عهد ترامب: إنقلاب شامل

بدأت تتضح معالم الإدارة الأميركية الجديدة التي ستتولى السلطة في العشرين من كانون الثاني المقبل، إثر حفل تنصيب دونالد ترامب الرئيس الـ54 للولايات المتحدة الأميركية، إذ يبدو أن الرئيس الجديد يتجه نحو تعيين عدد كبير من المتشددين في الإدارة والحكم والمخابرات، بما قد يعكس انقلابًا فعليًا على السياسة التي كان ينتهجها أوباما

 الطابع التشددي المحافظ في السياستين الداخلية والخارجية هو الذي سيكون سائداً في العهد الأميركي الجديد، حيث أن التوجه العام الذي قاد ترامب إلى الفوز في انتخابات الرئاسة دفع بفريق الرئيس المنتخب إلى اختيار الشخصيات التي ستتولى وضع السياسات في الإدارة الجديدة وتنفيذها، وهو عيّن شخصيات صقورًا في مراكز حساسة أساسية تضمنت تعيين مايكل فلين مستشاراً للأمن القومي ومايكل بومبيو مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي)، والسناتور جيف سيشنز وزيراً للعدل، فيما يعمل ترامب على ضم قائد القيادة المركزية الأميركية السابق، الجنرال المتقاعد، جيمس ماتيس، إلى حقيبته الوزارية وتعيينه وزيراً للدفاع في حكومته المقبلة.

وتبعاً لمواقف الشخصيات التي ستتولى الحقائب الوزارية الأساسية والمواقع الأمنية الكبيرة والرئيسية، فإن تغييراً جذرياً سيتحقق مع الإدارة الجديدة خلافاً للسياسات التي إنتهجتها إدارة الرئيس الحالي باراك اوباما الذي ألمح بوضوح إلى أنه سيتدخل لتصويب الأمور بصفته مواطناً أميركياً. وتراهن الإدارة الحالية على أن أي تغيير جذري في السياسة في عهد ترامب لن يتحقق من هنا قول أوباما أيضاً إن وقائع الأمور في البيت الأبيض ستجبره على تعديل طرق معالجته لقضايا كثيرة. ولكن حسابات حقل الرئيس أوباما ومعه الديمقراطيون لن تنطبق على بيدر ما يأملونه بعد سيطرة الجمهوريين على كل مفاصل السلطة في الولايات المتحدة، وليست التعيينات الجديدة إلا دليلاً واضحاً على سلوك توجه متشدد ويتعارض كلياً مع السياسات التي طبقها الديمقراطيون طيلة ثماني سنوات من الحكم.

توجه لرفض الاتفاق مع إيران: بومبيو للـ”CIA

يعتبر اختيار بومبيو العضو في الكونغرس لثلاث ولايات  لقيادة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بمثابة تطور مهم حول كيفية إدارة الملف الأمني في الإدارة الجديدة، وكان بومبيو عضوا في لجان الاستخبارات والطاقة والتجارة في مجلس النواب بالإضافة إلى اللجنة التي حققت في هجوم عام 2012 على مقر البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي في ليبيا.

واتهمت تلك اللجنة في تقرير من ثمانمئة صفحة، المرشحة الديمقراطية السابقة إلى الرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون التي كانت وقتذاك وزيرة للخارجية، بأنها قللت من أهمية التهديد المتطرف في ليبيا.

وكرّر بومبيو انتقادات ترامب للاتفاق النووي الإيراني وأكدّ أنه سيعمل لإلغاء هذا الاتفاق الكارثي مع أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم. ورجّحت المصادر أن يعمل بومبيو على تنفيذ وعده بإلغاء الاتفاق وهو كان اقترح في أوقات سابقة أن تقصف الولايات المتحدة المنشآت النووية في إيران، وهو اقتراح وصفه خبراء في الاستخبارات الأميركية بأنه سيؤجل فقط تطوير رأس حربي نووي إيراني لكن لن يوقفه.

ودافع ضابط الجيش المتقاعد عن استخدام وكالة الاستخبارات الأميركية أساليب استجواب تلقى إدانة واسعة النطاق مثل التعذيب.

ويدعو بومبيو إلى تطوير جوهري لقدرات المراقبة الأميركية بما يشمل استئناف جمع بيانات الاتصال المحلية بالأرقام وتوقيت الاتصالات ولكن ليس مضمون المحادثة الهاتفية ذاتها. وعارض بومبيو تنظيم الانبعاثات المتسببة في الاحتباس الحراري للحد من التغير المناخي بينما شكلت وكالة الاستخبارات الأميركية في الآونة الأخيرة مركز مهمات للقضايا الدولية يرصد الاحتباس الحراري بصفته تهديدا للأمن الأميركي.

ولكن اللافت أن بومبيو إتخذ مواقف لا تتفق مع مواقف ترامب في ما يخص تحركات روسيا في أوكرانيا ودعمها العسكري للرئيس السوري بشار الأسد الذي تسانده إيران أيضا. تخرج بومبيو من أكاديمية وست بوينت العسكرية وكان الأول على دفعته وعمل ضابطا بسلاح المدرعات وتخرج في كلية الحقوق بجامعة هارفارد وأسس في ما بعد شركة تصنع أجزاء الطائرات التجارية والعسكرية.

تشدد آخر تجاه إيران: الجنرال ماتيس وزيرًا للدفاع

يتجه الرئيس الأميركي المنتخب إلى ضم قائد القوات المركزية الأميركية السابق، الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس إلى تشكيلته الوزارية وتعيينه وزيراً للدفاع في حكومته المقبلة.

وكان الجنرال جيمس ماتيس قائد القيادة المركزية في أعوام 2010 و2013 قبل أن يقيله الرئيس باراك أوباما من منصبه بسبب ما كشفت عنه واشنطن بوست نقلاً عن مصادرها أن أوباما كان يحضّر لمفاوضات جدية مع إيران لتوقيع الاتفاقية النووية ولم تعجبه توجهات ماتيس المتشددة نحو طهران.

وذكرت واشنطن بوست أن قائد القيادة المركزية السابق كان يطالب بمعاقبة طهران وحلفائها بسبب تهديداتهم، كما طرح فكرة القيام بعمليات سرية لاعتقال أو قتل قوات إيرانية ومواجهة زوارق الحرس الثوري في الخليج.

من جانبها، أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن الجنرال جيمس ماتيس معروف عنه تشدده تجاه التهديدات الإيرانية، حيث صرح أكثر من مرة بأن إيران أكبر تهديد أمني في الشرق الأوسط. لكن بحسب الصحيفة لم تكن إدارة أوباما تعطي الجنرال المتقاعد ثقة كبيرة في تصريحاته وكانت تنظر إليه كمتحمس لمواجهة عسكرية مع إيران.

تشدّد مع المهاجرين: السيناتور سيشنز وزيرًا للعدل

شكل إختيار ترامب للسيناتور جيف سيشنز لتولي منصب وزير العدل بمثابة ردّ جميل لواحد من أقوى مؤيديه ممن اتفقت تصريحاتهم المتشددة والتحريضية في بعض الأحيان في شأن الهجرة. وقوبل اختياره بإشادة من الجمهوريين في مجلس الشيوخ وانتقادات من جماعات الحقوق المدنية. وكان سيشنز من أوائل المشرعين الجمهوريين الذين دعموا ترشيح ترامب للبيت الأبيض ويعارض أي مسار لمنح الجنسية الاميركية للمهاجرين بشكل غير مشروع وكان من أشد داعمي وعد ترامب أثناء حملته لبناء جدار على الحدود مع المكسيك. ودعا إلى فرض قيود على الهجرة المشروعة بحجة أنها تؤدي لانخفاض أجور العمال الأميركيين.

ويتحدر سيشنز من جنوب الولايات المتحدة ومثَّل ألاباما في مجلس الشيوخ منذ عام 1997، وعارض خلال رئاستي كل من جورج دبليو بوش وباراك أوباما مشاريع عدة لتسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين.

وسيشنز نائب عام سابق لولاية ألاباما وعضو في مجلس الشيوخ منذ تسعة عشر عاما. ودفعت مزاعم بأنه أدلى بتصريحات عنصرية مجلس الشيوخ لرفض تعيينه قاضيا إتحاديا في عام 1986. وقال تشاك شومر أبرز الديمقراطيين في المجلس إنه يود أن يجيب سيشنز على “أسئلة صعبة” بشأن موقفه من الحقوق المدنية .وقال ميتش مكونيل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ إنه يؤيد بقوة اختيار سيشنز لمنصب وزير العدل واصفا إياه بأنه صاحب مبادئ وصريح ومجتهد.

الأمن القومي: الجنرال مايك فلين

اختار ترامب اللفتنانت جنرال مايك فلين لمنصب مستشار الرئيس للأمن القومي. وأيد فلين وعود ترامب لاتخاذ موقف أكثر صرامة في محاربة الإرهاب. أما فلين فهو جنرال سابق في الجيش الأميركي وأحد أقرب مستشاري ترامب. وأقيل من وكالة المخابرات الدفاعية عام 2014 وهي خطوة نسبت إلى روايته حقائق صادمة عن الحرب على الإسلاميين المتشددين.

وعمل فلين بصفته مديراً لوكالة استخبارات وزارة الدفاع، بعد توليه خدمات عسكرية خارج الولايات المتحدة وشملت فترات في أفغانستان والعراق، وأحيل على التقاعد قبل أن يقدم استشارات لترامب في قضايا الأمن القومي خلال حملته الانتخابية، ما جعله أحد أكثر المقربين إليه، على رغم تقارير عن توقيعه عقوداً مع شركات تركية وتقديمه استشارات سياسية لدولة أجنبية تستند إلى تلقيه معلومات استخباراتية سرية مع ترامب.

وزارة الخارجية: ميت رومني؟

وعلى الجانب الدبلوماسي للإدارة الجديدة يبرز ايضاً تشدّد في هذا المنصب السياسي، حيث أبدى ترامب رغبة في تولي المرشح الرئاسي الأسبق ميت رومني منصب وزير الخارجية، وكشف نائب الرئيس الأميركي المنتخب مايك بنس أن رومني “مرشح بقوة” لتولي هذا المنصب مشيراً إلى أن رومني أبدى استعدادا للترشح للمنصب. وناقش ترامب مع مايك هوكابي حاكم ولاية أركنساس السابق احتمالات ترشحيه لمنصب وزير الامن الداخلي فيما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال إن الادميرال مايك روجرز مدير وكالة الامن القومي هو المرشح الأبرز لمنصب مدير المخابرات الوطنية.

الأميركيون ودور الإعلام

أظهر استطلاع لافت أجراه مركز بيو للأبحاث أن معظم الأميركيين يريدون أن تقدم وسائل الإعلام الحقائق في التقارير الإخبارية من دون إضافة تفسيرات وذلك وسط نقاش في وسائل الإعلام عن دورها في تغطية الحملة الرئاسية غير التقليدية للرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب. ويواجه الصحافيون مسألة إلى أى مدى يتعين عليهم تقديم توجيهات لمساعدة المتلقين على استيعاب الأخبار. وأظهر الاستطلاع رفض 59 في المئة من الأميركيين البالغين فكرة إضافة تفسير قائلين إنه يجب على وسائل الإعلام تقديم الحقائق فقط. وأيد أربعة من عشرة إضافة بعض التفسير إلى الحقائق. وقال مركز بيو في بيان “على الرغم من تفضيل الرأي العام أن تقدم وسائل الإعلام الحقائق فقط فإنه قد لا يتفق حتى على ما هي طبيعة هذه الحقائق .”

وفي الاستطلاع ذاته قال 81 في المئة من الناخبين المسجلين إن معظم أنصار هيلاري كلينتون ودونالد ترامب لم يختلفوا على الخطط والسياسات فحسب وإنما اختلفوا أيضا على الحقائق الأساسية. وفضل أنصار ترامب أسلوب “الحقائق فقط” بنسبة 71 في المئة مقابل 29 في المئة. وانقسم أنصار كلينتون على أنفسهم بشأن هذه المسألة .وأظهر الاستطلاع تأييدا قويا لتحري وسائل الإعلام عن الحقائق.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل