كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة”
على رغم كل شيء لم تهشل بربارة بعد من لبنان، يا الله ما أجمل تلك القديسة، وجهها، حكايتها، أسطورتها، حقول القمح تلك التي كانت لأيام مصدر قوتها وصارت منبع إيماننا. ثمة الكثير يُحكى عن القديسة الشهيدة الصبية، الكثير من الحلم هنا في قلب حكاية واقعية حزينة مفجعة في تفاصيلها، مليانة رجاء وكبرياء وشموخًا وإيماناً في رمزيتها. أتركوا الأقنعة تلك جانبا وعيشوا حكاية القديسة بربارة في تفاصيل الحب، في ضيعة ما عادت منسية، في مدينة يبدو صارت تريد العيش في تفاصيل الضيعة، في كتاب قديسة الشهادة لأجل المسيح، هنا وهنا تحديدا قلب الحكاية…

قرع الباب بعنف، هو ليل بارد في كانون، يدخل الأولاد بوجوه ليست وجوههم، يرقصون، يغنون بعشوائية مروّعة “هاشلة بربارة مع بنات الحارة، عرفتا من إيديها ومن لفتة عينيها ومن هاك الإسوارة، هاشلة برباره والقمح بالكوارة، يا معلّمتي حليّ الكيس الله يبعتلك عريس بجاه العدرا والمسيح”. تضحك السيدة عند الباب، هي لا تريد عريسا فأطفالها يسرحون مع الأولاد إياهم، تحلّ الكيس المنشود وتوزع الليرات على الأطفال، وفوقهم رشّة حلويات، بونبون وشوكولا وما شابه، يخرجون سعداء بالغلّة، ويكملون الجولة على عتبات أبواب الضيعة غير الموصدة في تلك الليلة تحديدا.
لا تعيش المدينة حكاية الحلم تلك، أبواب المدينة صارت تخاف أساسا من الوجوه المقنعة، قد يكون خلفها ما خلفها من شر متوقّع، فالغرباء أكثر من أبناء البلد في البلد، صرنا نخاف المجهول الذي قد ينتظرنا من خلف الوجوه المقنعة، فوق، في الضيعة الصغيرة، ما زالت البركة تحلّ ليلة العيد، في ساحات الضيعة المسكونة برهبة كانون، تخترق عادات العيد ليل السكون ذاك، أساسا لا ليل في ساحات الضيعة على رغم الظلمة الشديدة، ليل كانون دائما معتم لكن دفء المكان ينثر ضوءا غير اعتيادي. لا نعرف لماذا القديسة بربارة تبدو غالبا انها من أهل الضيعة، من سكانها الأصليين، يقولون إنها تركية الأصل، بعضهم قال إنها فينيقية ونحن نريد أن نصدّق انها كذلك، في الضيعة ننسبها دائما إلينا، بيتها هناك في أول وآخر ومنتصف الضيعة وفي كل الأحياء، نردد حكايتها كلما اقترب كانون ونتحضّر لاستقبالها وكأنها بنت الضيعة التي تتناقل الأجيال حكايتها، نحبّها ونروي في ليل البرد تفاصيل ما فعلته لأجل المسيح، شهيدة وشابة في عز العمر، يعني كما يسوع تماما ثائر شهيد إله في ريعان الصبا والجمال، وعندما نغدر بطيشنا الطفولي بتعاليم الكنيسة ومثالياتها المطلقة المستحيلة علينا غالبا، توبّخنا أمهاتنا “شفتي القديسة بربارة شو عملت كرمال يسوع ليش ما بتعمليش متلها شوي وبتسمعي الكلمة؟”… يا إلهي وكيف نسمع الكلمة ونحن تعصف بنا رياح جنون ما في تلك الليلة تحديدا؟! من سيهدئ فينا ذاك الجموح الى الانطلاق في ليل الضيعة وتلك الساحات نصرخ “هاشلة بربارة والقمح بالكوارة…” فهذه كانت فرصتنا الوحيدة لنكون غير نحن، ان نكون ما نحب أن نكون عليه مختلفا عن يومياتنا ولو لليلة واحدة؟ “ما بديش أعمل هالقد منيحة بهالليلة” ونخرج بوقاحة الى الحرية الموقتة لنمارس كل ذاك التمرّد، وتضحك الأمهات في سرّهن سعيدات لأجلنا…
.jpg)
لا تلبس الضيعة أقنعة الجنون تلك التي تجتاح المدينة بإسم القديسة الرائعة، التي تنكرت حين هربت من ظلم والدها الوثني، الذي رفض اعتناقها للمسيحية وطاردها في أحياء المدينة وسهولها، لم تكن الضيعة تعرف أساسا بشاعة تلك الأقنعة، وحوش وشياطين وساحرات شريرات وما شابه، أقنعتنا فوق لم تتجاوز حدود الفلاح والختيارة وذاك المريض الملفلف بشرطان لا تنتهي من “الشاش” أي الضمادات، والحبالى والأطفال الرضّع والبنات يصبحن صبيانا والعكس أيضا وما شابه، ولم يخف يوما أهل الضيعة من أن يفتحوا لنا الأبواب وهم أساسا في انتظارنا، وحتى اللحظة لا تزال طنجرة القمح المسلوق تغلي على مهل فوق وجاق الشتاء وتصدر ذاك الصوت الرتيب، وملعقة الخشب بيدي أمي تخترق رتابتها في حركة دائرية من حين لآخر قبل أن تسألها ستي “جوزفين حركي القمحات يمكن استووا هلأ بيجي حدن بالسهرة ولازم نضيّف بركة العيد”. وع البركة يا أيام الحب ذاك المغمّس بكل ذاك الحنين والدفء المدمّر لكل صقيع في العالم، ع البركة.
تقف القديسة عند شبابيك بيوتنا، تزيح الستارة المخرّمة برفق حنانها، تفتح النافذة بخجل لتشم رائحة القمح المسلوق، هي تحب حقول القمح التي أكلت منها حين طاردها سيف والدها المتسلّط، تقرع بنعومة فائقة باب أيامنا وتسألنا “وين القطايف والزلابية والعوامات بعدكن عم تتذكروني كل ليلة 4 كانون؟” وتخجل الصبية الرائعة الحلا أن تسألنا “متى تخلعون عن قلوبكم الملأى بالخيبة أقنعة الحقد تلك فأنتم أبناء المسيح كيف لكم أن تكرهوا، أن تُلبسوا بلادكم أقنعة لا تشبهها ولا تليق بها؟” أراها حزينة حين ترافقنا في ليل الصخب في ساحات لبنان، وأتخايلها تتمتم لوحدها “هذا وطن رائع الجمال استشهد لأجله أحلى شبابه، كما أنا فعلت لأجل حبي للمسيح، لماذا ينسى ناسه تلك الروعة؟”.
.jpg)
تتمايل السنابل في الحقول في تلك الليلة، هواء كانون لا يرحم لكنه في ليلة عيدها يداعب السنابل الصفراء كمن يغنّج طفلا، تشعر الريح أن الصبية التي عُذبت بأبشع الأساليب لتنكر حبها للمسيح، ما فعلت، أن الصبية التي عرّاها والدها من ثيابها أمام عيون الناس فمنحها يسوع هالة نور لتستر عريها، أصبحت رمزا للطهارة، أن الصبية التي قطع والدها رأسها بسيفه لأنها آثرت الموت لأجل المسيح على نكرانه، صارت أيقونة التضحية لأجل إيمانها، ماتت فداء للمسيحية كحبة قمح تموت لتحيا في الأرض مواسم خير، وعلى رغم كل ذاك الأفول في الحنين ومواسم الخير، ما زالت أرضنا تزهر في عيد القديسة، ما زالت الضيعة تستقبلها على راحات الحب والمرح أيضا، ورائحة كل تلك الأطايب.
4 كانون الأول والدنيا في عز صقيعها، تقرع القديسة بربارة بدفء العالم بيت الحنين الذي نسكنه، ثمة استحقاق جديد يلح علينا، شجرة الميلاد التي تتوسط قلب البيت في ليلة عيدها تحديدا، وأكثر بعد مزروعاتنا الصغيرة التي نزرعها على شرفها، أولا القمح ومن ثم الترمس والحمص والعدس، وندرزها حول المغارة قرب الموقد لتنبت سريعا وتزنّر مزود يسوع ليلة ميلاده، والقديسة بعينيها اللامعتين حبا، تراقب تلك المشهدية بعد أن تخلع عن وجوهنا كل الأقنعة وزيف الأيام، لتلبسنا وجها هو الأحب الى قلبها، وجه يسوع، وجه الحب اللامتناهي ذاك، وجه الحنين حين يصبح هو الحكاية في ليلة من ليالي كانون…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
