الحكومة وحواجز التشكيل: أسباب العرقلة غير دستورية

شكّلت المطالب التعجيزية التي تصدر في الكواليس كما في العلن عن القوى السياسية التي لم تشارك في مبادرة تأييد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، نفقاً مظلماً لم تستطع بعد كل الجهود التي يبذلها رئيس الجمهورية، كما الرئيس المكلّف سعد الحريري، في إخراج التشكيلة الحكومية منه، وذلك لكي تبصر النور كما كان متوقّعاً قبل ذكرى الإستقلال. فالإعتراض الذي ظهر من عين التينة مستنداً إلى سلسلة مطالب “توزيرية” قد حال دون أي انطلاقة سريعة للعهد الجديد. ما هي أسباب هذه العرقلة المتعمدة للعهد، خصوصًا أن الرئيس المكلّف سعد الحريري أبدى حرصاً واضحاً على وجوب الإسراع في إنجاز هذا الإستحقاق للتفرّغ لمعالجة الملفات الداخلية المتراكمة، فيما يؤكد الدكتور سمير جعجع في مجالسه، أن العرقلة تتخطى المسألة الحكومية إلى تكريس أعراف تفرض نفسها على الواقع السياسي اللبناني؟

النائب فادي كرم: من يعرقل لا يتحمل موجهة العهد

اعتبر النائب في كتلة “القوات اللبنانية” فادي كرم “إن العرقلة تؤشّر إلى الصراع السياسي المحتدم،، إذ لدى بعض الأفرقاء خشية من التفاهم الذي تم بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، والذي أدّى إلى اتفاق مع الرئيس سعد الحريري، وإلى حصول الإنتخابات الرئاسية، وإلى وصولنا إلى تشكيل حكومة جديدة اليوم. وهؤلاء يحاولون أن يضربوا هذا التفاهم أو التحالف في بداية طريقه، من خلال عرقلة تشكيل الحكومة. وهذه العراقيل لا تستهدف “القوات”، بل ما قامت به “القوات” من تفاهمات وتحالفات سياسية. وتأتي العرقلة من منطلق استراتيجي، لأن هناك فريقاً سياسيًا يعتبر أن لبننة الملفات اللبنانية قد تنزع منه بعض الأوراق التي قد يستخدمها لأهداف إقليمية، كما أن أفرقاء آخرين يعتبرون أن ذلك يهدّد موقعهم ومكاسبهم الداخلية”.

وعما إذا كان هناك عملية إقصاء للمسيحيين عن السلطة، اعتبر النائب كرم، أن “عودة المسيحيين بقوة إلى السلطة، وعودة ال”فيتو” المسيحي إلى السلطة يزعج أطرافاً معينة تريد أن تبقي مفاصل الدولة وال”فيتو” بيدها. من هنا، يسعى البعض إلى الحفاظ على التوازن المسيحي ـ المسيحي لإبقاء الورقة المسيحية في يدهم. إن المسألة ليست نزاعاً بين الطوائف، وإنما من الممكن اعتبارها لعبة سياسية داخلية مرتبطة بالصراع السياسي، وليس الصراع الطائفي”.

عن محاولة بعض الأطراف الشيعية تكريس أعراف جديدة، رأى كرم أنه “قبل حصول الإنتخابات الرئاسية، كانت محاولة لإقامة مؤتمر تأسيسي، لكن هذه المحاولة سقطت بفعل مبادرة الدكتور سمير جعجع بتأييد ترشيح العماد ميشال عون للرئاسة، الذي دفع نحو انتخاب العماد عون رئيساً بفعل انضمام “المستقبل” إلى هذه المبادرة، وبالتالي لم يعد أي طرف داخلي قادراً على الوقوف بوجه هذا التفاهم الذي أدّى إلى الإنتخابات الرئاسية، وإلى تكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة. ولذلك، تكرّرت المحاولة لفرض الشروط التي لم تنجح قبل الإنتخابات الرئاسية، والتي كانت مدرجة ضمن “سلّة” التفاهمات السابقة”.

وعما إذا كانت عملية التشكيل ستتأخّر، نفى كرم ذلك، “لأن من يضع العراقيل لا يستطيع أن يتحمّل كلفة هذا التأخير، كما أنه لا يتحمّل مواجهة العهد. وكذلك، فإن مجال المناورة ليس كبيراً للإستمرار في العرقلة”.

النائب محمد الحجار: يحاولون وضع حدود للعهد

من جهته، قال النائب في تيار “المستقبل” محمد الحجار “إن كل آمال اللبنانين كانت منصبّة على انطلاق مسيرة العهد سريعاً من خلال حكومة “وحدة وطنية”، وقد أثنى الجميع على خطوة الرئيس سعد الحريري بدعم انتخاب العماد عون  رئيساً للجمهورية. واليوم تراجعت هذه الآمال، ولكن المناخ ما زال إيجابياً على رغم تعثّرعملية التشكيل. نتمنى أن يتحمّل الجميع مسؤولياتهم، وأن يقوموا بوضع مصلحة لبنان أولاً، كما فعل الرئيس الحريري من دون التركيز على حجم الحصص الوزارية”.

وعن الجهة التي تعرقل، قال الحجار: “لا أريد أن أوجّه اليوم أي اتهامات لأي جهة سياسية، ولكن الدستور ينص على أن الرئيس المكلّف يجري استشارات، ويناقش مع رئيس الجمهورية ويتعاون معه لكي تبصر الحكومة النور. ولكن ما نشهده اليوم هو محاولة من قبل البعض وضع حدود للعهد وانطلاقته. في المقابل من الضروري التطلّع إلى ما قام به الرئيس الحريري والإرتفاع فوق كل الحسابات والمصالح، والتركيز على الإيجابيات ومصلحة لبنان”.

وعن “فيتوات” تُمارَس لعدم إعطاء حقيبة سيادية لبعض الأطراف المسيحية كـ”القوات”، أبدى الحجار رفضه لأي “فيتو” على أي فريق سياسي، لأن الدستور لم يحدّد أي وزارة كحق حصري لجهة أو طائفة معينة، بل نصّ على المداورة في الوزارات. أما بالنسبة الى الإتفاقات الثنائية، فيتحمّل مسؤوليتها الأطراف الذين عقدوها وليس الرئيس المكلّف”.

وعن محاولة أحد الأطراف تكريس أعراف جديدة، أشار إلى “أن ذلك أمر غير دستوري، وهذا ما حصل من خلال الثلث المعطّل في السابق. لذلك يجب اعتماد المداورة حتى لا تُكرّس هذه الأعراف”.

الوزير السابق زياد بارود: لا يمكن تمثيل الجميع في الحكومة

من جهته رأى الوزير السابق زياد بارود، أنه “منذ اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية التي تلته، بات تشكيل الحكومات يخضع لفيتوات غير معلنة بعدما أصبحت المؤسسات الدستورية خاضعة لمبدأ التوافق في كل شيء. ولذلك، أخذ تشكيل بعض الحكومات أشهرا خمسة وستة وأحيانا زهاء السنة. اليوم لا نزال ضمن الشهر الأول من التكليف ولا أرى بالضرورة عرقلة كبرى لأن الوقت لا يزال متاحا للتشكيل، علما أن البعض اعتاد “الدلال” السياسي ويحاول رفع سقف تمثيله”.

