
يوماً بعد يوم تتأكد الخلفيات التي تقف وراء التعثر في تشكيل حكومة العهد الاولى، تلك الخلفيات التي تعكس في حقيقة الامر ليس فقط انقلاب المعادلات الداخلية مع تفكك معسكري 8 و14 آذار، بل وايضاً خلط اوراق اقليمية عادت لتلقي بثقلها على المشهد الداخلي.
اولاً: ان الاشتباك المسيحي – الشيعي حالياً في تأليف الحكومة يعكس في واقع الامر حقيقتين: الحقيقة الاولى تمسك الجانب الشيعي بالمكتسبات التي لطالما تحكمت بحسابات وآليات تأليف الحكومات منذ ايام الوصاية السورية، والتي تكرست اعرافاً تعطي بموجبها للتفاهمات والتسويات كلمة الفصل في ظل الاعتياد على وجود فريق مسيحي لطالما كان منقسماً ومشتتاً بين 8 و14 اذار، ولم يكن يؤمل ان يصل الى يوم يتوحد ويشكل بالتالي انقلاباً في المشهد والتوازنات والتحالفات.
اما الحقيقة الثانية فهي في عودة المراهنة على تبدلات في التوازنات الاقليمية بعد انقلاب المشهد الميداني في حلب والشعور بالانتصار لدى محور النظام السوري وحلفائه وفي طليعتهم “حزب الله”، ما ساهم ولا يزال في شعور الثنائي الشيعي بقوة تجعله يعتقد بانه قادر على الاستمرار بالامساك باللعبة الداخلية انطلاقاً من ميزان القوى الاقليمي في سوريا والعراق .
ثانياً: ان وصول الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى سدة الرئاسة الاميركية وتوقع وصول مرشح اليمين الفرنسي فرانسوا فيون الى سدة رئاسة فرنسا، وما عكسته مواقفهما ونظرتهما في الملف الشرق اوسطي ولا سيما السوري، لناحية توجههم الى التعاون مع الروس والنظام السوري لمقاتلة العدو ” الوحيد ” المشترك ” داعش واخواتها، جعلت المحور الايراني – الاسدي – الحزب اللهي – يعتبر بان المعادلات المقبلة في المنطقة سوف تكون لمصلحته، ما زاد من قوة الضغط في تلك الفترة الفاصلة دولياً واقليمياً امام النظام الاسدي لمحاولة حسم ملف حلب بدعم مباشر وفاعل من موسكو وساهم ويساهم ايضاً في تمسك الثنائي الشيعي بدوره المؤثر على معادلات الداخل ومكتسباته.
فهذه القراءة للمشهد الاقليمي لا بد وان تؤثر اكثر فاكثر في مجريات التطورات الداخلية، حتى لأمكن القول إن تأليف الحكومة بات يسري على وقع انقلاب المشهد الاقليمي.
ثالثاً: بات من الواضح والجلي ان الثنائي الشيعي يود محاربة الثنائية المستجدة مسيحياً بين “التيار الوطني” و”القوات اللبنانية”، تلك الثنائية التي اثبتت صلابتها وقوتها، ما دفع بحلفاء الرئيس عون السابقين المفترضين وعلى لسان جريدة السفير وتهديدات ازلام النظام في سوريا، الى التوجس من الواقع المسيحي الجديد الذي يرون فيه انقلاباً على ثوابت وحسابات كانت في مصلحتهم يوم ساهموا في ايصال الرئيس عون الى سدة الرئاسة وظنوا انهم سوف يقطفون ثمارها، فاذا بالثنائية المسيحية تقطع امامهم الطريق وتطلق عهداً جديداً من التوازنات والحسابات. فالوحدة بين المسيحيين ممنوعة اقليمياً وتشكيل ثنائي قوي “تيار – قوات” هو عين الكابوس الذي لا يحتمل فكيف اذا اضيف اليه تيار “المستقبل” والرئيس سعد الحريري؟
فالتوازنات لعبة اقليمية اكثر مما هي داخلية والحكومة العتيدة يجب برأي الثنائي الشيعي ان تعكس ما يعتبرونه انتصاراً لخط الممانعة والمقاومة، فكيف يمكن القبول باتفاق التيار “الوطني الحر” مع “القوات” وما يعتبرونه “تضخيما لدور القوات” على حساب حلفاء الرئيس عون التقليديين؟
رابعاً: ان المتغيرات المسيحية الداخلية، معطوفة على التغيرات الاقليمية الحالية والمتوقعة، تضفي على المشهد الحكومي وعلى انطلاقة العهد، اجواءًا تنذر باشتداد التنافس والتصارع، فما تكتنزه الازمة السياسية الخفية حالياً من صراعات وتداعيات يتجاوز مجرد تشكيلة حكومية وتوزيع وزارات وتحديد احجام لتتعداها الى افتتاح مبكر لمعركة قانون انتخابات نيابي جديد سوف يحاول الثنائي الشيعي التعويض من خلاله عما فقده في تحالفات العهد المسيحية والسنية، والمعركة لاستقطاب عهد عون داخلياً واقليمياً بين اي من المعسكرين الاقليميين (سعودية او ايران) وصولا الى معركة حلب ومعركة الموصل ووصول روؤساء عالميين جدد الى مراكز القرار مع بداية العام المقبل.
كلها اعتبارات تجعل مخاض تأليف الحكومة العتيدة بمثابة معركة فاصلة ومحددة للتوازنات المستقبلية التي سوف تضبط حكومات العهد الجديد، فعملية اعادة تكوين السلطة وبناء دولة دستورية تتطلب تنازلات لا يبدو الثنائي الشيعي مستعداً لها على الاقل في الامد المنظور .
نحن في زمن الانقلابات العميقة وتغير التوازنات داخلياً وخارجياً، فالمخاض كبير ومؤلم والقرارات الحاسمة مطلوبة على ان يكون رائدها الدستور ومصلحة لبنان العليا .