#adsense

إشكالية تأليف الحكومة… بين المنظومة والنظام

حجم الخط

أظهرت الأيام القليلة الماضية ولا سيما منذ تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الأولى في عهد الرئيس ميشال عون، عمق الاشكالية التي تعاني منها التركيبة السياسية اللبنانية الداخلية  بفعل منظومة مبتذلة ضاربة بجذورها منذ زمن الوصاية السورية على لبنان والنظام الامني الذي نجم عنها، والذي حرّف في مبادىء النظام الدستوري وطوّع نصوصه في خدمة مصالح المحتل، مكرساً ثلاث بدع  لا يزال فريق من اللبنانيين حتى يومنا هذا يعتمدها بمثابة ثوابت في ادبياته:

ـ بدعة الفيتوات على الاخرين.

ـ بدعة تطويب الوزارات على اسم طوائف ومذاهب.

ـ بدعة التدخل في فرض الحقائب.

فالممارسات في زمن الوصاية كرست نمطية منحرفة في ادارة شؤون الدولة وفي حكمها، لا تزال تأثيراتها الى يومنا هذا، وهي تنعكس اصراراً لدى فريق من اللبنانيين، ونعني بذلك الثنائية الشيعية التي يمثلها الرئيس نبيه بري، من خلال الذهاب في اتجاهات لا تمت بصلة الى اسس واصول تشكيل الحكومات…

اولاً: بين الممارسات السابقة التي لا تخلق حقوقاً مكتسبة لاي فريق وبين الدستور، فروقات جوهرية بالنسبة لقواعد تشكيل الحكومات.

فالدستور اقر الفصل بين السلطات والتعاون بينها،  فلا يحق لاي سلطة ان تقفز فوق صلاحيات سلطة أخرى او أن تتدخل فيما يعود لاختصاصها لأن رئيس الجمهورية والرئيس المكلف وحدهما المخولان بالفصل في التشكيلات الحكومية وعلى الاطراف السياسية ان تتقدم باسماء مرشحيها لا ان تتدخل في فرض حقائب وزارية من هنا او هناك.

ثانياً: ليس في الدستور ولا في حيثيات اتفاق الطائف اي نص او محضر مكتوب يعطي طائفة ما او مذهب ما حقاً مكتسباً باحتكار وزارة ما، كما لا شيىء في الميثاق الوطني للعام 1943 يحدد هذا النوع من الاحتكار والسيطرة على وزارات من قبل فريق على الدوام، ما يعني أن بدعة مناداة فريق من اللبنانيين بحق مكتسب له في وزارة ما، يعتبر من قبيل البدعة السياسية والهرطقة الدستورية التي تخلق سوابق خطيرة من شأنها الطعن المباشر بأسس الحكومة البرلمانية  والنظام الديمقراطي  ومبدأ المداورة في الوزارات ومساواة الجميع امام الوظائف العامة.

ثالثاً: ليس في الدستور من حق فيتو يمكن ان يمارس من اي فريق على اي فريق آخر في تسلم وزارات او تسميته لحقائب وزارية معينة، فالفيتو نظير اعلان حرب، ونظير انقسام ودليل فقدان ثقة، الامر الذي لا ينسجم مع توجهات العهد الجديد ولا بالطبع مع نصوص الدستور وروحية ونصوص وثيقة الطائف.

يضاف الى ذلك ان وحدهما من يحق لهما استبعاد شخصيات وليس قوى سياسية من أي تشكيلة حكومية، هما رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، علماً ان التركيبة السياسية السائدة الى الآن ومنذ انتهاء الاحتلال والوصاية على لبنان، شاءت الى الآن أن تختزل الطوائف باحزابها، بحيث اذا ابعد حزب او تكتل ما، اعتبرت طائفة برمتها او مذهب برمته مستبعد.

رابعاً: لا يمكن في نظام برلماني ديمقراطي – جمهوري كما النظام الدستوري اللبناني، ان تأتي الحكومات نسخة منقحة او مطابقة على صورة مجلس النواب، فقد عانينا منذ سنوات وسنوات من هذه البدعة في الممارسة، بحيث ادت ولا تزال الى ضرب آليات المراقبة والمحاسبة والمساءلة، فالحكومة تحكم بثقة مجلس النواب، لا من خلال مجلس النواب ولا على صورة مجلس النواب، وبالتالي تلهف طوائف ومذاهب معينة في احتفاظها بمكاسبها في البرلمان كما في الحكومة، وهو إن دل على شيىء فعلى ابتعاد هؤلاء عن الدستور والمنطق البرلماني ومبادئه بحيث يتوجب ان تأتي الحكومات بما هي السلطة التنفيذية، مستقلة عن تأثيرات واملاءات السلطة التشريعية الممثلة بمجلس النواب.

اعراف وبدع تكرست على مر السنوات حتى بات من اخترعها يصدقها كمثل جحا، ويؤمن بانها تحولت حقوقاً مكتسبة له ولفريقه السياسي، فيما المطلوب اولاً واخيراً العودة الى الكتاب اي الدستور والى مبادىء النظام البرلماني الديمقراطي…

يبقى ان القرار الفصل بيد فخامة رئيس الجمهورية بالتوافق مع الرئيس المكلف وعليهما انجاز المهام دستورياً في نهاية الامر وتشكيل الحكومة وفقاً لما يرون، بعدما ادلت القوى السياسية كل واحدة منها بدلوها وباتت الاوراق مكشوفة ومعروفة.

فالتحدي الماثل حالياً في تأليف الحكومة يختصر بالصراع بين منطقين ورؤيتين: منطق المنظومة النفعية التي ارساها زمن الوصاية والاحتلال بالمحاصصة وتوزع القوى والصلاحيات لتشابكها وبالتالي شلها وتشتيتها، ومنطق النظام والعودة الى الدستور الذي ارساه الطائف ودستور الجمهورية الثانية… والذي بموجبه وحده حددت آليات تشكيل الحكومات.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل