#adsense

ما بعد بعد حيفا وصولاً إلى حلب… “عرس” التضليل مستمر

حجم الخط

قبل أيام، فاجأ “حزب الله” اللبنانيين بعرضٍ عسكري لعتاده الثقيل، في مدينة “القصير” السورية التي يحتلها؛ إنه انتقال نوعي لصورة الحزب. من هو المعني بهذه الصورة المستجدة التي أراد إظهارها بهذا الشكل؟

 العسكريون يدركون جيداً، لا بل يؤكدون، أن هدف “حزب الله” من عرض أسلحته الثقيلة، مدافع ودبابات وملالات… ليس موجهاً إلى العدو الإسرائيلي؛ لأن امتلاك هكذا معدات من قبل الحزب، يعرِّضه وعناصره إلى تدمير هذا العتاد وقتل من فيه، خلال ساعات من قبل جيش العدو الإسرائيلي. فالجيوش العربية المحيطة بإسرائيل، امتلكت آلاف أضعاف هذا العتاد وأكثر منه تطوراً، من دون أن تصمد أمام جيش العدو. لذا يمكن التأكيد بأن دخول هذه المعدات إلى لبنان، ومحاولة استخدامها، أو عدم استخدامها، يشكل “هدية” لجيش العدو لا خطرًا عليه. وقيادة “حزب الله”، لايمكن أن تكون غافلة عن هذه الحقيقة المرّة. والعناصر القتالية لدى “حزب الله”، تفضّل مواجهة العدو بعناصر ميليشيوية فردية خفيفة، بعيداً عن العتاد الثقيل، على أن تواجهه، إذا كُتِب لها ذلك وهو أمر بات شبه مستحيل إن لم يستدرج الحزب العدو إلى القتال، بآليات الإنتحار هذه. لذا يمكن القول، بأن العتاد المستعرض في مدينة القصير، قد لا يدخل إلى لبنان لئلا يستهدفه سلاح الجو الإسرائيلي. أما إذا أدخل سرّاً إلى لبنان، فقد يحفظ في أمكنة سرية، ليس للتصدي به للعدو، إنما لاستخدامه ضد اللبنانيين في الداخل، بصرف النظر عن مدى تأثيره في موازين القوى السياسية فوق الساحة اللبنانية.

لم يسبق لـ”حزب الله” أن أجرى عرضاً كهذا، لا في داخل لبنان ولا في سوريا حيث تتكبد خسائر كبيرة منذ خمس سنوات. فماذا عدا ما بدا؟! هل هو الحكم الجديد في لبنان؟!

“حزب الله” يعتبر نفسه وافياً للدين المستحق عليه للعماد عون، بعد أن اقترع له في الانتخابات الرئاسية. وفي الخطاب الأخير للأمين العام للحزب، السيد حسن نصرالله، توجه مباشرة إلى فخامة الرئيس بالقول “نحن وفينا بوعدنا مع العماد عون للوصول إلى رئاسة الجمهورية”. ويضيف السيد حسن في نفس الخطاب “من الآن وصاعداً نحن نفوّض الرئيس بري للبحث في شؤون تشكيل الحكومة وحقوق الطائفة الشيعية”. هذه هي مباركة “حزب الله” للرئيس عون، بـ”إهدائه” حقل ألغام إسمه: الرئيس نبيه بري؛ لأن الأمين العام يدرك جيداً مدى غياب “الكيميا” بين الرجلين، وهو يرغب بكل تأكيد تفشيل انطلاقة العهد الجديد.

لم يتوانَ الرئيس بري في خوض جهاده الأكبر، عندما بدأت المشاورات حول تشكيل الحكومة الجديدة. بدأ في حقيبة المالية، وانتقل إلى الحقائب السيادية ثم اجتاح وزارات الخدمات، كرّاً وفرّاً. لم يكن كل ذلك وليد الصدفة؛ إنما كان بقرار هو مزيج من الإقليمي والداخلي، وإلاًّ ما معنى تمسُّك الرئيس بري وغيرته على النائب سليمان فرنجية؟! أو تشبُّثه بتوزير بعض الأحزاب، التي لاتملك أي حضور يذكر فوق الساحة اللبنانية!! ولماذا لايكتفي الرئيس بري بالتفاوض فقط على حقوق طائفته!! طبعاً لأنه يمارس الوكالة المعطاة له من الحزب ومن الراعي الإقليمي، بزرع الألغام على درب العهد الجديد. إنها ثقافة النظام السوري، التي ورِث قسماً كبيراً منها “حزب الله”. هذه الثقافة التي تطبق الاستراتيجية التالية: “السيطرة على القرار اللبناني، ومنع قيام الدولة وإضعافها، إلى أن تسقط بعد اهترائها بيد محور الممانعة”.

