.jpg)
كنت دائما استمع الى حلقة ملحم الرياشي الاذاعية “رأي عام” عبر اثير “لبنان الحر”، كنت احب ذاك الصوت الهادئ والمضمون المتسلل بصخب و…فقط. لم اكن اعرف الرجل جيداً بالاساس، ولم يكن من دائرة اصدقائي بطبيعة الحال، والاهم انه لم يكن من الرفاق. كنت أعرف ان ملحم إشتراكي مسيحي الهوى، هكذا كان يقال عنه، واستغربت لفترة كيف له أن يكون من ضمن الاعلاميين القواتيين في اذاعة هي من صلب المقاومة اللبنانية؟! اعتبرت لفترة ان ذاك الخيار هو من صلب الانفتاح على الآخر الذي جسّدته “القوات اللبنانية” في السنين الاخيرة عبر تحالفاتها السياسية انما من دون التخلي عن مبادئ “القوات” والدفاع عنها حتى النهاية، واذ وفجأة ومنذ نحو خمس سنوات نعلم أن الرياشي أصبح رئيسا لما كان يعرف بالدائرة الاعلامية، قبل أن يغيّر ملحم الاسم ليصبح جهاز “الاعلام والتواصل”!!
ضمناً، لم يعجبني القرار يومها، اعترف، اذ اعتبرت أن ثمة رفاق هم الأحق بالمنصب، قواتيون من قلب القضية فلماذا نأتي “بالغريب” الى جهاز حساس مماثل؟! لم اعبّر عن رأي بطبيعة الحال وبدأت مسيرتنا في موقع “القوات اللبنانية” مع ملحم، ومسيرتي الشخصية معه.
تحولت الدائرة الى جهاز، والجهاز الى خلية نحل، والنحل غزل العسل، والعسل من أجود الانواع واطيبها، هذا في اختصار، تغيّر الكثير في قاعة معراب الفسيحة تلك، صرنا نرى غير عجقة السياسيين المعهودة، صرنا نرى مثقفين أكثر وفنانين ومبدعين غصت بهم معراب في مناسبات عدة، تكريمات وحفلات موسيقية، ندوات اعلامية وثقافية وما شابه، الياس الرحباني وايلي شويري وريمون جبارة وشعراء ورسامين… وكانت ذروة الختام تلك الثنائية الصاخبة مع ابراهيم كنعان، واكاد ابصم ان لولا شخصية ملحم الرياشي الهادئة المفرطة في سكونها، لربما كان تعب الحكيم ليجد شخصية مماثلة ليطرّز مصالحة “القوات” و”التيار” ولينسج ذاك الاتفاق التاريخي المدوي، فكان ملحم الرياشي رجل المرحلة بامتياز.
لخمس سنوات لم نسمع مرة أن ملحم حاول أن يبني علاقات شخصية على حساب اخرى مع الرفاق، او عن طريق المحاباة والتكاذب، كان صورة مشرّفة عن حاله و”القوات” وعما يريده الحكيم بطبيعة الحال. “ميزة ملحم مش بعقلو متل ما انتو بتعرفوه انما بقلبو” قال سمير جعجع عنه في حفل التسلم والتسليم بينه والزميل شارل جبور، “قوة ملحم انو منو ابن القضية وبس انما القضية عايشة معو على مدار الساعة والايام”، أضاف.
على المستوى الحزبي، لا نكتب تكريماً لرفيقنا ملحم، شخصيته، انجازاته، دماثته، تكرّمه من دون منّة اي قلم آخر، انما نكتب حقيقة من حقائق “القوات” الحلوة الناصعة التي نحب ان تنسحب على القطاعات كافة وعلى كل الرفاق، وفيهم جميعهم الخير والبركة اكيد، شخصية طبعت بنظافتها وهدوئها مسيرة قصيرة صحيح، لكنها مشحونة بالانجازات وان كانت تلك الانجازات لم ترض تماماً من يسعى الى الكمال غالباً، اي سمير جعجع.
على المستوى الشخصي، من رفضته سابقا بالسر، اعلن احترامي الفائق له بالعلن، اعتبر ملحم قيمة انسانية حقيقية في “القوات اللبنانية”، اعتبره صديقاً حقيقياً حتى ولو لم اكن من اولئك الذين يتصلون به يوميا لسبب ومن دون سبب، لكن كنت اعرف تماماً انه موجود، وموجود بقوة حين تحتاجه رفيقة وزميلة وصديقة قبل كل شيء.
خسرناه في جهاز التواصل والاعلام؟ بالطبع لا لاننا سنربحه في مكان آخر لا يقل حساسية واهمية، ولأن في الخلف شارل جبور كل البركة والخير ايضاً، ولكن حسبنا ان ملحم سيكون دائماً صورة عن نفسه وقواته، ذاك الذي صارت تسكنه القضية حيثما يكون، يعني ذاك القواتي النظيف المشرّف لشخصه وحزبه ووطنه، تحياتنا ملحم الرياشي.
