.jpg)
كتب سيمون سمعان في “المسيرة – العدد 1587:
تتوالى عمليات صرف الموظفين العاملين في مؤسسات لبنانية وأجنبية في لبنان منذ بداية العام 2016 حيث بلغ عدد المصروفين أكثر من 3000 موظف وأجير، بحسب أرقام وزارة العمل وبعض الجهات المحلية والدولية المختصة. ولهذه الغاية عُقِدت إجتماعات متتالية في وزارة العمل جرى في خلالها البحث في سبل معالجة عمليات الصرف التي يتعرض لها العمال اللبنانيون في معظم القطاعات الإقتصادية. واللافت أن وتيرة الصرف تلك من بداية العام وحتى اليوم لم تتراجع ما يثير الخشية من بلوغ الوضع مراحل لا تعود معها المعالجات التقليدية ممكنة.
تضافرت أسباب عدة مباشرة وغير مباشرة لتدفع ظاهرة صرف الموظفين والعمال إلى مستويات باتت تستدعي المعالجة السريعة قبل فوات الأوان، خصوصا مع انطلاق. ولهذه الغاية تشهد وزارة العمل والمرجعيات المختصة حركة لافتة في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة وتلافي المزيد من تداعياتها. وقد خصص اجتماع موسّع في الوزارة للبحث في ظاهرة الصرف الجماعي للأجراء من مؤسسات العمل في كل القطاعات اللبنانية، مع وجود فارق بين قطاع وآخر. واعتبر المجتمعون أن هذه الظاهرة هي وليدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، معطوفة على الازمة السياسية التي كانت سائدة قبل انتخاب رئيس وإعادة ضخ الحياة في شرايين الدولة.
والمؤسف في الوضع بحسب المواكبين للقضية أن هذه الظاهرة لن تتراجع في المدى المنظور، بانتظار الإنطلاقة الكاملة للعهد وعودة عجلات الإقتصاد إلى الدوران من جديد، خصوصا مع وجود نحو مليوني نازح ولاجئ على أرض لبنان ينافسون اليد العاملة اللبنانية ورجال الأعمال والمؤسسات اللبنانية. وإذا كان ثمّة من يتوسع في تحليل الحالة وتحديد الأسباب، فإن من يجهدون لتحصيل مداخيل تقيهم السقوط تحت أعباء الحياة يسألون عن الحلول والمعالجات قبل انهيار الهيكل على رؤوس الجميع؟
خروج القطار عن السكة
تلقت وزارة العمل خلال الشهر الماضي فقط أكثر من 1500 طلب لتسريح موظفين وعمال في مختلف القطاعات الإقتصادية. وكانت تلقت طلبات تشاور مماثلة من جمعيات دولية عاملة في لبنان. ومن هذه المؤسسات الدولية والمحلية من أتمّت عمليات الصرف قبل إنهاء التشاور مع الوزارة بحسب ما تقتضيه المادة 50 فقرة (واو) من قانون العمل.
عن هذا الموضوع أفادت الجهات المعنية في وزارة العمل أن الوزارة تتلقى عدداً كبيرا ومتزايدا من طلبات تسريح عمال في مؤسسات لبنانية وأخرى أجنبية عاملة في لبنان، في ظاهرة وصفتها بأنها ليست جديدة، لكنها بدأت تأخذ منحى تصاعديا لم تشهده البلاد منذ عقود على رغم مواجهتها في السابق أزمات كثيرة وخانقة. وأشارت الى أن عمليات الصرف طالت أيضا القطاع الفندقي حيث أقدمت إدارة أحد الفنادق في بيروت على صرف 9 أجراء لبنانيين، فيما يتحضّر عدد آخر من الفنادق والمطاعم لتقليص جهازه الوظيفي نظرا للأوضاع الراهنة.
ولفتت الجهات المعنية إلى أن نسبة البطالة في لبنان وصلت الى 25 في المئة، وأن نسبة 36 في المئة من هؤلاء هم في عمر الشباب و47 في المئة من طلاب الجامعات. ومعلوم أيضا أن حوالى 67 ألف متخرّج من مختلف المستويات العلميّة يغادرون لبنان سنويا، في حين أن لبنان في حاجة الى 34 ألف فرصة عمل سنويا إلا أنه لا يتوفّر فعلياً سوى ما يقارب الـ 3400 فرصة فقط.
وتفيد الإحصاءات أن عدد الموظفين والعمال المصروفين من مختلف المؤسسات اللبنانية خلال الأشهر القليلة الماضية فاق الـ 3 آلاف شخص. يضاف إلى عدد الموظفين المسرّحين في الأشهر السابقة، وكذلك في العام 2015 حيث بلغ حجم الصرف 12 ألف عامل، منهم من تمّ تسريحهم بسبب إقفال المؤسسات التي يعملون لديها، ومنهم بسبب تردّي الأوضاع الإقتصادية وسياسة التقشف المتّبعة في معظم الشركات اللبنانية. وإذا أضيف هؤلاء إلى المتخرجين سنويا ممن لم يدخلوا سوق العمل بعد يتبيّن أن أرقام العاطلين عن العمل باتت مخيفة حقا وتستدعي المعالجة، مع علم الجميع بصعوبة ذلك في ظل الأزمة المتفاقمة، لكن لا سبيل لتجنّب الكارثة إلا باستنباط المعالجات السريعة لهذه الظاهرة. وهذا الأمر يأمل الإقتصاديون أن يكون على رأس أولويات الحكومة المقبلة.
وفي هذا السياق كشفت منظمة العمل العربية أن البطالة في لبنان باتت ضعف معدلاتها في العالم المتقدم. وأشارت في تقرير لها إلى تداعيات الاضطرابات الأمنية والاجتماعية في المنطقة وخصوصاً في سوريا على النمو الاقتصادي في لبنان وأحوال سوق العمل اللبناني ومعدل البطالة في البلاد. وأضافت أن معدلات البطالة تخطت المحظور مع تقديرات تشير إلى أنها باتت تفوق الـ37 إلى 38 في المئة بشكل عام، و55 إلى 60 في المئة في صفوف الشباب.
وكان تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية حذّر من أن تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان قد يزيد حجم القوى العاملة وخصوصاً تلك التي لا تتمتع بمهارات معينة بنسبة 30 في المائة إلى 50 في المائة، الأمر الذي يزيد من حدة المنافسة عند الباحثين عن عمل من اللبنانيين.
.jpg)
بين الظاهر والمستور
عند البحث في ضرورة معالجة هذه الظاهرة، لا بد من تحديد الأسباب لكي تأتي المعالجة علمية وناجعة، كما يقول القيّمون على عملية معالجة أزمة صرف الموظفين المتفاقمة. فمثلا يتفق عميد كلية ادارة الأعمال في جامعة الحكمة البروفسور روك – أنطوان مهنا، مع مسؤولين ومتابعين كثر حول أن أسباب ارتفاع نسبة البطالة في لبنان تعود الى عوامل عديدة، غير أن أبرزها أزمة النزوح السوري التي أثرت في شكل أساسي على عنصر الشباب اللبناني، لأن العمالة السورية لم تعد موسمية تقتصر على قطاعي البناء والزراعة، بل بدأت تطاول المهن ذات المهارات وتلك التي كانت محصورة باللبنانيين، والمهن الحرة واصحاب الصناعات.
ومع أن وزارة العمل كانت حددت المهن التي يسمح للنازحين السوريين بمزاولتها وهي البناء، والزراعة والخدمات البيئية. الا أنه على رغم ذلك ما من جهة قادرة على ضبط العمال غير المرّخصين، لا سيما من يعمل منهم في قطاعات الاقتصاد الموازي، أي الذي يضم الشركات غير المسجّلة في المالية وفي غرفة التجارة وفي الضمان الاجتماعي .
ويشير البروفسور مهنا الى أن خطورة الموضوع تكمن في وجود دورة إقتصادية سورية داخل الاقتصاد اللبناني حيث تأتي المواد الأولية مهرّبة من سوريا ويكون التوزيع سوريّا والمتعهد سوريّا والعامل سوريّا وصولا الى المستهلك. ويفيد متابعون بأن هناك مصانع تم تفكيكها من سوريا ونقلها وتركيبها في لبنان وهي تعمل بإدارة سوريين وعمالة سورية صرف، وتسوّق منتوجها في السوق الإستهلاكي اللبناني وبأسعار أقل بكثير من مثيلاتها المنتجة لبنانيا، كونها وإلى جانب اليد العاملة الرخيصة لا تتحمل تكلفة الإنتاج لأنها لا تدفع، لا رسوم ضمان إجتماعي ولا ضرائب ولا أي نوع من الرسوم والتكاليف الباهظة التي تتحملها القطاعات ووحدات الإنتاج اللبنانية.
ومن الأسباب بحسب البروفسور مهنا، أثر الفراغ الذي امتد سنتين ونصف في رئاسة الجمهورية على عامل الثقة، مما حجب الاستثمارات الكبرى عن لبنان ووضعها في خانة الترقّب، فأضاع إمكانية خلق فرص عمل جديدة. كذلك أدّى الشلل على صعيد مجلسي النواب والوزراء، الى غياب الاصلاحات التشغيلية. وأشار إلى أن مسؤولية إقرار بعض المشاريع الانمائية التي تخلق فرص عمل كثيرة، تقع على عاتق مجلس النواب، كالبتّ في ملف النفط والغاز وإقرار قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص الذي قد يخلق حوالى 200 الف فرصة عمل، إضافة الى مشروع الحكومة الالكترونية، مشددا على أن هذه المشاريع داخلية غير مرتبطة بالأزمة السورية ولا بالأزمة الخليجية.
وثمّة من الخبراء من يعيد الأسباب إلى تعثر المؤسسات اقتصادياً، وتكبدها خسائر مالية. ويلفت هؤلاء إلى أن الأرقام الحقيقية للعاملين اللبنانيين المصروفين من مؤسسات وشركات لبنانية هي أكثر بنسبة تراوح بين الـ30 والـ50 في المئة زيادة عن الأرقام المتداولة. لافتين إلى أن وزارة العمل ليس لديها القدرة الكافية لكشف كل هذه التجاوزات والمخالفات التي تحصل في سوق العمل اللبناني، بسبب الرقابة الضعيفة، كون لدى الوزارة 9 مراقبين فقط على 80 ألف شركة خاصة في لبنان.
ويؤخذ على بعض المؤسسات بحسب وزارة العمل القفز فوق قراراتها وتوصياتها بعدم صرف أي أجير قبل اعتماد سياسة إدارية تنظيمية. علماً أن مؤسسات عديدة مرشحة لاتخاذ خطوات مماثلة، ما يرفع منسوب البطالة في لبنان ويهدد لقمة عيش آلاف اللبنانيين، ويؤثر سلباً على الاقتصاد اللبناني الهش أصلا.
وفيما يعتبر البعض أن ظاهرة الصرف بهذا الحجم المتعاظم جديدة على سوق العمل اللبناني، الذي لم يشهد مثيلا لها من قبل. يؤكدون أن أبرز الأسباب هو الوضع الاقتصادي المزداد ترديا والنزوح السوري المزداد كثافة. ويضيفون، أنه يجب ألا يغيب عن بالنا طمع بعض الشركات التي تبالغ بالصرف التعسفي بحجة أن هناك ظروفا مالية قاهرة. مع العلم أن عمليات الصرف الحاصلة تؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد المأزوم في الأساس. فالمواطن عندما يتوقف عن العمل يتوقف عن الاستهلاك، ما ينعكس على الإنتاج الذي يصيبه التكديس وبالتالي يتراجع الإنتاج، ما يعني بشكل آخر انعدام الاستثمار، ووقوع الشركات والمؤسسات بأزمة إلغاء فرص عمل من جديد. ويطالب هؤلاء بمقاربة علمية للموضوع وإلا فسنبقى نراقب الهيكل ينهار ونسجل الأرقام المتصاعدة لا أكثر.
فرص ضائعة وأخرى ممكنة
في المحصلة يرى القيّمون على الأمر أن البطالة طالما كانت موجودة والصرف يحصل عندما تشتد الأزمات وقد اعتاد لبنان أنواعها كافة، غير أن الظاهرة اليوم مختلفة وأكثر تعقيدا، ففي السابق عندما كان القطاع الاقتصادي يتعرض لأزمة، كانت الدولة تبادر الى مساعدته وإنقاذه، وفي المقابل عندما تكون الدولة في وضع صعب كان يبادر القطاع الاقتصادي الى إنقاذها. أما المعضلة اليوم أن الكل في أزمة ولا أحد يستطيع إنقاذ الآخر، ومن يدفع الثمن هم الموظفون والعمال والأجراء.
وفي تقرير للبنك الدولي يلفت الى أن هناك 40 في المئة من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر، ويتوقع التقرير أن ينحدر حوالى 170 الف مواطن لبناني لما دون هذا الخط بنتيجة الأوضاع السائدة وعمليات الصرف المتواصلة. وحذّر التقرير من تفاقم الأزمة المعيشية في لبنان، معتبرا أن اللبنانيين المرشحين لانحدار وضعهم المعيشي كثر.
هنا مكمن الخطر الذي لم يبادر المسؤولون إلى معالجته، كأنهم غير آبهين لما يحمل ذلك من مخاطر. فهناك مؤسسات تقوم بالصرف الجماعي من دون تعويض، ومؤسسات تؤخر عمليات الدفع وأخرى تدفع نصف معاش. وهناك من يستغل الأزمة لزيادة الأرباح على حساب العامل والإقتصاد. ومن هنا يؤكد رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس حرص المؤسسات اللبنانية على عمالها وأن الصرف لا يأتي إلا لزاما وكخيار أخير، لكنه يعترف في المقابل بأن هناك نوعا من الانتهازية عند بعض الشركات، إذ يتم استبدال العمال اللبنانيين بعمال أجانب، وهذه ظاهرة مرفوضة، بحسب قول شماس، “لأن ذلك بمثابة جرعة سم لكل الاقتصاد اللبناني”.
ويقول خبراء ومتابعون، صحيح أن في لبنان أزمة إقتصادية حادة ضاغطة على كل قطاعاته، وصحيح أن المنطقة المحيطة والمعتبرة العمق الإقتصادي للبنان تعاني هي الأخرى مما تعانيه من صعوبات وأزمات أقل ما يقال فيها إنها حادة، لكن الصحيح أيضا أن مؤسسات لبنانية عديدة ومعروفة تستغل حاجة اللبنانيين إلى العمل فتضغط عليهم متذرعة بالوضع الإقتصادي إما بهدف صرفهم وتقليص العمالة لديها وإما بهدف استبدالهم بيد عاملة أجنبية أرخص ولو بخبرات أقل، مستغلة أيضا وفرة العمالة الأجنبية الناتجة عن حجم النزوح السوري وحاجة هؤلاء إلى العمل.
وإن كان بعض المؤسسات يعاني فعلا ويصارع من أجل البقاء حتى عبور الأزمة وإبعاد كأس الإقفال المرّة والصرف الجماعي للموظفين، فإن البعض يتسلل من خلف هذا الواقع لزيادة ثرواته على حساب البلد والعمال وعشرات آلاف العائلات التي باتت مهددة بخسارة مقومات استمرارها، والتداعيات بدأت تطال الجميع. ويرى المتابعون أنه إذا كانت فرص عمل كثيرة قد ضاعت، إلا أن فرصة إنقاذ الوضع ما زالت ممكنة، بل متاحة أكثر من الفترة السابقة، لكن على المسؤولين المبادرة أولا إلى وقف الفساد، وإلى تسهيل انطلاقة العهد، والباقي يتكفل به اللبنانيون وهم قادرون…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]