يسوّق الرئيس بري أمام مجالسيه ” اقترحت عليهم البحث بالسلة قبل انتخاب الرئيس، فرفضوا؛ وها كم ما وصلنا إليه؟”. ولكن لو أخذنا بنصيحة الرئيس بري، ل كُنّا بقينا بدون رئيس للجمهورية. ألم تعقد طاولة الحوار منذ أكثر من عامين، لبحث ومعالجة أربعة مواضيع في سلة الرئيس بري، وكان أول هذه المواضيع رئاسة الجمهورية؟ ! فماذا قدمت طاولة الحوار بشأن موضوعها الأول رئاسة الجمهورية في خمسة وعشرين جلسة بين المتحاورين من دون أن تصل الى هذا البند!! قد يكون الرئيس بري مغلوبًا على أمره، وقد يكون هامش المناورة عنده محدوداً، لأنه يخضع لضغطين دائمين: داخلي وخارجي. نحن نعي ذلك ونقدره؛ لكن لا يمكننا التسليم بهذه الضغوطات، ومنح الأعذار للرئيس بري؛ فنحن نقاوم هذه الضغوطات، ونتمنى على الرئيس بري عدم الخضوع لها ومقاومتها، والعودة إلى تاريخه “البلدي” متحرراً من من كل تلك الضغوط والقيود؛ فبناء الأوطان بحاجة إلى مواجهين لا مستسلمين. هكذا هو مسار التاريخ للأوطان والشعوب.

بالعودة إلى العرض العسكري في مدينة القصير السورية. فقد سبق للحزب أن حشد جمهوره تحت شعار “ما بعد بعد حيفا”؛ فإذا به يغرق في وحول حلب. مدينة حيفا، تقع في فلسطين المحتلة وما بعدها يشكل القسم الجنوبي من أرض فلسطين المحتلة؛ وكلها تقع ما بعد بعد جنوبي لبنان. بينما مدينة القصير السورية تقع شمالي لبنان؛ وما بعد بعد القصير هي مدينة حلب في شمالي سوريا على حدود تركيا، وكلها أبعد وأبعد من شمالي لبنان. فهل تقرأ بوصلة الحزب الشمال جنوباً والجنوب شمالاً؟! إنها خطيئة علمية، لا تنطلي على أحد، حتى على البيئة الحاضنة للحزب، ولا يمكن تصحيحها إلاّ بالعودة إلى البوصلة الأصلية.

يفاخر الشيخ نعيم قاسم، بأن “حزب الله” انتقل من مستوى الميليشيا إلى مستوى الجيش النظامي. غريب… كيف أنه لا يدرك أن دور الجيوش النظامية في الحروب انتهى في مستهل هذا القرن؛ وكيف فاته أن استراتيجيات القرن الحادي والعشرين تبدلت لصالح ال “روبوت” والتقنيات الحديثة؟ وأن الرئيس جورج بوش (الإبن)، لم يتوصل بجيشه الجرار إلى قتل أكثر من 45 مسؤولاً من قياديي منظمة “القاعدة”؛ بينما نجح الرئيس أوباما، وبدون جيش جرار، إنما بواسطة بعض الآليات الموجهة، إلى تصفية 65 مسؤولاً من قياديي هذه المنظمة؟ طبعاً لا نشك بحسن التقييم العسكري الذي يقدمه الشيخ قاسم لقيادة “حزب الله”، لكن يُعتقد بأن كلامه لم يكن يستهدف العدو الإسرائيلي، لكن العارفين يدركون أن الرسالة وصلت إلى من يعنيهم الأمر في بعبدا وبيت الوسط: فخامة الرئيس العماد عون ودولة الرئيس المكلف سعد الحريري. لكن فاته أيضاً أن منظر هذه الآليات لا يبهر، لا الرئيس عون ولا حتى حلفاءه. هذه الآليات التي عرضت في القصير، ليست سوى لعبة صغيرة في ملعب كبير إسمه سيادة لبنان وقيام الدولة فيه.

من ما بعد بعد حيفا…. إلى ما بعد بعد حلب التضليل مستمر بإسم فلسطين. فلسطين هذه الضحية المسكينة الضائعة في عقول قادة الأنظمة لبعض دول الطوق، الذين اغتالوا شعوبهم وأفقروها وسجنوها بإسمها على مدى نصف قرن؛ عندما كانوا يمتطون الدبابة ويتوجهون بها إلى الإذاعة، معتمرين علم فلسطين لقلب الأنظمة واستعادة الوطن السليب؛ فإذا بهم يخسرون الأرض، ويتوسّع الوطن السليب على حساب الأرض المحررة، وتمعن الأنظمة بقتل شعبها في مقولة فريدة في هذا الشرق المريض “ما قيمة الأرض إذا سقط رأس النظام”. وما أن لاح في الأفق، قبل ربع قرن، إمكانية استعادة شيء من الحقوق في فلسطين، حتى انبرى الحكم في طهران الى علمها من جديد للمقايضة به، ولا يزال. مسكينة فلسطين، بإسمها يغتال حكام الممانعة شعوبهم، وتحت إسمها تحاول إيران بناء أمبراطورية وهمية؛ و”حزب الله”، الناطق بالعربية، يضحي بشباب لبناني لتسويق هذه الأمبراطورية الوهمية. فمتى تتوقف المتاجرة بقضية فلسطين: مرة إلى ما بعد بعد حيفا… وطوراً بالإتجاه المعاكس إلى ما بعد بعد حلب….، بالتوقف عن ممارسة هذين التضليلين، والعودة إلى ما بعد بعد قيام الدولة في لبنان!!! كفّوا عن تضييع وقتكم ورجالكم ومستقبل لبنان في مشاريع مستحيلة التحقيق، معاكسة لمسار التاريخ، فتحيون ويحيا معنا جميعاً: لبنان.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل