Site icon Lebanese Forces Official Website

“حزب الله” ضد فيروز… وبحبك يا لبنان يا وطني بحبك

كتبت جومانا نصر في “المسيرة”:

لمرة واحدة لن نقول “لكم لبنانكم، ولنا لبناننا”. حتى معادلة “لكم رأيكم ولنا رأينا”، لا تصح في حال كان الهدف فرض الرأي على الآخر أو تثبيته كعرف ليتحول لاحقاً إلى قانون يلغي مفهوم التنوع ويخربش صورة لبنان ليحوله الى مقبرة للحريات. وما حصل في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية – مجمع الحدث لجهة منع طلاب التعبئة التربوية في “حزب الله “بث أغنيات فيروز في إحدى المناسبات بحجة ان الغناء محرم شرعاً، أو لنتكلم بأسلوبهم “مياعة”، خير دليل على أن “المجتمع الطاهر” الذي يسعى الحزب الأصولي إلى فرضه بدأ يتوسع في هامشيه الجغرافي والزمني، وتطبق الأعراف على قاعدة “بالناقص مشكل”.

أما نحن أصحاب الرأي الآخر فسنغني ونربي أولادنا كما تربينا على أغنيات فيروز وجبال صوان الرحابنة.

هي ليست المرة الأولى التي تدار فيها عقارب الساعة على توقيت العصور الجاهلية. في الماضي البعيد قفز “حزب الله” وكما العادة فوق جسور الدولة ومنع دخول الفنان الفرنسي المغربي الأصل غاد المالح إلى لبنان عام 2005 لإحياء حفلة ضمن مهرجانات بيت الدين الدولية. يومها شن الحزب عبر قناة “المنار” حملة على الفنان متهمة اياه بأنه سفيرلإسرائيل في الفرانكوفونية.ولم تتوقف الحملة عند هذا الحد. ألبسوه البزة العسكرية الإسرائيلية ونشروا صورة له (مركبة حتماً) على مواقع التواصل الإجتماعي وهو يرتدي الخوذة والمنطاد، وذهبوا إلى أبعد من ذلك في تصويرهم لجنة مهرجانات بيت الدين وكأنها ملاذ لإيواء من ينال من سيادة البلد أو انتمائه العربي.

يومها حاولوا تصوير الحملة وكأنها وطنية وبريئة بامتياز. وما لم يقل يومها من كلام “محرم” في العلن تم إسقاطه على صفحات الفايسبوك. غاب غاد المالح عن مهرجانات بيت الدين الدولية ونجح الحزب في تسويق مفهوم “المجتمع الطاهر” معززاً بكلام أمين عام “حزب الله “السيد حسن نصرالله يوم قال لجمهوره وطائفته إنهم “أشرف الناس وأكرم الناس وأطهر الناس”. ومن خلال إحكامه على مفاصل الدولة ومؤسساتها تارة بالسلاح وتارة بالسياسة، إلا أنه لم يسقط من حسابه مفهوم تغيير وجه لبنان الثقافي والإجتماعي من خلال مأسسة “المجتمع الطاهر” وتثبيت قواعده الإجتماعية من خلال فرض قواعد إجتماعية بالإكراه حيناً والتودد حيناً آخر.

من هذه المظاهر التاريخية لـ”الخناق الإجتماعي” على سبيل المثال لا الحصر، دفع مبلغ مالي لكل إمرأة سافرة تتوب، وترتدي الحجاب، وتطهير مناطق نفوذ “حزب الله” في بيروت ومحيطها من الكحول وبيعه والتداول به. ولاحقاً توسعت الظاهرة لتشمل مناطق من خارج مربع الحزب لا سيما في محافظة الجنوب. لكن القرار اصطدم بواقع شعبي رافض بالشكل والمضمون وتبين لاحقاً ان الحزب عاجز عن تكريس سطوته ولو نجح في إقفال بعض صالات الأفراح والمناسبات التي تقدم الكحول لزبائنها أو فرض تعديلات على قوائمها.

وبالخلفية الشرعية نفسها كرت سبحة الممارسات. فمن مرحلة “المال النظيف” إلى “المجتمع الطاهر” وصولاً إلى “المجتمع العفيف”. ومن مظاهره، منع النسوة والمحجبات من تسجيل أسمائهن في بلدية الخيام للمشاركة في سباق “حرمون ماراثون” الذي أقيم في سوق الخان في حاصبيا ورئيس البلدية علي العبدالله المعين حديثاً يوقع ويؤكد أن التسجيل محصور بالذكور فقط على رغم تحفظ عدد من الأعضاء، وتهديد الطالبات غير “المحتشمات” في كلية العلوم الفرع الخامس في النبطية والتوعّد “بتربيتهن” في حال عدم الإلتزام، ومنع الدبكة في إحدى المهرجانات القروية في إحدى البلدات الجنوبية بحجة انها تفترض شبك الأيدي بين النسوة والرجال وهذا “محرّم”، ومنع اختلاط الذكور والإناث في احد النوادي الرياضية… وسواها وسواها من ممارسات تضييق الخناق على المجتمع الواقع في إطار مربعات “حزب الله” أو حتى في محيطها بحجة “الأخلاق” والقيم”.

وعلى رغم اعتراض شريحة كبيرة من هذا المجتمع على هذه الاعراف الا انها تطبق انسجاماً مع “الذرائع الأخلاقية” او بسبب الخوف والترهيب والتهديد. لكن ما حصل في باحة كلية الهندسة في مجمع الحدث التابع للجامعة اللبنانية كسر طوق الصمت وأشعل مواقع التواصل الإجتماعي بسجالات بين ابناء البيئة الحزبية الواحدة والطائفة الواحدة وبين الحلفاء لا سيما الحزب السوري القومي الإجتماعي الذي ذكّر بعض أعضائه على مواقع الفيسبوك “حزب الله” بمنعه أغنيات الفنانة جوليا بطرس على قناة المنار علماً انها كانت اول من ادى اغنيات للمقاومة والحزب وأمينه العام السيد نصرالله. مع ذلك فإن أغنياتها ممنوعة  لأن الغناء تمييع بحسب ما ورد على لسان السيد نصرالله في إحدى التسجيلات القديمة له التي تعود إلى العام 1985 ويعاد نشرهاعلى اليوتيوب.

تفاصيل ما جرى في حرم كلية الهندسة في مجمع الحدث الجامعي ما عادت مخفية على أحد وما أراده اصدقاء الطالب محمد حمادي الذي توفي العام الماضي في حادث سير من خلال إحياء عيد ميلاده على اغنيات الثورة والسيدة فيروز”التي كان يعشق صوتها ويستمع إلى أغانيها” لم يكن يحمل اية خلفية او زكزكة بالقيم والأخلاق. لكن التعبئة التربوية في “حزب الله” قررت منع إقامة الإحتفال الذي كان سيقام داخل إحدى القاعات المغلقة لأنه يتضمن بث أغنيات بغض النظر عن هويتها الوطنية وإسم فيروز. التعبئة الطالبية في الحزب منعت ورئيس الجامعة التزم بالقرار بعدما كان اعطى موافقته للطلاب بإقامة الإحتفال لامتصاص الإشكال. وحدها والدة محمد حمادي عادت مكسورة الخاطر وشهدت على موت ابنها مرتين إكراماً لطلب مسؤول صغير في ما يسمى بمجلس طلاب الفرع، شعر بأنه يمكنه الحلول مكان الدولة ومكان الحزب ومكان المجتمع.

نعم مسؤول في التعبئة التربوية في “حزب الله” كسر بخاطر أم مفجوعة انتظرت عودة ابنها ذاك اليوم من الجامعة ولم يعد إلا محملاً في نعش ومنعها ورفاقه من سماع اغنيات فيروز “حبيبة قلبه” كما يقول زملاؤه التزاماً “بالمجتمع الطاهر والعفيف” ولأن الأغنيات “ميوعة”.

عدد كبير من الطلاب اعترض وابدى امتعاضه للمرة الأولى ربما في العلن عما حصل وعن الأخطاء التي ترتكب بإسم الحزب علما أنهم متدينون. ومما زاد من منسوب الإعتراضات أن إدارة الفرع سمحت قبل أسبوع من الإحتفال الذي كان مقرراً إقامته في ميلاد الطالب حميدي بإقامة حفل للسيدة فيروز لمناسبة عيد ميلادها لكن في الأماكن المخصصة للإحتفالات من قبل الإدارة كما أوضحت مصادر موثوقة من داخل الجامعة وأضافت أن عميد الكلية كان أصدر تعميماً منع بموجبه إقامة أي نشاط يتضمن بث موسيقى عالية وتجمعات في باحة مدخل الكلية لعدم التسبب بأي إزعاج للطلاب وتم الإتفاق على ذلك مع مجلس طلاب الفرع والأندية الناشطة في الجامعة.

ثمة من حاول تبرير تصرفات مسؤول التعبئة التربوية في كلية الهندسة في الجامعة. لكن من قال إن خطاب “الحلال والحرام” الذي يؤطر فكر هذا المسؤول ورفاقه قادر على كسر كل القواعد والفتك بأبسط الأعراف والتقاليد؟ من قال إن أغانيات فيروز وجوليا ولبنان الرحابنة ووديع الصافي تخرق مفهوم الحلال والحرام؟ من يعبئ هؤلاء الطلاب إذا صح أن قيادة “حزب الله” غير راضية كما تسرب؟ ولماذا لم يصدر اي بيان عن الحزب يعتذر أقله من والدة الضحية التي كسر خاطرها، ولو اضطر إلى التوضيح بعد الحملة الكبيرة التي تعرض لها؟ من قال إن باقي الطلاب المنتمين إلى أحزاب وطوائف غير معبئين دينياً ولا مرجعيات دينية لديهم؟ من قال إن باقي الطلاب غير المنتسبين إلى التعبئة التربوية ولا يفهمون في الفقه والشرع؟ وأخيراً وليس آخراً، من يفسر لنا كيفية تحويل صرح جامعي لبناني إلى مركز حزبي ويحق لمطلق اي مسؤول صغير أن “يكفّر” بالطلاب ويضرب بقرار مدير الجامعة عرض الحائط؟

شو خصكم”؟ قليلة. المسألة أعمق من ذلك؟ فلنتكلم ببساطة. لبناننا وطن الرسالة ولنا لبناننا. لبناننا مهد الحضارات وأم الحرف وبيت الإنفتاح والتعددية والديمقراطية ومصدر الأدمغة والعبقرية. ولبناننا ولبنانكم ليس للطارئين على الدين الإسلامي “والمتأسلمين” ولا المؤدلجين والمعبئين بخطاب ديني مدسوس تحت الطاولة. لبنانكم ولبناننا وطن الرسالة والتعددية والتعايش والطوائف إذا لا إسألوا “جمهوركم” وارفعوا عنه ستارة الترهيب والتهديد ماذا يريد أن يسمع من أغنيات وأي وجه يريد للبنان.

ذات يوم قال الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير: “إننا اليوم أمام تهديد للكيان اللبناني ولهويتنا العربية، وهذا خطر يجب التنبه له، ولهذا، فإن الواجب يقضي علينا أن نكون واعين لما يدبر لنا من مكائد، ونحبط المساعي الحثيثة التي ستغير، إذا نجحت، وجه بلدنا لبنان. أدعوكم إلى التنبه لهذه الأخطار وإلى اتخاذ المواقف الجريئة التي تثبت الهوية اللبنانية، ليبقى لبنان وطن الحرية والقيم الأخلاقية والسيادة التامة والاستقلال الناجز”. ولا يضيع حق وراءه مطالب”.

مروان نجار: الغناء نوع من الصلاة والعبادة

“أنا على يقين بأن ما حصل في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية لجهة منع أغنيات فيروز ليست إلا ظاهرة بسبب واقع معين والتناقضات الحاصلة في المنطقة. أما إذا ما أردنا أن نحلل واقعة منع أغنيات فيروز فالثابت أن لا أحد تعلق بلبنان وأحب أرضه إلا من خلال أغنيات فيروز ومسرح الرحابنة سواء كان ملتزماً بحزب ما أو بقضية. لذلك أرى تناقضاً كبيراً فيما حصل. اما القول بأن الغناء “ميوعة” فهذا نوع من التسطيح والتبسيط لأن الغناء جزء من العبادة والصلاة والإبتهال ومصدره المعابد وليس أماكن الكفر والفسق، والميوعة موجودة في المجتمعات الإستهلاكية. من هنا اعتقد أن هناك تسطيحا في تحليل مفهوم الغناء”.

يرفض مروان نجار تعميم الحملة التي شنت على وسائل التواصل الإجتماعي على كل ابناء الطائفة الشيعية ويقول “القصة غير محصورة بـ”حزب الله”. هناك فئة من المتأسلمين الذين يشوهون مفهوم الإسلام، وقوى تحاول أن تثبت نفسها في مطارح معينة بحيث تلجأ إلى هذا النوع من الممارسات التي تشوه الدين وتبرر غريزتها لكنها لا تمت إلى جوهر الإسلام بصلة.

نفهم من كلامكم أن “لهم لبنانهم ولنا لبناننا؟” يجيب نجار”لهم رأيهم ولنا رأينا. وسنحارب ونتواجه ضمن الأطر الحضارية وعلينا أن نعمل بجدية للخروج بنتيجة صحية”. ويختم نافياً أي كلام عن تغيير وجه لبنان.

ميشال معيكي: لبنان لن يتحول إلى مقبرة للحريات

تعليقاً على حادثة منع اغنيات فيروز في كلية الهندسة اوضح الصحافي والرسام ميشال معيكي أن لا مكان في الوجدان الثقافي المتعدد الأديان للدعوات التكفيرية والتقوقع، والجامعة اللبنانية ليست ملك حزب أو طائفة إنما هي ملك لبنان. أضاف، لبنان كان وسيبقى وطن  النهضويين. وطن جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وكل رواد الفكر والثقافة الذين جعلوا من لبنان منصة للعلم والفكر والثقافة. ويعود معيكي في الذاكرة إلى مرحلة الإحتلال العثماني يوم كانت عمليات القمع لقتل الحريات والأحرار”مع ذلك حمل اللبنانيون لواء شعلة الحرية وانطلقوا بها إلى مصر وبقي لبنان وبقيت اللغة العربية”.

يرفض معيكي كل ممارسات القمع الفكري وتحت أية ذريعة استعملت، “لأن الإنسان قيمة في حد ذاته ومن غير المسموح قمع حريته أيا كان مصدرها أو الجهة التي تتخذها كذريعة. وختم: “لقد مر على لبنان الكثير من حملات القمع والإنتداب والإحتلالات وبقي لبنان وطن الأرز ومطبعة قنوبين والنهضويين الذين قاوموا الاستعمار التركي، وواحة لكل مضطهدي الأرض ولن يتحول يوما إلى مقبرة للحريات. ومهما تمددت هذه الحركات والممارسات لن يكتب لها أي مستقبل”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version