مزار لستة شهداء من حراجل يحرسون طريق الجرد… لنبقى

 لأنهم شهداء المقاومة اللبنانية من أبناء بلدة حراجل وعبق بخور دمائهم التي روت أرض لبنان من جبهة الأسواق الى أعالي عيون السيمان ما زال يفوح كلما دقّ جرس قداس سيدة حراجل، ولأن قصص بطولاتهم ما زالت تنبض من جيل الى جيل يرويها الجد للحفيد والأب للولد، لأنهم ناضلوا في صفوف الأحزاب المسيحية من “الأحرار” الى “الكتائب” و”القوات اللبنانية”، لأن الشهداء لا يموتون وننتظر معهم كلنا على رجاء القيامة، لكل هذه الأسباب قرّر شباب حراجل الملتزمون في صفوف حزب “القوات اللبنانية” تكريم ستة من إخوتهم الشهداء من أبناء البلدة بمزار تباركه السيدة العذراء ويحرسه القديس شربل، أما هم فيرتسمون على الجدار أمثولة تضحية ورجولة.

شربل رشيد عقيقي، الياس طنوس شقير، جوزيف طنوس زغيب، يعقوب يوسف خليل، وليد حنا خليل، والياس يوسف عقيقي، ستة أسماء حفرت على لوحة الخلود يتمركزون على طريق عام حراجل صورًا في مزار كأنهم عادوا ليحرسوا طريق الجرد لنبقى نحن ويبقى لبنان. المزار الذي بناه بالدم والنضال رفاقهم من مركز “القوات” في حراجل ليبقى ذخرًا للأجيال، دشّن في ذكرى شهداء المقاومة في أيلول الفائت وجمع مسؤولي كل الأحزاب في البلدة الى جانب منسّق “القوات اللبنانية” في كسروان الدكتور جوزف خليل ورئيس مركز حراجل بيار جبور عقيقي وأهالي الشهداء.

عن بطولاتهم وواقعة إستشهادهم يروي رفاق لهم ما بقي في الذاكرة.

من رفاق الشهداء طوني مزهر وبيار جبور عقيقي خاضا مع كل من شهداء حراجل الستة كل معارك المقاومة اللبنانية، وشهدا كل تلك اللحظات التي كان ثمنها أطيب شباب من بلدتهم وأكثرهم رجولة وإندفاعًا. مزهر وعقيقي يوثقان كيف استشهد كل من الأبطال الستة ويبدأ طوني مزهر بحماسة بسرد بدايات الحرب اللبنانية يروي: “شربل رشيد عقيقي أول شهيد من كسروان، كنا في حزب الكتائب قسم حراجل من ضمن سرية الجرد ومركزها كان في كنيسة في ذوق مكايل وكان مسؤولاً عنا الشهيد طوني نخول. في أيلول من العام 1975 كانت اول مرة ننزل فيها الى الجبهة، كان انقضى ستة أشهر على بداية الحرب، كنا 15 شابًا وتمركزنا في بيت الكتائب في الصيفي، وطلب من قسم منا ان يلتحقوا بمنطقة القنطاري. برج المرّ كان مع الفلسطينيين لواء اليرموك، ونحن كنا في الهوليداي إن، شارع مي زيادة وهايكازيان، لكن لم يكن من الممكن ان نصل بآليات بل كنا نتسلل ونستعمل  الحبال لنصل، أذكر أننا كنا 12 شابًا وإستلمنا الجبهة عن شباب الأشرفية. وكي نتفادى الفراغ على معظم المتاريس كنا نضع عصيًا وعليها قبعات للتمويه وكل متراسين او ثلاثة متاريس كان عنصر واحد يتمركز فيها. أنا كنت في كنيسة الأرمن قرب مستشفى طراد، تسلّقت حتى قبّة الكنيسة فوجدت آثار دماء على الجدار وأدركت ان شهيدًا سقط في الموقع ومع ذلك بقيت، لم نكن نهاب الموت أنا كنت في الثامنة عشرة ومعظم الرفاق من حراجل كانوا في هذا العمر أيضًا. شعرنا بخطر الموقع بسبب القنص الغزير حتى خلف أكياس الرمل. كان معنا طوني نخول وكميل مهنا وشربل عقيقي وسيمون نخول وفيكتور زغيب الذي أصيب ليلًا ونقل الى المستشفى. في اليوم الثاني بدأنا نطلب المساندة نظرًا الى شدة المعارك لكن من دون جدوى حتى الرصاص نفذ لدينا فوجدنا صندوق ديناميت وكبسون فاستعملناها، وصولا الى الإشتباك في معارك بالسلاح الأبيض. حتى الأكل لم يكن يصلنا وكان بعض الأهالي من المسيحيين يمدنا بالطعام. بعد أكثر من 3 أيام وصلت قوة من منطقة الرميل بإمرة حبيب أبو جودة، واستلمت الجبهة عنا لكنهم ابلغونا أن طريق العودة مقطوع وعلينا أن نمضي تلك الليلة معهم في انتظار الصباح لإخراجنا. وكانت المعركة الكبرى تلك الليلة، في 27/9/ 1975. استلم عني في قبّة الكنيسة الشهيد ميشال حداد، وكان هو وشقيقه سامي أبطالاً في المصارعة. نبهته من خطورة الجلوس خلف أكياس الرمل ونصحته بأن يحتمي خلف حيطان الباطون فرد عليّ “ولا يهمّك”. انسحبت انا وجلست مع بعض الشباب أرتاح محاولًا ان أنام، لكن بعد قليل سمعنا صراخ شاب يستنجد “دخيلكن…” ووصل ميشال حداد وإرتمى بين يدي. كان مصابًا برصاصة قناص في القلب حملناه الى مستشفى طراد ولاقانا الطبيب الى الخارج لكن ميشال كان قد استشهد.

