
عقدة تأليف حكومة العهد الاولى برئاسة سعد الحريري تكمن وفق اوساط مسيحية بالوضع الجديد الذي انتجته ورقة “اعلان النوايا” وتمثل بتحالف بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، وقد راهن الكثيرون على سقوطه عشية ولادته الا ان المجريات اثبتت ان الاتفاق الذي نسج خيوطه النائب ابراهيم كنعان ورئىس جهاز التواصل والاعلام السابق في “القوات اللبنانية” ملحم رياشي المرتقب اشغاله حقيبة الاعلام متين بشكل محكم الى حد اغاظ بعض اللاعبين وفي طليعتهم رئىس مجلس النواب نبيه بري الذي يخوض “الجهاد الاكبر” على خلفية ان تغييبه عن الطبخة الرئاسية لن يمر مجاناً ولا سيما انه صاحب اليد الطولى في حلحلة المأزق وان معظم حكومات العهد السابق كان عرابها وانه طعن في الظهر في الملف الرئاسي الذي اشرف على وضع اللمسات الاخيرة عليه وزير الخارجية جبران باسيل ومستشار الرئيس الحريري نادر الحريري.
وتضيف الاوساط المسيحية ان تغييب بري عن المجريات الرئاسية سببها المباشر رفضه التعامل مع الواقع المسيحي الجديد وانه كان ضد وصول الرئيس ميشال عون الى القصر الجمهوري في بعبدا، ففي زمن الشغور اعلن رئىس المجلس النيابي بالفم الملآن “فليتفق المسيحيون” ولا مشكلة في انتخاب رئيس للجمهورية، الا انه بعد التوافق العوني – القواتي اختلف موقفه على خلفية ان حزب “الكتائب اللبنانية” كان له موقف آخر معتبراً ان اتفاق المسيحيين اي “التيار والقوات وتيار المردة” آنذاك لا يمثل الاجماع المسيحي، وانه اثر مبادرة الحريري بترشيح النائب سليمان فرنجية كان بري من المتحمسين للسير بهذا الخيار وكذلك رئىس “الحزب التقدمي الاشتراكي” النائب وليد جنبلاط الحليف التاريخي لبري الذي أولم تكريماً لفرنجية في دارته بكليمنصو على خلفية انه سيكون الرئيس العتيد بعدما تلقى اتصالاً من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الا ان حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر.
وتشير الاوساط نفسها الى ان بري لم ولن يهضم مقولة “الرئيس القوي” التي خيضت معركة الرئاسة تحت عنوانها ولا سيما ان عون الذي انتزع جزين من عباءته لن يسمح لاحد باللعب على الساحة المسيحية مدعوماً بتحالف “التيار والقوات” وان مقولة “ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم” باتت من الماضي، وان اللجوء الى استعمال جهات مسيحية لتشكيل “حصان طروادة” على الرقعة المسيحية لن يؤدي الى اي نتيجة سوى تأخير تأليف الحكومة ومحاولة لوضع العصي في عجلة العهد العوني، وهذا ما ادركه جنبلاط الاكثر استشرافاً للوقائع والذي يبني على الشيء مقتضاه بشكل واقعي.
وتشير الاوساط الى ان جنبلاط ربما يكون من السياسيين القلائل الذين يتعاملون مع ارض الواقع على طريقة الدول الكبرى اي “لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة بل مصلحة دائمة” ومن هذه الزاوية يقرأ التحالف العوني – القواتي من زاوية تختلف عن بري، فهو سيد في اعتلام الافاق وعلامات الازمنة وكان سباقاً في زيارة رئىس مجلس النواب عشية انتخاب عون ليعلن بوضوح انه على الرغم من مسيرته التاريخية الى جانبه والصداقة التي تجمعهما فإنه سينتخب عون للرئاسة الاولى، فجنبلاط معروف بدقة خياراته لا سيما في الازمنة الاستثنائية وخصوصاً انه يمهد الطريق لزعامة نجله تيمور آخذاً بعين الاعتبار وبميزان الصيدلاني الناخب المسيحي في الجبل الدرزي والناخب السني في اقليم الخروب، وان وضعه يختلف كثيراً عن وضع بري الذي يستند الى قوة الثنائية الشيعية التي توفر له درعاً سياسياً قوياً وتمنحه هامشاً واسعاً على صعيد حرية الحركة في الوقوف ضد الواقع المسيحي الجديد الذي يجعل من “القوات” شريكاً في الحكم وفريقاً لا يستطيع اللاعبون تهميشه في كعكة الحكومة، كون “الدكتور سمير جعجع هو الوحيد بين السياسيين الذي لديه القدرة على ركل كرسي السلطة” وفق كلام الوزير السابق وئام وهاب.
