إفتتاحية “المسيرة”: لماذا يهددون العهد؟

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1588

ما سر هذه الرسائل المفخخة التي يتم إرسالها بالواسطة أو مباشرة إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون؟ هل يعتقد البعض أن الرئيس سيخاف ويهرب من المواجهة وسينحني للضغوط؟ من يقف وراء هذه الرسائل؟ وهل المطلوب من خلالها تطويق العهد قبل انطلاقته وتعطيل هذه الإنطلاقة ومنع قيام الدولة القوية؟

ليست المرة الأولى التي توجه فيها مثل هذه الرسائل التحذيرية للرئيس ميشال عون. صحيح أنه في 6 شباط 2006 ذهب إلى كنيسة مار مخايل في الشياح للإعلان عن ورقة التفاهم مع الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله ولكنه كان دائماً تحت المراقبة. قبل هذه الورقة لم تكن العلاقات بين الطرفين تدخل ضمن إطار التفاهم بل كانت علاقات متوترة ولذلك كان “حزب الله” حذراً جداً من المسار الذي سيسلكه العماد عون بعد عودته من باريس. صحيح أيضاً أن “حزب الله” تضامن مع “التيار الوطني الحر” في مطالبه الكبيرة خلال تشكيل الحكومات السابقة ولكنه كان دائماً تحت المراقبة. لقد سلف العماد عون “حزب الله” ديناً كبيراً خلال حرب تموز 2006 وإذا كان الحزب قدّر أهمية هذا الموقف بالتزامه الدائم بالوقوف إلى جانب العماد عون فإن عون لم يتأخر في الوقوف أيضًا إلى جانب الحزب في محطات أساسية من الصراعات الداخلية ليس أقلها إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري والإتيان بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي مطلع العام 2011.

لم يكتف العماد عون بالوقوف إلى جانب الحزب بل اتجه أيضاً إلى مد اليد إلى النظام السوري ولم يتوانَ عن القيام بزيارة إلى سوريا حظيت باستقبال رفيع المستوى وبترحيب كبير. كل ذلك كان على خلفية حاجة كل من “حزب الله” والنظام في سوريا إلى حليف موثوق في لبنان من أجل الحفاظ على التوازن مع قوى 14 آذار.

إلا أن حسابات النظام السوري و”حزب الله” لم تكن دائماً متطابقة مع حسابات العماد عون. في أكثر من استحقاق ظهر الإختلاف الكبير في المواقف ودائماً كانت هناك نقزة مما قد يقدم عليه العماد عون خصوصاً عندما طرح مشروع القانون الأرثوذكسي للإنتخابات النيابية وعندما طالب بالميثاقية والمشاركة في الحكم. وعند كل تعبير عن هذه المواقف كانت الرسائل جاهزة لتتهم الجنرال وتياره بالحنين إلى مرحلة ما قبل العام 1990 والمطالبة بالفدرالية. لم يكن من المقبول أن تكون هناك حالة استقلالية عند “التيار الوطني الحر” بل كان يتم التعاطي معه على أساس أنه في النهاية لا يمكنه أن يخرج عن “وصاية” “حزب الله” أو على الأقل يجب أن يبقى تحت هذه الوصاية.

هذا الحذر الدائم من “الحليف” الذي يشكل حاجة دائمة وملحة زادت خطورته عندما ذهب الدكتور سمير جعجع إلى الرابية لإعلان ورقة النوايا مع العماد ميشال عون. وتفاقمت خطورة الوضع عندما زار العماد عون معراب في 18 كانون الثاني  2016 ليعلن الدكتور سمير جعجع تبني ترشيحه إلى رئاسة الجمهورية.

إذا كانت ورقة النوايا اعتبرت مسألة عابرة فإن إعلان الترشيح أظهر أن تحالف “القوات” مع “التيار” وضع اللعبة السياسية في مسار جديد: لقد أثبت هذا التحالف أنه لم يعد من الممكن تجاوز المكوّن المسيحي داخل السلطة وأنه المعبر الإلزامي نحو رئاسة الجمهورية ونحو استعادة الدولة بكل مقوّماتها. عند هذا الحد كان السيد حسن نصرالله قد ألزم نفسه بتعهد كبير بالتمسك بالعماد عون مرشحاً وحيداً إلى رئاسة الجمهورية لأن استراتيجيته كانت تقوم على أساس الفراغ في السلطة من أجل أن تبقى الدولة ضعيفة وتستمر في التفكك ولذلك رفض الإتفاق الذي حصل بين النائب سليمان فرنجية والرئيس سعد الحريري بمباركة الرئيس نبيه بري من أجل انتخاب فرنجية رئيسًا للجمهورية.

عندما تبنى الرئيس سعد الحريري خيار انتخاب العماد ميشال عون كانت انتفت الحجج التي يمكن أن يتذرع بها “حزب الله” من أجل ألا يتم انتخابه رئيسًا للجمهورية. لم يكن التزام الحزب بالعماد عون مجرد مواقف سياسية معلنة إنما كان “كلمة” السيد حسن نصرالله ووعده الصادق الذي لا يمكن أن ينقلب عليه. تلك كانت المسألة التي حتمت على الحزب أن يكمل مسار الإنتخاب وهو مدرك أنه يدخل في مغامرة غير محسوبة النتائج وأن العماد عون مرشحًا للرئاسة قد يكون غير العماد عون رئيساً للجمهورية، ولذلك بدأت الرسائل التحذيرية توجه إليه قبل انتخابه من خلال الشروط التي وضعت في السلة التي حمل لواءها رئيس مجلس النواب نبيه بري ومن خلال القول إنه قد لا يتمكن من تشكيل الحكومة تلك العملية التي اعتبر بري أنها الجهاد الأكبر.

في الواقع ليس العماد عون هو الذي تغيّر. عون رئيساً للجمهورية هو نفسه عون المرشح إلى الرئاسة. ما تغيّر هو أنه تحالف مع “القوات اللبنانية” وأنه يريد مع “القوات” استعادة الحضور المسيحي في السلطة وإعادة التوازن إلى الدولة ووضع حد للممارسات التي بقيت سائدة منذ عهد الوصاية وأن يستعيد رئيس الجمهورية دوره الطبيعي وصلاحياته لا أن يكون مجرد موظف في القصر تأتيه التعلميات وينفذها، ولأنه أراد أن تعود الروح اللبنانية إلى الطائف الحقيقي وأن يعود القصر رمزًا للجمهورية والرئيس مؤتمناً على هذه الجمهورية.

في خطأ الرسائل المعتمدة لغة لمخاطبة الرئيس أن البعض اعتقد أنه يمكنه أن يتحدث إلى العماد عون الرئيس وكأنه يتحدث إلى رئيس تابع لعهد الوصاية يمكنه أن يهينه ويؤنبه ويستدعيه إلى قصر المهاجرين أو إلى بيت الطاعة. هذه الطريقة لا تنفع مع العماد عون. أكثر من بريد معتمد لتوجيه هذه الرسائل ولكن المرسل واحد دائماً وفي كل مرة يتخذ لنفسه عنواناً مختلفاً. مرة تكون الرسالة “إلى العماد عون رئيساً للجمهورية” وفيها تحذير من مغبة العلاقة مع “القوات اللبنانية” ودعوة لاستيعاب النائب سليمان فرنجية. ومرة على طريقة “عون الخامس” وفيها استعادة لصور العماد عون السابقة من قيادة الجيش إلى رئاسة الحكومة العسكرية إلى رئاسة الجمهورية مع التذكير “بشعب لبنان العظيم” وبعهد استولد قيصرياً وطريقه مزروع بالألغام وبالتشكيك بـ”الصفقة الرئاسية وأسرار التحولات الغامضة في مواقف أطرافها” والمقصود “القوات” والرئيس سعد الحريري والعماد عون.

وإذا كانت هذه الرسائل وجهت يوم انتخاب العماد عون وبعده بقليل ربما لرصد رد فعله على التحذيرات الأولى، فإنها استمرت في مرحلة ما بعد الإنتخاب بعد التأكد من أن الرئيس عون يمارس دوره كرئيس وأنه متمسك بالتحالف مع “القوات اللبنانية” ويتشاور مع رئيس الحكومة ويرفض أن يكون خارج اللعبة بل في قلبها وممسكاً بمفاصلها. هكذا جاءت رسالة “حتى لا ينطفئ الفرح بالعهد الجديد” التي تم فيها انتقاد شراكة “القوات” مع العهد “الميمون” باعتبارها المثبتة لشرعيته المارونية ليقفز من خلالها فوق حلفه مع “حزب الله” طالما أن العهد الجديد يبدأ بوجوه قديمة “وكأن الحاضر الأشوه انتخب الماضي المتمرد على بعض النظام قبل أن يقاتل الطموح إلى التغيير بالشعار المستنفر للعصبيات… وتطهير القصر الجمهوري من الغرباء… وكل ذلك لا يبشر لا بإصلاح ولا بتغيير”.

في ظل هذه الحملة كان الرئيس يحافظ على نفس خطاب القسم في خطاب الإستقلال ويتمسك بالسقف الذي وضعه مع الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة وكان الوزير جبران باسيل يطالب بالإنسحاب من سوريا وترك سوريا للسوريين وكان الأمير خالد الفيصل يزور قصر بعبدا للتهنئة ويوجه دعوة إلى الرئيس عون لزيارة المملكة العربية السعودية ويأخذ وعداً بتلبيتها بعد تشكيل الحكومة لتكون الزيارة الخارجية الأولى التي يقوم بها. قبل زيارة الأمير خالد كان النظامان السوري والإيراني حاولا تطويق العهد بإظهار التحالف معه ليس حبًا بالعهد بل لتشويه انطلاقته لأن العهد اعتبر نفسه منذ البداية أنه لن يكون محسوبًا على أي جهة وأنه “بي” الجميع ولذلك لن تأخذ زيارات التهنئة البعد الذي أخذته زيارة التهنئة السعودية.

في الرسالة التي وجهت عبر جريدة “السفير” إلى الوزير جبران باسيل تحت عنوان “أهكذا يكون الوفاء يا جبران” يمكن استبدال اسم جبران باسم الرئيس عون للتصحيح لأن الرسالة موجهة فعلاً إلى الرئيس عون. كل ما فيها يخاطبه مباشرة “ليس هكذا تقاد الجمهورية يا جنرال” هذه العبارة التي وردت في سياق المقال كانت تصلح عنواناً له ولكن ربما بسبب حراجة مثل هذا الأمر جرت محاولة للإلتفاف على الموضوع.

لا يتعلق الأمر بحقيبة تخص النائب سليمان فرنجية. المواجهة ترتدي طابعاً استراتيجياً سيكون عنوان العلاقة مع العهد طيلة ستة أعوام. والمشكلة الرئيسية التي يواجهها موجهو الرسائل الملغومة هي في تحالف “القوات” مع “التيار الوطني الحر” ومع “تيار المستقبل” من أجل استعادة دور الدولة. وإذا كان “حزب الله” والرئيس نبيه بري يختبئون وراء حقيبة النائب فرنجية فهل من مصلحة فرنجية أن يقبل لعب هذا الدور كواجهة لغيره؟ هل مصلحته أن يظهر كأنه مرشح “حزب الله” والرئيس نبيه بري إلى حقيبة وزارية بينما يتم الحديث عن ترشيحه إلى رئاسة الجمهورية؟ هل يرتضي أن يكون مرشحاً إلى الرئاسة خارج الإجماع المسيحي الذي فرض انتخاب العماد عون؟ هل المطلوب من خلال هذه الرسائل تركيع العهد في بدايته من أجل الإمساك به طيلة مدة ولايته؟

لا شك في أن توجيه الرسائل سيستمر وفي أن الرئيس عون لن يسمح لها بالدخول إلى قصر بعبدا. ولكن هل تستمر هذه الرسائل بالأقلام وعلى الورق؟ تلك هي المسألة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل