جنباً الى جنب في مشهدية غير مسبوقة على الساحة المسيحية يخوض “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” معركة الحكومة لانتزاع ما يلزم من حصص تليق بـ”تفاهم معراب” ، فالفريقان مدركان ان تفاهمهما يتعرض لاطلاق نار وثمة من يعمل على هز تحالفهما لكن ما سبق يصعب تقويضه بوزارة من هناك او اخرى قد لا يستطيع “التيار الوطني الحر” او حتى رئيس الجمهورية انتزاعها بالمفاوضات الحكومية بالقوة من المفاوضين على الطاولة.
قبل فترة انطلاق العملية الحكومية أضيئت الانوار في قصر بعبدا المهجور واستعاد القصر الجمهوري بريقه ووهجه يوم عاد اليه “الجنرال” الذي أخرج منه بالقوة ليعود اليه بالقوة الشعبية نفسها وبزخم اكبر فشهد القصر عجقة وفود رسمية وتلقى رئيس الجمهورية دعوات لزيارة رؤساء وملوك ودول عدا مشهديتي ايام قصر الشعب ويوم العلم والاستقلال. فانتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية وفق اوساط مسيحية أخرج المسيحيين في الشكل اولاً الى دائرة الضوء مجدداً ، الرئيس المسيحي الأقوى شعبياً وتمثيلياً في التوقعات من شأنه ان يغير الكثير في قواعد اللعبة الداخلية والمسار السياسي العام ويبدِل التعامل الذي كان سائداً في الحقبات الماضية مع المسيحيين باخراجهم من حالة التهميش والغبن الذي لحق بالمسيحيين منذ الطائف وعلى مدى الحقبات السابقة.
لكن بعيداً عن الشكل فالغوص في مضمون العودة الى الحياة السياسية ونهاية مرحلة الاحباط يتطلب توافر عوامل ومقومات اخرى ، فالثنائية المسيحية الجدية التي ولدت من “تفاهم معراب” تتطلع لتقوية تحالفها الى ترجمة اتفاقاتها ، واكثر ما يهمها حالياً كما تقول الاوساط اجراء الإنتخابات النيابية التي من شأنها ان تعيد اليها التمثيل الصحيح الذي فقدته ، فما يحدث اليوم على مستوى تأليف الحكومة هو انتفاضة مسيحية لتحقيق العدالة والشراكة مع اللفرقاء في الوطن التي تبدأ من الحكومة قبل تعميمها على الاستحقاقات الاخرى.
وبدون شك فان رئيس الجمهورية “المسيحي القوي”، كما تقول الأوساط، قادر على ادارة اللعبة السياسية بعد التفاهمات السياسية التي ارساها مع تيار “المستقبل” و”القوات” مستنداً بقوة ايضاً الى تفاهمه الاستراتيجي مع “حزب الله”. فازالة الإحباط المسيحي والتخلص منه نهائياً لا يكون الا بقانون إنتخابي وانتخابات ربما قبل مواعيدها لكي لا يكون انتقال ميشال عون الى قصر بعبدا حصل فقط “بالجسد”.
وعليه ثمة حرص مسيحي على رعاية وتحصين تفاهم معراب لان الفريقين العوني والقواتي معاً حينها سيتحولان الى نموذج طبق الاصل عن الثنائية الشيعية بين “حزب الله” وحركة “أمل” التي استطاعت في العهود السابقة ان تريح شارعها وجمهورها ، فتماسك الثنائية الشيعية حولها الى كتلة متراصة يصعب اختراقها وتقليد او استنساخ الثنائية الشيعية من قبل المسيحيين يقوي الصف المسيحي ويعطيه المناعة السياسية التي فقدها.
وفي حال استطاع تفاهم معراب ان يحقق مكاسب حكومية وحصصاً وازنة للقوات فان ذلك يقوي مناعة التفاهم ولكن العكس ليس صحيحاً حيث ثمة تفهم وثقة من قبل “القوات” بالمفاوضات التي يجريها الفريق العوني وصعوباتها ، اما في الشأن الانتخابي في حال بقي قانون انتخابات الستين او ربما بحصول تعديلات طفيفة فان ما قبل التفاهم لا يشبه ما بعده فالقوتين المسيحيتين ستتحولان الى محدلة انتخابية على غرار المحادل الانتخابية في مناطق “حزب الله” و”أمل”.
وفي مضمون انتهاء مرحلة الاحباط لا يكفي التوقف عند تحقيق مكاسب “سياسية مسيحية بالقوة الذاتية في الشارع المسيحي”، فوقف الاحباط يحتاج الى القانون الإنتخابي العادل وتوفر عناصر اخرى لوقف المحسوبيات والفساد في الادارات والمؤسسات واستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية.
كما سيكون على عاتق العهد الجديد رزمة ملفات اقتصادية واجتماعية اضافة الى ملف المخيمات والنازحين السوريين ، فملف النزوح السوري من اخطر الملفات التي يفترض معالجتها وقد كان “التيار الوطني الحر” من منبر الرابية الصوت السياسي الاعلى بين القوى السياسية والاكثر ارتفاعا لمعالجة الازمة بالمطالبة بمناطق آمنة لعودة النازحين وحيث ان العودة تحتاج الى عودة سوريا الى وضعها الطبيعي والسليم ويحتاج النازحون الى ضمانات كثيرة ، وهذ الملف سيكون من اولويات العهد كما تقول الأوساط حتى لا يتحول النازحون من بلادهم الى قنابل موقوتة قد تنفجر في اي وقت في مكان استضافتهم ونزوحهم وحتى لا يكون تم معالجة الاحباط الداخلي وتم تجاوزه فتكون البلاد امام احباط من نوع آخر.