إستشهاد شربل رشيد عقيقي في 27/9/ 1975

وأكمل طوني مزهر الرواية: “بقينا لوحدنا بعد مغادرة شباب الرميل، فصار كل منا يركض نحو متراس كي لا تفرغ الجبهة ريثما تأتي فرقة جديدة لتتسلمها منا. كانت الصورة كأننا في حرب فيتنام، وأنذر طوني نخول القيادة بالانسحاب إذا لم تصل قوة لتستلم عنا عند الساعة الخامسة. وبينما كنا ننسحب سقطت قذيفة أر بي جي أصابت الشباب بشظاياها، بينهم كميل مهنا وسيمون نخول والجميع. في تلك اللحظة طلبت من شربل أن ينسحب أمامي لأغطيه لكنه قال لي ” لأ أنت قبلي” فقطعت الطريق وهو خلفي فأصيب وسط الطريق، ركضت فورًا لأسحبه. أمسكت به. لكن الرصاص استمر ومزق جسده، فاستشهد على الفور. حاولنا أن نحمله لكن ما من سبيل لسحبه ولا أجهزة معنا فاضطررنا لتركه هناك وانسحبنا. وصلنا الى مقابل فندق الهوليداي إن، فوجدنا ملالة للدرك أمام مركز الصليب الأحمر، أخذنا الملالة مع سائقها وطلبنا منه أن ينقلنا الى المقاطعة الرابعة. عندما تقدمت الملالة بدأ الرصاص ينهمر عليها من كل الجهات، فاتجه السائق نحو عين المريسة ونحن في الملالة ننزف من جراء إصاباتنا الى درجة ما عدنا نشعر بشيء. من حسن حظنا أن أحد عناصر الدرك كان مسيحيًا فأخذنا الى مخفر ميناء الحصن، هناك انقسمنا الى مجموعتين ناس دخلوا الى المخفر ونحن دخلنا الى المبنى المقابل. ولكن مقاتلين من الفلسطينيين كانوا في الطبقة العليا وفيما هم يغادرون المبنى فوجئوا بنا فاشتبكنا معهم قبل أن ننسحب. كانت الساعة قد قاربت الثانية فجرًا. اتصلنا بالقيادة وأبلغناهم بموقعنا، لأننا كنا بالنسبة للقيادة في عداد المفقودين او الشهداء لأن كثافة القصف وقوة المعركة في الموقع الذي كنا فيه لا ينذر الا بالكارثة، فوصل الخبر الى أهلنا في حراجل أن الكل استشهدوا. عندما إتصلنا بالقيادة طلبوا منا أن نبقى حيث نحن، فوصلت فرقة ال ب.ج مع ملالة أم 113 للجيش اللبناني تحت القصف. انسحبنا فورًا وكنا آخر المقاتلين من الكتائب في المنطقة حتى جثة شربل لم يتمكن أحد من سحبها، وعند كل محاولة كان يصاب أحد الشباب. دقّ جرس كنيسة السيدة في حراجل على أساس أن الشباب الأربعة استشهدوا، أنا كنت قد عدت الى بيت أهلي الشتوي في حارة صخر، لم تصدق أمي أنني عدت. كنت مضرجا بالدماء. عند الصباح بدأ الناس يتوافدون الى بيتنا للتعزية بي ولكنهم كانوا يتفاجأون أنني عدت ويذهلون”.

إستشهاد الياس طنوس شقير في 21 /4/ 1976

الياس شقير، استشهد في اليوم نفسه هو وجورج الغزال من غزير في الأسواق ناحية المرفأ في منطقة تسمى “مينا الخشب”. يكمل بيار جبور عقيقي منسّق مكتب حراجل في حزب “القوات اللبنانية” الرواية: “أنا كنت يومها أدرِّب بنات الضيعة في دير الفرير في فاريا، وعندما نزلت الى الجبهة. وفيما كنت أركن سيارتي سمعت أن الياس شقير إستشهد، كان معنا 5 شباب يحملون الإسم نفسه الياس نجيب، الياس نايف، الياس حنا، والياس طانيوس والمرحوم الياس طنوس”.

يضيف بيار: “كنا نحن على جبهة المرفأ ومرّ كل قبل الظهر مع مناوشات وإطلاق رصاص فقط. عند الواحدة ظهرًا استلم عنا الياس طنوس وطوني سلوم وجورج الغزال وشاب من فيطرون أصيب أيضًا. ما إن وصلنا الى سيار الدرك حتى قيل لنا أن الياس طنوس أصيب واستشهد على الفور بعد أصيب برصاصة قناص في رأسه. حاولنا ليلا أن نسحبه بحبل لأن جثته كانت كالمصيدة للقناص، لكن عبثاً.

استشهاد جوزف طنوس زغيب في 14/5/ 1976

إستشهد جوزف في عيون السيمان منطقة النحيلة، كانت الجبهة جديدة والشباب من كل الضيع يتوافدون للدفاع عن الجرد. إندفاع كل الأهالي والعائلات في القرى كان قد أوقف زحف المقاتلين الفلسطينيين، لكن حظ جوزف كان قليلًا وأصيب برصاصة قنّاص وإستشهد.

إستشهاد يعقوب يوسف خليل في 12/6/ 1976

بعد شهر تقريبًا على إستشهاد جوزف في الجرد إستشهد يعقوب أيضًا وهو يشق طريقًا عسكرية، انقلبت عليه الجرافة على طريق المزار بعد أن قُصفت بقذيفة. فكان الشهيد الثاني الذي سقط على تلك الجبهة وروى أرضها بدمائه.

إستشهاد وليد حنا خليل والياس يوسف عقيقي في 15/1/1986

معركة إسقاط الإتفاق الثلاثي في 15 كانون الثاني 1986، كان لحراجل حصّة من الشهداء فيها هما وليد حنا خليل والياس يوسف عقيقي. ويتابع بيار جبور عقيقي: “كان الإثنان في ثكنة الأوبرلي، ونحن كنا إتخذنا قرارنا بالإنضمام الى الدكتور سمير جعجع والإنقلاب. أصيب وليد في المعركة أمام المدخل الرئيسي، ركض الياس محاولا سحبه فاستشهد الى جانبه”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل