براميل الاسد وإتفاق “المنهكين” على براميل النفط

إمتلاك النفط مصدر قوة ليس فقط إقتصادية بل يترجم في أحيان كثيرة قوة سياسية وعسكرية أيضاً، كما أن الاهداف الاقتصادية تطغى على ما عداها في حسابات  الدول لدى قرارها تمويل الحروب أو خوضها. واليوم معظم اللاعبين الرئيسيين في “ملعب” الحرب السورية هم أعضاء في نادي البلدان المصدرة للنفط (أوبك) أو متعاونون معه أو معنيون بـ”سلاح النفط”، من الدول الاعضاء كالسعودية والعراق والإمارات وقطر وايران الى الدول غير الاعضاء كروسيا أو المعنية كالولايات المتحدة الاميركية.

بالامس، شهد عالم النفط خطوة مهمة في مضمونها وتوقيتها، وذلك للمرة الأولى منذ 8 أعوام، تمثلت بإتفاق الدول الأعضاء في “أوبك” على خفض إنتاجها النفطي بمقدار 1.2 مليون برميل يومياً أو ما نسبته 4,5 في المئة من الإنتاج الحالي ليصبح سقفها 32,5 مليون برميل يومياً. ما دفع بأسعار النفط صعوداً لتزيد مكاسبها بنسبة أكثر من 8 في المئة مع تخطي سعر البرميل الـ50 دولاراً.

تشخيص بسيط لمشهد دول نادي النفط يظهر أن: روسيا تخوض وتمول عمليات عسكرية في سوريا. السعودية لديها نفقات هائلة في حرب اليمن ودول الخليج منضوية في التحالف الدولي ضد الحوثيين وجماعة علي عبدالله صالح. العراق يخوض حرباً شرسة ومكلفة ضد “داعش”، لذا كان يطالب قبل أيام أن يتم إعفاؤه من هذا الاتفاق لأنه بحاجة لضخ أكبر قدر من البترول لتأمين تمويل الحرب. ولكن تم إقناعه بأن تخفيض الانتاج سيؤدي الى رفع الاسعار وبالتالي الى زيادة أرباحه المالية. إيران كذلك تخوض حرباً على مساحة المنطقة من اليمن الى العراق وسوريا.

فهل مردود هذه الخطوة، سينحصر بخروج الدول المصدرة للنفط من الأزمات المالية التي تتخبط بها بعد إنخفاض سعر البرميل؟ أما سيتعداها ويعطي دفعاً للمشاركة العسكرية لهذه الدول في الحروب التي تشهدها منطقتنا وتحديداً سوريا والتي أنهكتها مالياً؟ وهل سيكون الامر لمصلحة نظام الاسد وبراميله المتفجرة أم لمصلحة المعارضة؟

رئيس قسم الاقتصاد في صحيفة “النهار” والزميل في الـ mtv موريس متى إعتبر أن التوصل الى إتفاق لتخفيض حجم الانتاج للمرة الاولى منذ ثماني سنوات هو خطوة أولى جيدة ولكن غير كافية. وأضاف في حديث الى موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني: “دول “اوبك” الاربع عشرة وصلت الى وضع اصبحت فيه مستويات الاسعار التي بلغها النفط تشكل عبءاً كبيراً على موازناتها وكبدتها خسائر مهمة، والامر ينطبق على اكبر المنتجين كالسعودية ودول الخليج وفنزويلا وحتى روسيا التي رغم كونها غير عضو في “أوبك” إلا أنها إلتزمت بالقرار. يجب ألا ننسى ان معظم هذه الدول تمول حروباً حول العالم أو تخوض معارك عسكرية وبالتالي موازناتها تتعرض لضغوط، لذا إضطرت الى إعتماد الحل الذي صدر بالامس بالرغم انه لا يمكن لمس نتائجه الايجابية فوراً، فهو حل طويل الامد. لذا أعلنت “أوبك” عن إجتماع في آذار المقبل لمتابعة تنفيذ الاتفاق”.

وعن وصول دونالد ترامب الى البيت الابيض وتلميحه بإمكان التراجع عن الاتفاق النووي مع إيران، ومدى إنعكاس ذلك إذا ما تمّ على إتفاق “اوبك”، يقول متى: “ليس من السهل تراجع الرئيس الاميركي الجديد عن الاتفاق النووي الايراني الذي ساهمت إدارة سلفه باراك أوباما بصناعته، فهناك آلية معقدة وطويلة إذ يجب أن يسلك التغيير عبر مجلسي الشيوخ والنواب وهناك حق الـ veto وبالامس صرح مدير عام الاتصالات الاميركية يقول ان التراجع عن الاتفاق النووي مع ايران قد يكون خطوة كارثية على الولايات المتحدة والعالم. ربما طرح ترامب إلغاء الاتفاق هو ورقة ضغط للتوصل الى تعديل بعض النقاط وتكريس هامش له لإعادة النظر بإتفاقات أخرى. لا أدري الى اي مدى يمكن التراجع عن خطوة الاتفاق مع إيران خصوصاً انها كرست بعضاً من الاستقرار على الصعيد العلاقات العالمية مع طهران”.

يغوص متى أكثر في تفاصيل إتفاق “اوبك”، ويردف: “يجب الانتباه الى ان إيران كان أعلنت انها لن تلتزم بالاتفاق ما لم يسمح لها بالعودة الى حجم الانتاج ما قبل العقوبات وحتى بلوغ رقم 4.200 ملايين برميل يومياً ومن بعدها تبحث بتثبيت الانتاج، ثم تراجعت عن هذا الرقم الى حد  3.797 ملايين برميل يومياً. كذلك قلصت السعودية إنتاجها إلى 10.06 ملايين برميل يومياً. أما العراق، فوافق على خفض الإنتاج حوالى 200 ألف برميل يومياً إي الى سقف4.351 ملايين برميل يومياً. كما تعهدت روسيا خفض الإنتاج 300 ألف برميل يومياً”.

“لا تداعيات مباشرة في الاشهر المقبلة على الوضع في سوريا” يؤكد متى ويلفت الى ان “موازنة الحرب في سوريا من ضمن الموازنة العامة لروسيا ولم تتأثر كثيراً، اما السعودية فتأثرت أكثر من خوضها الحرب في اليمن التي لم تكن ضمن حساباتها وهي تكلف الملايين يومياً، لذا لاحظنا عجزاً في موازنة السعودية التي لطالما كانت تحقق فائضاً في موازناتها جراء أزمتي حرب اليمن وتراجع سعر النفط. فالعام الماضي كان العجز 97 مليار دولار، وهذا العام 87 مليار دولار، ومن المتوقع ان يبلغ العجز العام المقبل 65 ملياراً. ولكن الرؤية التي وضعها ولي ولي العهد في السعودية والخطة “2030” لتنويع مصادر الاقتصاد هي خطة إنقاذية صحيحة”.

يشدد متى على ان أتفاق “أوبك” هو إتفاك بين المنهكين لوقف النزيف، ويتابع: “نحن كإقتصاديين لا نتوقع العودة الى عتبة 130 دولار لبرميل النفط، لأن القواعد في السوق تغيرت. الاميركيون يملكون بالنفط الصخري، ثمة ضعف في الاقتصادي العالمي إنعكس على إستخدام المصانع للنفط ومروحة الاعتماد على الطاقة البديلة تتوسع. لذا فهناك عدة عوامل تتحكم بالسوق الى جانب عامل “العرض والطلب”.

في الخلاصة، المصيبة جمعت الاخصام اللدودين المنهكين بازماتهم المالية، وإتفاق “أوبك” هو مسعى لوقف الخسائر والتدهورات التي تشهدها موازنات دول نادي النفط وليس مكسباً لأحد، هي عملية جراحية لاستئصال ورم وليست شفاء كاملاً. وفي القريب العاجل لن ينعكس إتفاق “أوبك” على المشهد السوري لا لمصلحة نظام الاسد و”براميله” ولا لمصلحة معارضيه ولا ترجمة على الارض خلال الاشهر المقبلة، مع الاخذ بالاعتبار ان اللاعبين النفطيين موزعون في سوريا بين معسكري نظام الاسد والمعارضة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل