إفتتاحية “المسيرة” ــ قوة العهد… الاستقلال نسخة طبق الأصل

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1587

لولا استعراض “حزب الله” العسكري في القصير التي يحتلها في سوريا لربما كان استعراض الوحدات العسكرية اللبنانية في عيد الإستقلال على جادة شفيق الوزان في وسط بيروت مرَّ طبيعياً. ذاك الإحتفال كبّر صورة هذا الإحتفال. وبين هذا وذاك ماذا يختار لبنان وماذا يختار اللبنانيون؟ أي استعراض يريدون؟ وأي جيش؟ أية حكومة؟ وأي عهد؟

المشهد كله كان معبّراً في تلك الساعات التي عاشها لبنان يوم 22 تشرين الثاني من وسط بيروت حتى قصر بعبدا. لم يكن مجرد استعراض عسكري وينتهي بل كان استعراضًا سياسيًا للعهد وللجمهورية. استعراضاً للقوة التي ينطلق منها وللدولة التي يريدها.

هذا الحضور الطاغي أوحى في شكل مباشر أن الإنطلاقة الجديدة للعهد ليس من السهل مواجهتها وأن من يقفون في وجهها سيكونون من الخاسرين. ذاك أن هذا المشهد لم يقتصر فقط على الحضور العسكري والسياسي المحلي بل إنه لا ينفصل عن قوة الدفع العربية والدولية التي تتجمع حوله والتي تضع النظام اللبناني في شكل عام على طريق التثبيت وفق آلية متجددة ومتكافئة في الحكم بانتظار بلورة الخريطة الجديدة التي ترتسم في المنطقة من سوريا إلى العراق واليمن.

لم يكن الإستعراض العسكري وحده الغائب عن الساحة. الإستقلال كان غائباً أيضاً. ذاك الإستقلال كان حلم ثورة الأرز في 14 آذار و”استقلال 2005″ كان شعارها. كان الحلم جميلاً ولذلك جرت محاولات اغتياله بصورة متلاحقة. في “استقلال 2016” قد يكون حان الوقت لاستعادة ذلك الحلم.

لم يكن غريباً أن يغيب الإستقلال والإحتفال معاً عن الساحة. بين ساحة المتحف وساحة الشهداء وجادة شفيق الوزان كادت تضيع الذكرى وكأنها تهرب من اغتيال وشيك. لم تنتقل ثورة الأرز وحدها من الساحة إلى القاعة. استعراض الإستقلال انتقل أيضًا إلى ساحة مقفلة على طريق وزارة الدفاع أو داخل المدرسة الحربية في  الفياضية ليكون بدلاً عن ضائع. هذا الإستعراض أعاد الإعتبار إلى المناسبة لتكون نسخة طبق الأصل وصورة عن العهد الذي يريده اللبنانيون. ومن هذه الخلفية يمكن فهم الحرب التي تشن على هذا العهد.

هذه الحرب أعلنت عن نفسها قبل انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الأول الماضي. كانت الرسائل واضحة في ظل عدم القدرة على الإستمرار في فرض الفراغ وتعطيل الإنتخاب: إذا تم انتخاب العماد عون فلن يتمكن من الحكم وإذا سمي الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة فلن يستطيع تأليفها وإذا أراد الرئيس عون أن يحكم على طريقته فإنه لن يكون إلا إميل لحود آخر في قصر بعبدا.

صحيح أن الرئيس عون تسلم الرئاسة من الفراغ ولكنه لم يأت من فراغ. ربما لم يفهم البعض العماد عون وربما لم يفهموا الدكتور سمير جعجع. منذ تبني الدكتور جعجع ترشيح الجنرال في 18 كانون الثاني الماضي في معراب تعاطى كثيرون مع هذا التحالف على أساس أنه ظرفي ومصلحي ولن تكتب له الحياة ووصل الأمر مع اقتراب موعد الإنتخاب إلى اعتبار أن الدكتور جعجع حفر حفرة ووقع فيها. ولكن ماذا حصل بعد الإنتخاب؟ ظهرت الحفرة وظهر من وقع فيها. ولذلك كانت الحملة المستمرة على “القوات” وعلى تفاهم “القوات” مع “التيار الوطني الحر” وعلى انضمام الرئيس سعد الحريري إلى هذا الخط الذي يرسم طريق استعادة الدولة والجمهورية والسلطة والحكم على الأسس التي يجب أن تبنى عليها. ولذلك كانت العقد التي توضع في طريق تشكيل الحكومة.

إذا كان استعراض القصير العسكري من الرسائل الأولى التي وجهها “حزب الله” إلى العهد، فإن الرسائل توالت وبصورة مباشرة إلى الرئيس عون من الصحف القريبة من “حزب الله”. ثمة تحذير مباشر للرئيس: إياك أن تبقى متحالفاً مع “القوات”. حذار من العودة بالشعارات إلى ما قبل مرحلة العام 1990. لا تفتح خطوطاً مع المملكة العربية السعودية. لا تنسى حلفاءنا في أحزاب 8 آذار.

ولكن في ظل هذه التحذيرات لم يكن من الممكن التعتيم على الإنجازات التي حققها تفاهم معراب: لقد فاز سمير جعجع… يسجل لسمير جعجع أنه تمكن بدهائه من صياغة تفاهم سياسي مع ميشال عون، لا يمكن لأحد لا في الشارع المسيحي ولا في كل الجمهورية وخارجها أن يقف بوجهه، بل على العكس، جعل الجميع في موقع الاضطرار للتهليل له، بينما الكل يتهيّب من نتائجه المتوسطة أو البعيدة المدى، من الحكومة الى الانتخابات النيابية والتعيينات الإدارية وصولاً الى إعادة صياغة حضور المسيحيين في السلطة، ربطاً بما يُرسم من خرائط جديدة في الإقليم… لماذا انقلبت الصورة؟ لماذا صار الفخ الذي قالوا إن سمير جعجع وقع فيه تفاهمًا كبيرًا لا يمكن أن يقف أحد في وجهه؟ لماذا كل هذه الحملة؟

ليس من مصلحة “حزب الله” أن يقف في وجه العهد منذ بدايته. لقد فشلت محاولات إلصاق صبغة إيران والنظام السوري بالعهد من خلال الزيارات المتعمدة إلى قصر بعبدا. فجأة قفزت إلى الواجهة علاقة العهد مع المملكة العربية السعودية. كان لافتاً أن الموفد الملكي السعودي كان أعلى من وزير. الأمير خالد الفيصل في قصر بعبدا مسألة غير عادية فهو شقيق الأمير سعود الفيصل وممثل الملك. وقبول الرئيس عون تلبية الدعوة لزيارة المملكة ليست مسألة عادية أيضًا فكيف إذا أعلنت المملكة خلال هذه الزيارة عن إعادة هبة الثلاثة مليارات إلى الجيش اللبناني؟

هذه الصورة المتكاملة جعلت من الفيتو الذي حاول “حزب الله” أن يضعه على “القوات” فيتو على الحزب نفسه. كأنه من خلال هذه السياسة الإعتراضية على العهد يضع نفسه في مواجهة معه منذ بداية الطريق. وهي مواجهة يغطيها اليوم بالموقف من “القوات” وبالتمسك بحقيبة وزارية وازنة للنائب سليمان فرنجية وبحقائب لحلفائه الآخرين. ولكن في الواقع يجب على الحزب أن يأخذ في الإعتبار أن هذا العهد سيكون ممتدًا على ستة أعوام وأن استحقاقات كثيرة تنتظره في هذه المرحلة. خلال هذه الأعوام سيتعاظم دور الجيش اللبناني بينما سيتكبد الحزب المزيد من الخسائر في حروبه السورية. وسيكون عليه مواجهة أحكام المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وربما لذلك قد يكون من مصلحته أن يكون العهد قويًا وأن يكون الجيش قويًا من أجل أن يشكل ضمانة له ولعودته إلى الإنضواء تحت سقف الدولة متخليًا عن مشاريعه الأكبر من لبنان ولو كان أمينه العام السيد حسن نصرالله أعلن باستمرار أن الحزب لا يبحث عن ضمانة من أحد ولا يحتاج إلى إذن أحد وليس مضطراً أن يستشير أحداً وأن السلاح هو الذي يحمي السلاح.

ليس من مصلحة الحزب ولا من مصلحة الرئيس نبيه بري أن تكون الثنائية الشيعية في مواجهة مع الثنائية المسيحية. فإذا كان الأمر يصح عندهما فهو ليس كذلك مسيحياً. “القوات” و”التيار الوطني الحر” ليسا أبداً في وارد التأسيس لمثل هذه الثنائية. قوة تحالف “التيار” و”القوات” تصب في قوة العهد. والعهد جيش وشعب وحكومة ومؤسسات. والعهد ممارسة جديدة تختلف عما كان سائداً خلال عهد الوصاية. العهد يعني أن يكون التمثيل المسيحي قوياً والحضور المسيحي فاعلاً وألا يتم تجاوز الإرادة المسيحية بعد اليوم وهذه المعادلة لا تعطي قوة للمسيحيين بل للدولة من خلال إعادة التوازن إلى المؤسسات والدور الأول إلى رئاسة الجمهورية.

ما حصل في معراب في 18 كانون الثاني الماضي لم يكن مجرد تفصيل في الحياة السياسية اللبنانية. كان كرة ثلج وقد أخذت تكبر. القوى التي باتت تلتف حول العهد ليست قليلة. هذا العهد اليوم حاجة عربية ودولية. والوقوف في وجهه لن يكون لعبة سهلة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل