
اعتدنا على الخطابات الرّنانة التي يطلقها “حزب الله” لدعم حليفه المسيحيّ المفترض، أعني فخامة الرّئيس العماد ميشال عون. إلا أنّ الحزب لم يترجم خطابات الدّعم هذه إلا عندما لم تكن تتضارب مع مصالحه الخاصّة. ولعلّ الإنتخابات الرّئاسيّة كانت بالون الإختبار الأساسي للحزب، حول مدى إيلائه الإهتمام أوّلا، هل مصلحته الشّخصيّة فوق كلّ اعتبار؟ أو أنّ المصلحة الوطنيّة قد تطغى على حساباته الضيّقة؟
ممّا لا شكّ فيه بأنّ تأخير الحزب لإنتخاب حليفه المسيحي كرئيس للجمهوريّة، قد أثبت فشله في أهميّة المصلحة الوطنيّة عنده. فلو كان ذلك صحيحاً، لكان انتخب عون فور ترشيحه، وجنّب البلاد والعباد فراغاً كاد أن يقضي على ما تبقّى من كيانيّة الوطن.
إلا أنّ الحزب انتقل إلى خطّة بديلةٍ عبر نقل التّعطيل من رئاسة الجمهوريّة إلى تشكيل الحكومة. ومن البديهي أنّه يتلطّى كما دائماً، وراء حلفاء مفترضين له حتّى على حساب مصالحهم الخاصّة. لكن ما أثار حفيظته هذه المرّة أنّ الفخامة بدّت مصلحتها الخاصّة فوق مصلحته، لخدمة مصلحة الوطن.
وهذا ما لن يقبل به “حزب الله”. فبعدما أمسك بزمام كلّ البلد من خلال فرضه التّعطيل، يرى نفسه اليوم مجبراً على الدّخول في السّلطة. لذلك بدأ بوضع الشروط التّعجيزيّة. إمّا أن يدخل بشروطه أو تبقى الدّولة مشلولة، والعهد يراوح في مكانه. لا وألف لا. إنّ هذه المسألة مرفوضة. فعجلة الدّولة انطلقت ومن يريد اللحاق بركابها، أهلاً وسهلا به، ام من لا يرغب، فليعارض وفق الأطر الديمقراطيّة والشرعيّة للمعارضة.
وهذا ما لن يقبل به “حزب الله” أيضاً، فهو كان في السّلطة، حتّى في فترة عدم دخوله الحكومات بطريقة مباشرة، من خلال حليفه الإستراتيجي الذي فوّضه مهمّة التّعطيل اليوم، أعني الرّئيس نبيه برّي. فهل سيقبل أن يكون المعارض للعهد، وفخامة الرّئيس هو حليفه – كما يدّعي؟
منطق الحزب يقول بأنّه انتصر لأنّه يعتبر الرّئيس عون مرشّحه وحليفه. إذاً لماذا لم يسعَ الحزب ولو لمرة واحدة، طوال عامين ونصف، وأكثر من أربعين جلسة انتخاب، لإيصال مرشّحه؟
يكفي ادّعاءات وكذب على النّاس، قد تكذبون على كلّ النّاس بعض المرّات، لكنّكم لن تستطيعوا الكذب على بعض النّاس كلّ المرّات، وحال فخامة الرّئيس معروفة أين. إن كانت نيّة الحزب صافية تجاه العهد كما يدّعي، فلماذا لم يسهّل أمر تشكيل الحكومة لتنطلق عجلة الدّولة؟
من البديهيّ أنّ خوف الحزب من ذلك الإتّفاق في معراب يدفعه بطريقة أو بأخرى الى عدم تسيير البلاد. وثقة “حزب الله” معدومة بـ”القوّات اللبنانيّة”، فهل انعدام الثّقة انسحب على فخامة الرّئيس بعدما وضع يده بيد “القوّات”، أم أنّ الإشكاليّة الكبرى بين الحليفين المفترضين، كانت بحسب معادلة ما لنا هو لنا، وما لك هو لك ولنا؟
لقد انتظر “حزب الله” من فخامة الرّئيس أن يفكّ ارتباطه من اتّفاق معراب فور وصوله إلى بعبدا. لكن كما بات واضحاً، يوما بعد يوم، أنّ هذه الثقة التي بنيت بين “القوّات” و”التيّار”، إنّما تمّ بناؤها على صخر لن تزعزعه كلّ الزلازل العاتية. لذلك يرى “حزب الله” نفسه محكوماً بالتّعامل مع الواقع الذي لن يستطيع تعطيله كلّ الوقت. فإن كان فعلاً صادقا في حلفه مع فخامة الرّئيس كما هو صادق في عدائه ورفضه للقوّات اللبنانيّة، فليقدّم أوراق اعتماده للعهد الجديد وليقرن الأقوال بالأفعال. أم أنّ خطّته اليوم ما زالت هي هي، التّعطيل ثمّ التّعطيل، بانتظار تغيير الستاتيكو الإقليمي بحسب التّغييرات الدّوليّة المرتقبة بعد فوز ترامب في الإنتخابات الأميريكيّة؟