وجهاً لوجه مع “العهد الجديد”

يوماً بعد يوم يتكشف حجم التحديات التي ستواجه العهد الجديد، وهي في الحقيقة أبعد من شخص الرئيس أو إسمه. واهم من يظن ان توزيع الحقائب هو العقدة الاساس أمام تشكيل الحكومة، الصورة بدأت تتكشف ان العقدة تكمن في عدم تقبّل بعضهم حقيقة وجود رئيس جمهورية بعدما إعتادوا على رؤساء لا تتخطى جمهوريتهم مصالح أفراد عائلتهم الضيقة أو رؤساء وإن إمتلكوا حسن النية لكنهم يفتقدون الى القدرة المستمدة من حجم حضورهم الشعبي والسياسي ومروحة علاقاتهم الدولية.

مع وصول العماد ميشال عون الى قصر بعبدا، سارع بعضهم الى توصيف الخطوة بإنتصار محور “الممانعة” وإنهزام مشروع “14 آذار” بالعبور الى الدولة. حاول هذا البعض طمس الدور الاساس لرئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع في تعبيد الطريق الرئاسية أمام عون، وهو يعلم في قرارة نفسه أهمية هذا الدور مقابل الدعم الكلامي لـ”حزب الله” لترشيح عون وعدم قيامه بأي خطوة ملموسة أقله داخل صفوف “8 آذار” لتسهيل وصوله الى رئاسة الجمهورية. فهو مدرك أن سمير جعجع لطالما كان رأس حربة في مشروع العبور الى الدولة و”العصب” الحقيقي لقوى “14 آذار”، وهو يعي مدى إحترافيته سياسياً، كما أنه يعي جيداً مدى صلابة جعجع و”نفسه الطويل” من جهة، وتحرره من “الانا” وجرأته على القيام بخطوة غير متوقعة من جهة أخرى.

شكل تخلي جعجع عن ترشّحه لرئاسة الجمهورية وإقدامه على دعم ترشيح عون في 18 كانون الثاني 2016 ، خير دليل على هذا التحرر وهذه الجرأة، وخلق خوفاً من مشروع يحيكه لترجيح كفة منطق “الدولة” على حساب “الدويلة”.

من هنا بدأ يظهر جلياً الارتباك لدى “حزب الله” في كيفية مقاربة خطوة معراب والذي ترجم تخبطاً في إعلام “8 آذار”:

* التشكيك بجدوى مصالحة “القوات” و”التيار” ما لم تتناول معالجة الفراغ في الموقع المسيحي الاول في لبنان والشرق.

* التشكيك بصدقية نوايا “القوات” وجعجع بعد خطوة 18 كانون ودعم ترشيح عون.

* التشكيك بمواقف جعجع الذي أشار الى عدم لمسه اي “فيتو” سعودي على عون واكد ان المملكة لا تتدخل في الشأن اللبناني الداخلي وكل ما يعنيها دعم سيادة لبنان واستقلاله ومنطق دولة المؤسسات.

* التشكيك بإعلان جعجع ان عامل الوقت سيسمح للحريري بدعم ترشيح عون.

حين قضي الامر ودعم الحريري ترشيح عون وأصبح وصوله الى بعبدا بحكم البديهي كون “حزب الله” لم يعد يستطيع التراجع عن الامر، تكفل أحد أبواق “8 آذار” الاعلامية بتوجيه من رئيس “لجنة الارتباط والتنسيق” في “حزب الله” وفيق صفا بإفتعال مشكلة حول توزيع الحقائب بعد إنتخاب عون، وتحدث عن فيتو على تسلم “القوات” بعض الوزارات في محاولة لخلق أزمة بين معراب والرابية علها تعرقل وصول عون الى بعبدا، لكنه فشل.

وبعد إنتخاب عون في جلسة شهدت “ولدنات” ولكن معبّرة، وأمام هذا الامر الواقع إستمر فريق “8 آذار” في تجنيد وسائل إعلامه للهجوم على “القوات” عبر محاولة تهميش دور جعجع في وصول عون من جهة، وعبر فيتو على إستلام “القوات” أكثر من حقيبة وزارية من جهة أخرى بهدف إحراجها فإخراجها. إلا ان إصرار جعجع على دعم إنطلاقة العهد الجديد بالفعل لا بالقول، وتنازله عن الحق المنطقي بتولي حقيبة سيادية، أفشل مخططاتهم وأسقط اقنعتهم، فأصبحوا بممارساتهم وجهاً لوجه مع العهد الجديد.

حاولوا الانقلاب على “خطاب القسم” وإصرار الرئيس الجديد على ان يكون لبنان على افضل حال مع الدول العربية وإحترام مواثيق جامعة الدول العربية، وذلك عبر التهليل لزيارة وزير شؤون الرئاسة السورية منصور عزام موفداً من بشار الاسد ووزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الى بعبدا في مسعى لإلباس العهد الجديد “عباية” محور الممانعة وخلق نقزة محلية وعربية ودولية. فمحلياً، لم يقع الثنائي جعجع – الحريري في فخهم، وعربياً ودولياً لم يتوقفوا عند هذا الترويج السخيف، فكانت زيارة  الموفد السعودي أمير مكة ومستشار خادم الحرمين الشريفين خالد الفيصل، يرافقه وزير الدولة لشؤون الخليج ثامر السبهان لتسليم رسالة تهنئة من العاهل السعودي لعون ودعوة لزيارة المملكة. ويلي هذه الزيارة موفد قطري للغاية نفسها.

إستخدموا لغة “العروض”، تارة عسكرية في القصير، وطوراً رياضية في لبنان، إلا أن رد العهد الجديد كان بتأكيد الرئيس ميشال عون في رسالته الى اللبنانيين عشية عيد الاستقلال أن الجيش هو صمام الامان.

بناء على ما تقدم، يتأكد أن وضع العصي امام إنطلاقة العهد الجديد أبعد من مسألة حقائب، فالعقدة تكمن في عدم تقبّل بعضهم حقيقة وجود رئيس جمهورية، وفي صحة قراءة جعجع ان اولويتهم كانت تكريس عهد الفراغ. فلو وجدت نية بتسهيل إنطلاقة العهد لتم حلّ عقد الحقائب، وربما العودة الى 13 حزيران 2011 تاريخ ولادة حكومة نجيب ميقاتي خير دليل حين تم كسر العرف القائم بتساوي الحصص الوزارية المارونية والسنية والشيعية في الحكومات وأقدام الثنائي “امل” – “حزب الله” على التخلي عن الوزير الشيعي السادس. الحلحلة اليوم تطلب أقل من كسر العرف. لا خوف على تشكيل الحكومة فهو آت لا محال، لكن المماطلة بذاتها رسالة واضحة وتنكيل بالعهد الجديد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل