
يتمحور معظم النقاش السياسي في البلد بعد انطلاق الرئيس سعد الحريري في مشاوراته لتأليف الحكومة حول الحصص الوزارية والأحجام السياسية داخل الحكومة في ظل محاولة لتصوير “القوات اللبنانية” وكأنها تسعى، على غرار قوى سياسية أخرى، إلى حصة من قالب الجبنة داخل السلطة، علماً أن تاريخها أكبر دليل على عدم صحة هذا الكلام والتوصيف، حيث بدّت دوماً المصلحة الوطنية العليا على اي اعتبار آخر.
وقد برهنت التجربة ان استبعاد “القوات اللبنانية” عن السلطة والحكم والحياة السياسية كان هدفه في مرحلة أولى وضع اليد على لبنان، وفي مرحلة ثانية عدم تمكينها من تغيير التوازنات القائمة بهدف إبقاء القديم على قدمه، إن على مستوى ميزان القوى السياسي، او لناحية النهج السلطوي المتبع.
وكل هدف “القوات” من وراء الدخول بقوة إلى الحكومة يكمن في الآتي:
أولاً، تصحيح الخلل في الشراكة والميزان الوطني، وذلك تجسيداً لميثاق العيش المشترك.
ثانياً، إعطاء قوة دفع لخيار الدولة داخل السلطة، هذا الخيار الذي لا يمكن تقويته سوى من خلال ترجيح كفة القوى السياسية المؤمنة بمشروع الدولة.
ثالثاً، إطلاق أوسع حملة ضد الفساد أو إطلاق معركة مكافحة الفساد والتي لا يمكن خوضها جدياً سوى من مربع الحكومة وعلى أساس خطة حكومية واضحة المعالم.
رابعاً، ترجيح كفة القوى السياسية الحريصة على إنجاح العهد والحكومة والوقوف سداً منيعاً أمام القوى المعطلة والمشاكسة والمعرقلة.
خامساً، تقديم نموذج مختلف من الممارسة داخل الحكومة مجتمعة وعلى مستوى الوزارات المعنية.
وكل ما تقدم لا يمكن تحقيقه سوى من خلال مشاركة وازنة في الحكومة كفيلة بتبيان الفرق وإحداث نقلة نوعية فعلية، سيما انه في اللحظة التي تنوجد فيها قوة سياسية قادرة على الفعل والتأثير والتغيير تشكل عدوى لقوى سياسية أخرى، كما تشكل قاطرة لتوجه جديد وممارسة مختلفة.
وما ينطبق على الكتلة الوزارية ينسحب على الكتلة النيابية حيث بدأت “القوات” استعداداتها للخروج بكتلة نيابية وازنة تمكّنها من فرض إيقاع جديد برلماني وسياسي، خصوصاً ان البرلمان هو أم السلطات، أي المكون الأساس للهرمية الدستورية والمؤسسات الدستورية، ومن هنا أهمية صحة التمثيل السياسي من أجل بناء مؤسسات متوازنة ميثاقياً ومنبثقة من إرادة الناس شعبياً.
فالطريق إلى التغيير أو العبور إلى الدولة أو بناء الجمهورية القوية يبدأ من خلال الدخول بقوة إلى السلطة، هذا الدخول الذي منعت منه “القوات” خشية من دورها وفعاليتها، والفيتوات التي توضع عليها وحدها أكبر دليل على صدقيتها ومبدئيتها وشفافيتها ورفضها التطبع مع الوضع ولا التسليم بالأمر الواقع.
ومن هنا تمسك “القوات” بالدخول بقوة إلى السلطة ليس الهدف منه إطلاقاً زيادة حصتها السلطوية، بل زيادة حصة البلد والناس المتأملة بالتغيير. فـ”القوات” لم تكن ولن تكون قوة تقليدية، إنما قوة تغيير على أساس مشروع واضح يرمي إلى استعادة السيادة وتحقيق الشراكة ومكافحة الفساد.
