
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1589
ليست “القوات اللبنانية” في معرض الدفاع عن نفسها. حجم الدور السياسي الذي تلعبه تعبّر عنه الحملات التي تشن ضدها وعليها. إنها عرضة لهجوم دائم. هذا الأمر ليس جديدًا وكان يحصل دائمًا ولكنه يتحول يوماً بعد يوم إلى استراتيجية معلنة لا بد من التوقف عندها للرد وليس للدفاع، لأن “القوات” تتهِم ولا تُتَّهم ولأنها تدرك أن هذا الهجوم ليس إلا تعبيراً عن الإنزعاج من حضورها السياسي وتحالفها مع الرئيس ميشال عون من أجل استعادة التوازن في الحكم، وهي تدرك أيضًا أن الحملة عليها ليست إلا اعترافاً بهذا الحجم وبهذا الدور، وبأنها كانت ولا تزال تمثل وجدان الشارع المسيحي وفي الصف الأول المدافع عن فكرة لبنان وهويته الحقيقية وضد محاولات الإنقلاب عليها وتزويرها.
لم يكن رئيس حزب “القوات” سمير جعجع إلا معبّراً عن حقيقة الوضع الجديد الذي دخل فيه لبنان منذ تبني “القوات اللبنانية” لترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية حتى انتخابه عندما تحدث عن نجاح “القوات” في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في وقت يسعى فيه البعض إلى إعادة لبنان إلى الوراء. لقد نجحت “القوات” من خلال كل هذا المسار السياسي في أن تخلق دينامية جديدة في الحكم وفي العودة إلى الطائف الحقيقي ونجح الرئيس ميشال عون في أن يكون الرئيس الفعلي لا النظري الذي يدير الحكم من قصر بعبدا.
لقد قامت “القوات” في الأساس على فكرة الدفاع عن لبنان. عندما اتهمت في خلال الحرب بأنها تسعى للتقسيم كانت ترفع مع مؤسسها بشير الجميل شعار ال 10452 كلم مربع وفي الوقت نفسه كانت تعلن أنها تدافع عن الحضور المسيحي في لبنان حتى لا يتحول المسيحيون أهل ذمة وحتى تنكسر الفكرة التي سادت في بداية الحرب عن أن المسيحيين لن يقاتلوا ولن يدافعوا وسيهربون عند أول طلقة رصاص وأن لبنان الذي عملوا لأجله سينهار.
لم تكن الحرب خياراً قواتياً بل كانت قدراً مفروضاً. عملياً لم تنته الحرب في العام 1990. عندما تسلم سمير جعجع قيادة “القوات اللبنانية” في العام 1986 سعى إلى وضع حد للحرب. كان مدركاً أن هذه الحرب صارت عبثية وأن الثمن الذي يمكن أن يدفع من أجل الخروج منها يبقى أقل من ذاك الذي يمكن أن يستمر الجميع في دفعه للإستمرار فيها. وللتذكير فقط أنه بعد محاولة اختراق المناطق الشرقية في عملية 27 أيلول هدأت الجبهات وذهبت “القوات” نحو تنظيم الإستقرار في المناطق الشرقية لتكون صورة عن لبنان الذي يجب أن يكون. ولذلك كان الطائف استمراراً لهذه السياسة من أجل الخروج من الحرب في تسوية مقبولة من الجميع.
كان سمير جعجع يدرك أهمية المقاومة السياسية من دون سلاح وأنها في أحيان كثيرة يمكن أن تحقق نتائج أكثر مما يحققه السلاح. وكان الإحتلال السوري يعمل من أجل أن يكون تخلي “القوات” عن السلاح مدخلاً إلى حلها وإنهائها ومحاولة تركيب وصاية على لبنان والمسيحيين من خلال قيادات لا تعمل إلا من أجل مصلحتها الخاصة. خاضت “القوات” غمار المواجهة مع عهد الوصاية الذي انتهى وبقيت “القوات” وعادت أكثر قوة وحضوراً في وقت حاول “حزب الله” ولا يزال أن يستعيد دور عهد الوصاية وأن يعود إلى سياسة عزل “القوات”. ولكن اللعبة تكاد تنقلب عليه.
تجاه هذا الواقع الجديد الذي أنتجه تحالف معراب بين “القوات” و”التيار الوطني الحر” قياساً على ما رافق انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية كبرت الحملة على “القوات”، وهي وإن كانت كبيرة وحادة فإنها أكدت على أن “القوات” من خلال مراهنتها على الحركة السياسية استطاعت أن تستعيد المبادرة وأن تبني دوراً متصاعدًا يشبه إلى حد كبير مرحلة الصعود التي رافقت الرئيس الشهيد بشير الجميل بين العام 1981 ومعركة زحله حتى انتخابه رئيساً للجمهورية في العام 1982 مع فارق أساسي وهو أن هذا الصعود الكبير في الدور حققته “القوات” من دون سلاح إلا سلاح الموقف السياسي.
الحملة على “القوات” ليست إلا حملة على الدور المسيحي وعلى محاولة استعادة الجمهورية وتحقيق التوازن الداخلي. صحيح أن “حزب الله” كان في أجواء التفاهم الذي يحصل بين “القوات” و”التيار” ولكنه لم يكن ليتوقع أن يسير هذا التفاهم نحو التحالف التام الذي يشمل انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية وتثبيت الحضور داخل الدولة. عندما أصبح وصول عون إلى بعبدا أمراً واقعاً بعد انضمام الرئيس سعد الحريري إلى خيار ترشيحه حاول الحزب أن يكون انتخاب عون المحطة الأخيرة وأن يكون الرئيس عون كما كان الرئيس الياس الهراوي أو الرئيس إميل لحود على قاعدة أن لا يحل ولا يربط إلا بموجب التفاهم مع “حزب الله” وألا يعطي أي دور لـ”القوات” وألا يكبِّر حجمها وأن يتوقف بالتالي تحالف معراب عند أبواب القصر ولا يدخله وإلا يصبح القصر مشتبهًا وسيد القصر متنازلاً. وأكثر من ذلك أن يقبل بأن يكون حلفاء “حزب الله” داخل القصر بدل “القوات”.
الإشتباه بالقصر كان على أساس الإشتباه بالمساحة التي تحتلها “القوات” في المعادلة الجديدة. الهجوم على “القوات” يستهدف القصر أولاً قبل “القوات”. عنوانه الأساسي إسقاط تحالف معراب الذي كان الأساس في وصول العماد ميشال عون إلى بعبدا وفي تثبيت إعادة دور المسيحيين إلى الدولة لا إعادة الدولة إلى المسيحيين. حتى هذا العنوان قد لا يعجب البعض الذين بدأوا ينتقدون السعي إلى استعادة هذا الدور وإلى التذكير بالعودة إلى ما قبل مرحلة 1975 وإلى التهديد بالتخلي عن الطائف وبإعادة النظر بالمناصفة وبأن المسيحيين سيواجهون عندها خيار العودة إلى عهد الذمية أو الهجرة.
قبل انتخاب العماد عون رئيساً كان دور “حزب الله” في دعم وصوله مشتبهاً. بعد انتخابه يبدو أن دوره في عدم تسهيل تشكيل الحكومة الأولى مشتبهاً. يتم وضع النائب سليمان فرنجية في الواجهة. فرنجية خسر في سياسة التصدي لانتخاب العماد عون وهو يخسر اليوم في سياسة عرقلة تشكيل الحكومة. يدرك أنه خسر في المواجهة الرئاسية ويريد أن يعوّض في المواجهة الحكومية ولكنه في الواقع يفقد حضوره في التمثيل المسيحي ليصبح واجهة لمن يريدون مواجهة استعادة الحضور المسيحي الذي مثله تحالف معراب. لا يمكن أن يعود فرنجية إلى التحالف مع “التيار الوطني الحر” ولكن بإمكانه أن لا يكون في مواجهة تحالف معراب أو أن يكون بقربه من خلال التواصل المباشر مع قصر بعبدا وليس من خلال رفع السقف والشروط التي لا يمكن أن يقبلها الرئيس عون حتى لو كانت بتمنٍ وبطلب من “حزب الله”.
يدرك من يقومون بالحملة على “القوات” أنهم إذا لم يستطيعوا أن يمنعوا “القوات” من دخول قصر بعبدا فإنه قد يكون بإمكانهم وقف التحالف الإنتخابي بين “القوات” و”التيار” تفادياً لم يمكن أن يحققاه من نتائج تكرس الواقع الجديد. ويدركون أن معركتهم ستكون أصعب إذا توسع التحالف ليشمل “تيار المستقبل” والحزب “التقدمي الإشتراكي”. بعض استطلاعات الرأي حول نتائج انتخابات 2017 قد تصيب الفريق الذي يهاجم “القوات” بالهلع حتى لو جرت هذه الإنتخابات على أساس قانون الستين. لذلك بدأ البعض يدرك أيضاً أنه بات من الصعب وقف هذا المسار السياسي وأن المطلوب التعامل معه بقبول إيجابي. لماذا؟ لأن “حزب الله” إذا كان يخشى اليوم من نتائج هذا التحول الكبير في السياسة الداخلية قد يجد نفسه خلال الأعوام المقبلة بحاجة إلى غطاء هذا العهد لأن لا أحد يعرف ماذا تخبئ له الأيام. وهو يدرك أن الرئيس عون لن يسمح بأن يحصل أي انقلاب في الداخل على الحزب ولكنه لا يقبل أيضًا بأن يحصل أي انقلاب على العهد.
في ظل هذه الصورة تبقى الصورة واضحة عند “القوات”. واضحة من خلال إدراكها للدور الذي تقوم به ولأدوار الآخرين. ولذلك لا يعود غريباً أن يكون رئيس حزب “القوات” في قصر بعبدا ليهنئ الرئيس عون بينما تستعر الهجمات التي تستهدف فك التحالف بين “التيار” و”القوات”. هذه أيضاً رسالة وهي الرد المناسب في التوقيت المناسب والمكان المناسب.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]