
كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة”:
طويلة دروب التحرير ومع ذلك يبقى مشوار الحرية من أغلى وأجمل المشاوير. كانت الشمس الفيلق الأقوى الذي رافق وشارك في العرض العسكري في عيد الاستقلال الثالث والسبعين. الله، جميل أن تعود تلك المشهدية الى ساحات بيروت، الى شاشة نتسمّر إليها كمن يشاهد للمرة الأولى عرضا عسكريا عائدا من غياب ثلاثة أعوام، ليس كثيرا ولكن الغياب هنا محسوب على كرامة الجمهورية وليس بعمر السنين، عودة الاستعراض هنا ليست محسوبة بمظاهر الاحتفالية، انما بالتفاصيل الكثيرة التي كانت غيّبت وكادت أن تغيّب معها الجمهورية. يكفي أن الرئيس عاد وعدنا لنكتب عن يوم الاستقلال من دون تفجّع على الاستقلال.
طبعا لم تتصدّر تلك العنزة من زمن الأبيض والأسود وتلفزيون لبنان، العرض العسكري، ليس لأن رمز العناد انكسر، لكن ربما رموز العناد صارت أكثر من أن تُحصر في ذاك الحيوان المسكين، العناد تمثل أولا وآخرا بالإصرار على عودة تلك المشهدية الرائعة. تقولون وهل عندنا استقلال حقيقي لنحتفل؟ لا، ليس عندنا بعد، لكن من حقنا أن نحتفل ببقاء جمهوريتنا، بتذكار استقلالنا الأول، والمطالبة ربما باحتفالية مماثلة لاستقلالنا الثاني عن الاحتلال السوري ولم لا، العناد تمثّل في ان هرمية الجمهورية عادت من تغييب قسري لرئيس البلاد لسنتين وخمسة أشهر، لمحاولة تغييب نهائي لمنظومة الجمهورية بحالها، فمن حقنا إذن أن نحتفل ونفرح أيضا، وكانت المشهدية حالا من الفرح بحد ذاته.
من الصباح الباكر تسّمرت العيون الى جادة شفيق الوزان، هناك عبرت فيالق رجال السياسة في لبنان، والرجال الرجال حماة الديار للبنان. كنا سمعنا أن العرض العسكري الذي نظمته قيادة الجيش، سيكون مختلفا هذه السنة، قلنا وما سيميّزه عن سواه؟ وكان أكثر من الكثير المميّز الذي لم نتوقعه.
قبل التاسعة صباحا بقليل بدأت منصة الرسميين تمتلئ تباعا بالحضور، رؤساء ووزراء ونوابًا سابقين وحاليين، شخصيات روحية ودبلوماسية وقضائية وإعلامية واقتصادية ونقابية وما شابه، وطبعا قادة الأجهزة الأمنية وكبار الضباط والمدعوين، العيون شاخصة الى المشهد الأمامي، بطبيعة الحال جلس الرئيس نبيه بري، صار الرجل من ثوابت المشهد الرسمي على منصات مشابهة وعلى مدار السنين، يعلّق ساخرا أحد الزملاء، الى يسار بري رئيس حكومة تصريف الأعمال تمام سلام، والى يمينه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، لم تكن اكتملت تشكيلة الحكومة ليقتصر المشهد الرسمي على رئيس حكومة واحد، رؤساء الحكومات المتعاقبة مشهد متبدل عبر سنين الحكم وكذلك رؤساء الجمهورية المتعاقبون على سدّة الرئاسة، وحده الرئيس بري هو الثابت في الصورة حتى اللحظة منذ العام 1992…
“استعدوا شباب بدها تبلش المدفعية”، وإحدى وعشرون طلقة مدفعية رحبت بوصول الرئيس ميشال عون، التفت الجميع الى حيث “الرئيس”، من كان ليصدّق هذا الواقع؟
لم يصعد الرئيس فورا الى المنصة بل توجه بحسب البروتوكول، الى النصب التذكاري لضريح الجندي المجهول، وضع إكليلا من الزهر، استعرض برفقة وزير الدفاع في حكومة تصريف الأعمال سمير مقبل وفي جيب عسكري مكشوف وخلفهما قائد الجيش في سيارة مكشوفة، الوحدات العسكرية المشاركة، حيّا الجميع وأخذ مكانه على المنصة وبدأت تفاصيل العرض العسكري.

جميلة، جميلة جدا تلك الصور الحيّة المتنقلة أمام عيوننا عن ألوية الجيش اللبناني، المشهدية بحدّ ذاتها مهرجان فرح كي لا نبالغ بحماسة المشاعر ونقول، عرس كرامة حقيقي، اشتقنا الى كل ذلك، عن جدّ، اشتقنا الى تلك المشاعر الجياشة المكبوتة فينا، الخوف جعلنا طويلا أسرى المشاعر، اشتقنا الى وطن يعبّر عن حاله بأحلى الصور ليبعث الى العالم رسالة عابرة للمكان والزمان، بأنه وطن موجود حي حاضر متأهب لأي معركة شرف، لأي نضال لأجل الأرض والناس، هكذا وصل الإحساس المباشر من الألوية العسكرية التي استعرضت بعض ما لديها، الى الناس في المكان، الى الآخرين المسمّرين الى شاشاتهم في البيوت، الى عيون الغرباء والأصدقاء، وأيضا والأهم، الى المحتلين القدامى والجدد، أكيد الجدد، أولئك المقنعون بالحب ولا حب انما حلم التملك بالقوة والسيطرة والاحتلال المبيّت، رسالة الى كل ما هو سام وشفاف ونظيف في أرض الشهداء والبخور والقديسين والمقاومين، إن خبطة الأقدام تلك، تمشي حينا على وقع الألحان العسكرية، لكن حين يدق الخطر ع البواب، ستجعل من خبطات قدمها جحيما يطأ رأس كل متطاول أو معتد أو عميل، هكذا قرأت الرسالة، أو لعلني هكذا أردتها في ضميري أن تكون، وأظن أن الضمير صاف لا يخطئ أبدا.

الموسيقى العسكرية تخترق حتى العظام مزاج الحاضرين، تطرب لسماع لبنان يدوي في لحن جياش بالعنفوان، والمفاجأة ان مديرية التوجيه في الجيش اللبناني لم تشأ أن تعبر المناسبة من دون حضور من كرّموا الوطن والجيش بأصواتهم المدوية إبداعا على مر السنين، فحضرت صباح الغائبة الحاضرة أبدا في وجدان وطن لتغني “تعلا وتتعمر يا دار”، وحضر ملحم بركات “وبيبقى الوطن” وذلك ضمن فيديو كليب أُعدّ خصيصا للمناسبة، لفتة رائعة غير متوقعة لكن الأمر لم يمنع الزملاء من التساؤل “ووين فيروز ووديع الصافي؟” ربما لم يكن الوقت كافيا لاستحضارهما “ماشي الحال يا شباب فيروز ووديع هني لبنان ومش ضروري الإعلان عنن”، إجابة لم تقنع أحدا، في وقت، وللمرة الأولى بتاريخ العروض العسكرية، شارك كورال الجامعة اللبنانية بقيادة لور عبس، في إنشاد الأغاني الوطنية.

الى الجهة المقابلة من بيروت كان البحر متواطئا في أناشيد الاستعراض تلك، في الأزرق الجميل تماهت السفن التابعة لسلاح البحرية مع موسيقى الجيش، ففي حين كانت الألوية تتقدم تباعا على الأرض، عبرت السفن أمام القاعدة البحرية، في قلب بحر بيروت، في الأزرق الحلو على رغم كل شيء وعلى مراحل متقطعة، ليكتمل المشهد ولتكون الرسالة على قدر ما يجب من عنفوان، وبلغت ذروة المشهد حين تناثرت في السماء بالونات بيضاء خضراء حمراء بلون العلم اللبناني، في حين أطلقت السفن أبواقها المدوية كمن يعلن الحب على الملأ لأرض طالما تلونت بأحمر الشهداء لتبقى الأرزة خضراء وليعمّ أبيض السلام وطنا ما زال قيد النضال.

انتهى الاستعراض، غادر علم الجيش، انسحبت الألوية من المكان، تناثرت البالونات فوق بيروت، تناقلها الهواء، طاردنا بعضا منها، غادر رئيس الجمهورية، ذهب الجميع الى فوق، الى القصر الجمهوري في بعبدا لتبدأ مشهدية أخرى.
مهنئون من كل الاتجاهات توافدوا الى القصر، اشتاق المكان الى عجقة العيد. كنا سابقا نسخر من تلك العادة التي لطالما اعتبرناها “تافهة”، صحيح كانت كذلك، كان الاحتلال السوري يحرّك ناسه في قلب قلب القصر، يسمح لهم باستقبال المهنئين “بالاستقلال” ويتركنا نتماهى في الكذبة الكبيرة، كان يجعلنا ألعوبة المشاعر، استقلال؟ وهو رابض على قلب كرامة الوطن، خرج الاحتلال السوري، نسبيا، تحرر القصر، نسبيا، ثم غاب القصر عن الألوان والحضور في حياة الناس لأكثر من عامين، غرق القصر في التعطيل، فاشتقنا الى المشهد إياه وكل تلك المشاهد حتى لو كانت رمزية لكنها مؤشر لعودة الحياة، القصر الجمهوري في بعبدا باب الحياة السياسية في لبنان.

عجقة عجقة، مهنئون في كل الاتجاهات، ولا أجمل من هيك، “شو الحلو دخلك بهالتهاني ليش في استقلال؟” “في رئيس، في جمهورية، في جهد تـ يكون في استقلال فينا شوي نتفاءل؟” يتبادل زملاء النقاش وإذ “يي وصل السفير السوري شو جايي يعمل؟”. لم نكن نعرف ان الرئيس الحريري يحضّر مفاجأة من العيار اللذيذ كما وصفها أحدهم. انسحب الحريري.
في الرواق الآخر للقصر وفي بعض مكاتبه الجانبية، كانت اجتماعات ثنائية ورباعية خلف الكواليس تجري، قيل إنها بشأن التشكيلة الحكومية، كان الظرف مناسبا للقاءات بعيدة من الأضواء، وأضواء قصر بعبدا كانت مشعّة في ذكرى استثنائية وفي يوم استثنائي، ليس لأن الاستقلال أنجز تمامًا، لم يفعل بعد، لم تتوحد المشهدية بعد، ليس وحده الجيش اللبناني من يستعرض قواه على أرض لبنان، ليس وحده المسلّح ليدافع عن كرامة الوطن، ليست الأرض محررة تماما من الغرباء والدخلاء والجيوش غير الشرعية التي تدعي المقاومة لأجله، ثمة الكثير الكثير من تلك المظاهر بعد لكن، لكن حسبنا ان القصر عاد ليشع بحضوره، ليرسم الخطوط العريضة للحدث، ليصنع الحدث ومن حوله يتحلّق الآخرون وليس العكس، جميل أن نعرف ان أضواء القصر لن تنطفئ لمجرد أننا تركناه، فهناك وهناك فقط تطرز حكايات وتفاصيل جمهورية أنيقة مهما حاول المحيّكون والخياطون أن يلبسوها أثوابا من قماشاتهم البالية.
تركنا القصر ولم تتركنا المناسبة، عدنا الى منازلنا وجلسنا نستعيد ما حصل في اليوم التلفزيوني الطويل، يا الله، من زمان، أيام “تلفزيون لبنان والمشرق” كان في يوم عيد الاستقلال، يوما تلفزيونيا طويلا الوحيد على مدار السنة، إذ كانت ساعات البث تبدأ عند السادسة مساء والإقفال الثانية عشرة منتصف الليل، وحده عيد الاستقلال يخترق منظومة البلادة تلك، كان يوم عطلة، سعادة مطلقة، نتربّع على سجادة الدفء في غرفة الشتاء ونبدأ نهارنا مع فيروز، “هلي ع الريح يا رايتنا العالية”، وتأتي صباح ووديع الصافي، ويبدأ عرفات حجازي بالتعليق على العرض العسكري ويتهدج صوته تأثرا، ونحن لا نفهم لمَ يفعل، ثم يأتي “بو ملحم” ليختم حلقته التلفزيونية الخاصة بحكمة عميقة “إذا نحنا ما حافظنا ع بلادنا بلادنا بياكلوها الغربا” قال مرة، ونسأل الأهل شو يعني الغربا، ويبدأ الشرح الطويل، ولم نفهم الأمر إلا لحظة اجتاحنا الغرباء وأقفل قصر بعبدا على الكرامة، ليعود ويفتتح بكرامة عالية أبوابه ليحتفل بذكرى الاستقلال وليجعل من الذكرى واقع الأيام، فلننتظر.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
