيف حول سوريا، ومصير حليفه رئيس النظام بشار الأسد. والرئيس الإيراني حسن روحاني، يجد في سقوط المدينة نسمة من الأوكسيجين في المستنقع الذي أغرق فيه نفسه عندما غاص في الأزمة السورية. و”حزب الله”، المغلوب، كما يبدو، على أمره في حربٍ يخوضها بالأجرة لصالح إيران، يرى في سقوط المدينة محطة مرحلية لالتقاط أنفاسه، واستيعاب القليل من النقمة العارمة التي تجتاح بيئته الحاضنة. وهكذا يعمد كل فريق من المشاركين في القتال فوق الأرض السورية، إلى إنهاء “كابوس” حلب، ولو بنصر منقوص أو مشوّه لالتقاط أنفاسه؛ لأنه يعتقد، أي مربّع الممانعة المعتدي، أن معركة حلب، التي طالت فترة انتظارها، والمرشحة أن تطول أيضاً، ليست سوى محطة غير حاسمة في حرب النظام على شعبه. وإن هذه الحرب لن تنتهي إلاّ بسقوط النظام؛ وسيسقط هذا النظام حتماً.
عرض القوة البحرية مؤخراً، للأسطول البحري للجيش الروس، في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، مقابل مدينتي اللاذقية وطرطوس السوريتين، لا يؤثر في ميزان القوى العسكرية للوحدات التي تخوض المعارك البرية على أطراف مدينة حلب. جلّ ما يقدمه هذا الإنتشار العسكري البحري، هو دعم قوى النظام بصواريخ، يبقى عددها محدوداً إذا ما قورن بعدد الصواريخ وبراميل المتفجرات، التي يسقطها النظام على المواطنين الأبرياء الآمنين في حلب. إذن، من الناحية العسكرية، لن يؤثّر هذا الإنتشار في الميزان العسكري البري، للحرب الدائرة فوق الأرض السورية. أما إذا كان هدف الجيش الروسي، هو تقديم دعم معنوي لمثلث القوى البرية (النظام، “حزب الله” والحرس الثوري الإيراني) التي تحاصر مدينة حلب؛ فذلك يعني أن بوتين لم يستفد، لا من دروس تاريخ الحروب ولا من الحروب التي يخوضها اليوم في المحيط. لكن الرجل يدرك جيداً، كما أعتقد، أنه لا يمكنه تقديم دعم معنوي أو مادي، لحلفائه “الممانعين” الذين يحاصرون مدينة حلب؛ لكنه استحضر هذه القوى إلى المتوسط، للضغط على حلفائه ومنعهم من الخروج عن أجندته، التي تحمل عناوين عديدة: تركية، عربية، أوروبية وأميركية. من هنا ظاهرة التردُّد لدى بوتين في معركة حلب، والتي قد تتوضح معالمها بشكل أكبر، بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً للدولة الأقوى في العالم.
أما النظام؛ فمسكين هذا النظام. يحاصر عاصمته الإقتصادية ويدمرها ثم يسطحها ثم يسويها بالأرض. يحاول فرض شروطه عليها بالقوة، بعد أن حوّل أبنيتها إلى ركام، واقتصادييها الكبار إلى لاهثين في المحيط وحول العالم بحثاً عن ” دكانة” صغيرة تؤمن لهم تعهُّد القليل من الإنتاج للإستمرار في السوق، ومواطنيها إلى نازحين أو مسترهنين أو خائفين… وحتى لو كُتِب له الدخول إلى حلب، فهل يعتقد النظام أن الثورة السورية تنتهي بسقوط حلب؟! لا بل هل يفكر رأس هذا النظام، أن مواطني حلب سيستكينون ويسلمون راضين باستعادته السلطة على مقدراتهم، بعد أن دمر بيوتهم واقتلع شعبهم وقتل ما قتل من أطفالهم وشيوخهم ونساءهم؟! طبعاً؛ النظام يدرك صعوبة، لا بل استحالة عودته إلى حلب. لكن هذا النظام، بات أسير اللعبة الدائرة بين موسكو وطهران؛ إذ لم يعد قادراً على الفعل، إنما على ردود الفعل التي تصب في مصلحة بوتين وروحاني. النظام يدرك أنه عاجز عن وضع مليون جندي سوري في حلب لرصد تحركات مليون مواطن حلبي؛ وحتى لو كان قادراً، فالأسلوب الذي حكم به سوريا لعقود، لم يعد صالحاً اليوم في عصر التكنولوجيا المتطورة. وما يعتقده من إعادة الإستقرار إلى حمص مثلاً، لا يجوز اعتباره مقياساً. فالعائدون من مدينة حمص، يؤكدون أن المدينة تعيش قلقاً دائماً، وهي في حالة انتظار وترقب دائمين، لما يحصل في بقية نقاط المواجهة في المدن الأخرى، لتبني على الشيء مقتضاه، من العودة إلى مواجهة النظام بأساليب أخرى مستحدثة.
إيران من جهتها؛ أقرّت علناً مؤخراً بقسم كبير من حجم خسائرها بالرجال، الذي دفعته في الحرب السورية. وهي لم تتجرّأ على ذلك الإقرار إلاّ بعد تصاعد الإحتجاجات داخل الرأي العام الإيراني. إقرارها بالخسائر بالمقاتلين (ولو جزئياً) لا يبرر التضحيات المالية الكبرى، التي تقدمها للنظام من جيوب الشعب الإيراني المحروم أصلاً من حاجاته الأولية في إعادة إعمار القرى والبلدات التي ضربتها الزلازل منذ عقود، ولا تزال تتكرر فوق الأرض الإيرانية؛ بينما لا يزال سكان هذه القرى يعيشون في مخيمات ينتظرون مساعدات الدولة لإعادة بناء منازلهم المهدمة.
إيران عاجزة، بحرسها الثوري الإيراني، عن اقتحام المدينة. وهي التي توقفت بمليون جندي من جيشها، ثماني سنوات على أبواب مدينة “الفاو” في العراق، دون أن تتقدم شبراً واحداً باتجاه هدفها الأساسي في كربلاء.
تأجيل اقتحام المدينة المتكرر، من وقت لآخر، عائدٌ إلى تهيُّب الفرقاء الدخول إليها؛ وإلقاء التهم بالفشل على الحلفاء الذين يطوقون المدينة ويحاصرونها. إنه فشل الحلفاء في حسم مصير معركة مدينة واحدة في الحرب السورية. إنها “ستالينغراد” سوريا، التي يحفظ دروسها فلاديمير بوتين وكل القوى العسكرية التي تطوّق المدينة.
في مدارس الأركان للدول المتطورة التي تعلم فنون الحرب، يجمع القادة على أن المدن يجب اكتنافها في الحروب؛ ولا يجوز مهاجمتها أو الدخول إليها، لأن الجيوش تصبح في الموقع الأضعف داخل المدن. وفي حلب ينقلب المفهوم المنطقي للحروب، لأن قوى النظام والحرس الثوري الإيراني وحزب الله، مصممون على دخول المدينة؛ وبنفس الوقت يتبادلون التهم بالتقصير. فـ”حزب الله”، ذروة ما أنتجه النظام الإيراني في هذه المنطقة من ميليشيا تابعة له، مُطالبٌ بالدخول إلى المدينة، وخوض قتال الشوارع داخل أحيائها السكنية؛ وإذا ما أقدم على دخولها، فسيكون ذلك بمثابة انتحار للحزب. وهو قبل أن يدخل المدينة، يتساقط مقاتلوه على أطرافها، أو بعيداً عنها بالعشرات؛ لأنه جسم غريب عن المواطن السوري. والبيئة الحاضنة للحزب متعبة ومعترضة، ولم تعد المسكنات قادرة على فعل شيء في الجسم المريض. ولا أفق لبادرة انتصار تعيد للجسد شيئاً من الإنتعاش. إنه الضياع الكامل للحزب؛ إلاّ إذا اعتمد النظام وحلفاؤه على التصريحات النارية للرئيس الأميركي الجديد، فيجدون فيها بارقة أمل؛ كمن يبني مستقبله على “تكهنات” بعض المنجمين. وكم هم كُثُر؟
لقد أخطأ بوتين في تقدير الأزمة السورية. ظنّ أن بإمكانه أن يجعل منها بداية لحربٍ باردة جديدة، تضعه بالتوازي مع واشنطن، كشريك في إدارة الأزمات الدولية. لكنه غفل عن أن أوباما كان يستدرجه إلى فخٍّ نصبه له في المستنقع السوري. وها قد مضى أربعة عشر شهراً على دخول جيشه إلى سوريا، من دون أن يحقق هدفه في وضع اليد كاملة عليها؛ أو يحقق إنجازاً في جنيف لصالح حليفه. لا بل تكبد خسائر كبيرة مادية ومعنوية، بينما هو في وسط الطريق. عاجز عن التقدم وحيداً لفرض حلٍّ في سوريا من دون موافقة واشنطن؛ ولا يستطيع التراجع، لئلا يُعتبر تدخله كارثياً وغير ذي معنى. في الوقت نفسه هو ممتعض من حلفائه (طهران، دمشق و”حزب الله”)، لأنهم لم يُحسنوا استثمار دعمه وطاقاته النارية، لتحقيق مكاسب فوق الأرض السورية. إنه الفراغ والإنتظار القاتل لهذا المربع.
سوف تستمر معركة حلب متعثرة ومتأرجحة… بسبب ضعف رباعي الهجوم الذي لم يتعلم من دروس تاريخ الحروب في المدن، بانتظار أن يتولى الرئيس الأميركي الجديد مهماته الدستورية، ليأخذ الموقف الحازم والحاسم لحلِّ الأزمة السورية. وتستمر حلب كابوساً يؤرِّق الأسد وروحاني وبوتين ونصرالله. إنها عقدة الظالمين الذين لم يحفظوا شيئاً من عبر التاريخ.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]