وعمّا إذا كان الخلاف هو حول تفسير النصوص الدستورية المتعلقة بتشكيل الحكومة أم هو محض صراع سياسي، قال بارود: “هذه المرة الحق ليس على الدستور. فالنص واضح ولا يحتمل اجتهاداً، علماً، بالمناسبة، أن ثمة حاجة لوضع ضوابط زمنية للتشكيل، فلا يستمرّ التكليف إلى أمد غير محدد. إن ما يعرقل الأمور ويعقدها هو قيام تفاهمات سابقة للإنتخابات الرئاسية أدّت إلى إجرائها، وهذا جيد، لكن هذه التفاهمات لم تشمل الجميع على ما يبدو، وفي المقابل يريد الجميع أن يتمثّل. في الديمقراطيات عادة هناك سلطة تحكم ومعارضة تراقب، أما عندنا فالجميع يريد أن يكون جزءاً من السلطة وهذا غير صحي. كأننا أصبحنا رهائن التوافق في كل شيء، والتوافق يريده البعض إجماعاً والإجماع صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً”.

عن الفيتوات التي تمارسها بعض الأطراف على “القوات اللبنانية”، اعتبر بارود “أن هذا النوع من الفيتو لا ينفع ولا يمكن القبول به تحت أي عنوان. إذا كنا نريد شراكة، فهذه الشراكة لا يمكن أن تكون إنتقائية وإقصائية لأي مكوّن. إن إقصاء أي كان عن أي موقع بصورة إرادية بل أقول كيدية ينتج مفاعيل معاكسة. الشراكة تفرض مساواة الجميع في تولّي المواقع الوزارية”.

عن محاولة القيادات الشيعية تكريس أعراف جديدة أكد أن “الشيعة في لبنان مكوّن أساسي وشريك مع سائر اللبنانيين في عملية إدارة الدولة، وإذا كان المقصود “عرف” تولي مواقع وزارية محددة، فالممارسة منذ 1990 لم تذهب في هذا الاتجاه الذي يبدو مستجدا. وفي ظل استحالة الرجوع إلى محاضر اتفاق الطائف، لا بد من الركون إلى النص الدستوري الذي لا يوحي بأية أعراف بهذا المعنى”.

النائب آلان عون: المطالب غير المنطقية تعرقل

في المقابل، لم يبدِ النائب آلان عون أي استغراب لعملية شدّ الحبال الحاصلة حول الحقائب والأحجام، لكنه استدرك “أن الإصطدام بمطالب غير منطقية، يضع الموضوع في إطار العرقلة. إن بعض الأمور تعقّد مسار التأليف الحكومي، لذلك فالمطلوب العودة إلى الواقعية والأعراف المتّبعة لإنهاء العملية”. وإذ رفض الدخول في أي اتهامات وسجالات، أكد أن “كل ما يخرج عن المنطق والواقعية كمطالب، يجعلنا نبتعد عن قواعد التأليف المتّبعة عادة، ويدخلنا في حسابات سياسية وفي تداعيات المعركة الرئاسية، ذلك أن المراوحة الآن هي لخلفيات سياسية وليست دستورية”.

واستبعد النائب عون، أن يكون التعثّر يخفي في طياته عملية إقصاء للمسيحيين، وقال “إن وضع المسيحيين إلى تحسّن كبير بعد وصول العماد عون إلى رئاسة الجمهورية، وتكريسهم كشريك أساسي في الحكومة من خلال اختيارهم وزراءهم بأنفسهم. إن التحفّظات التي يبديها البعض على “القوات اللبنانية” هي ذات خلفية سياسية بسبب مواقفها، وليست ذات خلفية مسيحية”.

ولاحظ أن “ما يحصل الآن، ليس مجرّد قصة أعراف حكومية، فالطائفة الشيعية كباقي الطوائف تطمح أن تكون شريكة فعلية في السلطة التنفيذية، وكل فريق يرى السبيل إلى ذلك في عرف أو حق أو مبدأ يؤمن له هذا الهدف”.

بالنسبة إلى المخرج من هذه الأزمة، قد أكد النائب عون أنه سياسي، إذ “المطلوب ليونة أكبر لتسهيل عملية تشكيل الحكومة، فالكل له مصلحة في تعجيل هذه العملية، لأن من يريد قانون انتخاب جديد عليه الإستعجال، ومن يريد العودة إلى السلطة عليه الإستعجال، ومن يريد انطلاق العهد عليه الإستعجال أيضاً”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل