.jpg)
تخفي أزمة التأليف الوجه الحقيقي للأزمة مع العهد الجديد الذي لم يمنحه فريق الممانعة الذي يدعي الفضل بانتخابه فرصة التقاط أنفاسه، فبدأ بمحاصرته منذ لحظة انتخابه وكأنه تفاجأ بهذا التطور، ففتح في وجهه جبهات عدة تبدأ من علاقته مع “القوات اللبنانية” في الداخل ولا تنتهي بالعلاقة مع المملكة العربية السعودية في الخارج، وما بينهما مواقفه وخطاباته وممارساته.
فالتظاهرة الشعبية إلى القصر الجمهوري كانت محط انتقاد شديد، والاحتفال بالعلم اللبناني كان بدوره محط انتقاد شديد، والانتقاد مرده بشكل أساسي إلى انه في المناسبتين أعاد “الجنرال” إحياء صورته القديمة او نسخته الأولى التي كان الفريق الممانع من أشد المعارضين لها باعتباره رأس حربة في مواجهة النظام السوري ومن يقف خلفه وأمامه.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل تعدتها إلى ثلاثة مستويات استراتيجية:
المستوى الأول خطابه، حاول الفريق الممانع إخفاء امتعاضه من خطاب القسم الذي كانت الأولوية فيه لمشروع الدولة، سيما ان الإتيان على ذكر المقاومة كان عاما من دون ذكر المعادلة الثلاثية (جيش وشعب ومقاومة) التي تعتبر الأحب على قلب هذا المحور الذي قاطع آخر عهد الرئيس ميشال سليمان بسبب وصفه تلك المعادلة بالخشبية.
ولكن سرعان ما عاد وظهّر امتعاضه بعد خطاب الاستقلال الذي وصفه بالباهت، قائلا بأن “زمن الاستحقاقات الخارجية بدأ يفرض نفسه سريعا على جدول أعمال رئاسة الجمهورية، بدليل خطاب الاستقلال الأول الذي جاء باهتا للغاية ويكاد يكون صورة طبق الأصل عن خطابات العهد الوسطي السابق”.
المستوى الثاني تحالفاته، حاول الفريق الممانع ان يكبت مشاعره الحقيقية حيال ترشيح سمير جعجع لميشال عون واستطرادا التحالف بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، ولكن ما كان يصح قبل الرئاسة لم يعد يصح بعدها، خصوصا ان هذا الفريق لم يضع بحساباته إمكانية انتخاب عون رئيسا، وهذا ما يفسر الحملة على “القوات” منذ لحظة انتخاب عون في رسالة لا تحتمل التأويل بضرورة فك هذا التحالف، والفيتوات التي وضعها تتجاوز الحقائب إلى محاولة لخلق شرخ بين عون وجعجع.
وما ينطبق على “القوات” اليوم سينسحب على “المستقبل” غداً، إذ في اللحظة التي ينجح فيها بفك التحالف القواتي-العوني ينتقل إلى ضرب العلاقة بين عون وسعد الحريري، لانه بعرف هذا الفريق يفترض بعون ان يكون خصما لتيار “المستقبل” و”القوات”، لا حليفا، الأمر الذي ظهر بردود فعله التي دلّت على إرباك قلّ نظيره.
المستوى الثالث علاقاته، لم يهضم الفريق الممانع الدخول السعودي بقوة على المسرح اللبناني بعد فتور في العلاقة مع لبنان، خصوصا ان هذا الدخول قطع الطريق باكرا على محاولته استثمار مسألة ان انتخاب عون شكل انتصارا لطهران.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل استكملت بدعوة رسمية لعون من أجل زيارة الرياض وكلام من الرئيس عون عن حرصه على أفضل العلاقات اللبنانية مع السعودية وسائر الدول العربية، الأمر الذي دفع بهذا الفريق إلى التطاول على شخص عون وموقع رئاسة الجمهورية بالتساؤل عن “من التزم للسعودية بـ”سرقة” عون من “المحور”، وأن “هناك من تعهد لبنانيا (طبعا ليس رئيس الجمهورية) للقيادة السعودية بأن يؤدي مسار ترئيس “الجنرال” إلى انتزاعه، في أحسن الأحوال من حضن “حزب الله” والمحور السوري ـ الايراني الى المسار المقابل، أو في أسوأ الأحوال، يقف في منتصف الطريق، فيصبح رئيســــا وسطيا شبيها بميشال سليمان!”
وإن دل هذا الكلام على شيء، فعلى غياب عامل الثقة بعون، ولكن الأسوأ انه يؤشر إلى ذهنية هذا الفريق وكيفية تعامله مع الناس من دون أدنى احترام لحيثياتها، وكأن الرئيس عون من دون شخصية ولا مشروع ولا هدف ولا قضية، إنما يخضع فقط للعرض والطلب بين هذا الفريق او ذاك، وهذا الكلام مسيء بحق عون شخصيا وبحق رئاسة الجمهورية.