تحية الى شارل مالك – بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان

عندما تَطولُ شَقوَةُ النّاس، ويتقنّعُ العالمُ بالظّلمِ عاراً، يكونُ ثمنُ التَّهاونِ إنتكاسةَ الأمانةِ للحياة. وحياةُ الإنسانِ ليسَت ثوباً مُستَعاراً، بالرّغمِ من أنّ الشرَّ فيها قليلُه كثير، فالنّاسُ لولا العيبُ لَأَكلَ بعضُهم البعضَ الآخر. غيرَ أنّ الأياديَ التي تحبُّ أن تكونَ عند المُستَضعَفِ والمُعَسَّر، والتي لا تعملُ إلاّ بِفَتيقِ المِسك،

تُفسِدُ ذيوعَ الشّرورِ وإعصارَ الشّياطين، وتفرشُ لكلامِ الحقِّ طولَه، والحقُّ كالزيتِ يطفو على الدَّوام.

شارل مالك دبلوماسيٌّ مُفَكِّر،ٌ الثِّقةُ به تُحفَة، وفِعلُه كَمَن يفكُّ أَسيراً، هو السّالِكُ سبيلاً تَوَعَّرَ سلوكُه على مَن كان قبلَه، فلربّما معه رَمَقَ الحقُّ النّاسَ بِنَواظرِ سُعودِه.فبعدَ أن مزجَت الحروبُ الدّمَ بالدّمِ وأَزالَت السّلامَ عن مَقارِّه ،وبطشَت بِوَجهِ العالمِ فصارَ أَسوَدَ الصّفحة، كان “مالك” مِمَّن دَعَوا الى اتِّخاذِ المودّةِ خَليقةً، وأَنفقوا الكثيرَ من أيامِ دهرِهم لكي يتصبَّحَ البشرُ بالسّلامةِ مع كلِّ شمس. ولمّا كان الشرُّ في النّاسِ لا يَفنى وإن قُبِروا، لَزَمَ أن يكونَ السَّباقُ لنداءِ المجموعةِ التي نَصَّت بنودَ الشُّرعةِ الدولية، هذه التي تُؤمنُ بأنّ في الأرضِ مَجالاًلا تَضيقُ ظِلالُه، وكَسوةً لا يَحارُ معها عُريٌ، وعَيناً أَمّارةً بالرّحمةِ ومَغموضَةً عن كلِّ إساءة.

وأمامَ حقيقةِ أنّ فئةً من النّاسِ تَسعَدُ بالوَفرة، وأخرى تكمَدُ بالحَسرة، كانت وثيقةُ الإعلانِ العالميِّ لحقوقِ الإنسان، وهي أعظمُ إنجازاتِ الأزمنةِ في فُرَصِ السّلام، والتي توسَّعت في ألوف. وقد أَلَمَّ”مالك” بمسارِها التّشريعيِّ وتولّى بين العمالقةِ ديباجتَها ومُراجعتَها، فدُمِغَت بفكرِه وخُتِمَت بحبرِ لبنان.

 

شاركَ شارل مالك”أينشتاين” في العملِ لثقافةِ الحياة، وكان بين الرّجلين وَلَعٌ لم يَأتِ عفواً، فقد أطالا الحديثَ عن الفيزياء كما عن الحقِّ في الحريّة، هذه التي لا تُصانُ بسلوكيّاتِ الحروبِ واستهتاراتِ الأقوياءِ وهي الثُّقوبُ السوداء، بل بإِقبالِ النّوايا على نَبذِ الباطل. وثقافةُ الحياةِ مع “مالك” تبدأُ بثقافةِ التعلّقِ بهاخارجَ إطارِ التملُّكِ واستعداءِ الآخر، بل من حيثُ هي نعمةٌ وكرامة.

ولمّا كانت نهايةُ التّاريخِ بعيدةً زمنيّاً، صارَ من غيرِ المُجدي السَّعيُ الى تقريبِها بالصِّدام، فالحياةُ هي أَشرَفُ الأَحباب، والقيمةُ هي لِنُصرةِ الحياة لا لمُعاداةِ الأَحياء، حتى أنّ واحداًمن المتطرِّفين في عِشقِ العَيش، قد بلغَ به الغُلُوُّ للقول: إنّ الدّنيا أحلى من الجنّة.

أمّا في الفلسفةِ الإجتماعيّةِ، فقد توقّفَ شارل مالك عند مكانةِ الفَردِ المُقدَّسةِ وحمايةِ حقيقتِه كمواطِن، ولكنْ بعيداً عن خطأِ أَسْطَرَةِ الأشخاص، والذي كرَّسَه البعضُ قاعدة. والأَسطَرَةُ أدبُ المدينةِ الفاسدة، ولها آثارٌ بَشِعَة، فكلّما تَمَّ تَذَكُّرُها ينتفضُ المجتمعُ العاقِلُ رفضاً لتقويضِ دعائمِ القِيَم. وساعةَ يحصلُ الابتعادُ عن منظومةِ القِيَمِ تلك ليتحوّلَ الإنسانُ الى مجرّدِ رقمٍ مظلوم، يبدأُ الانحطاط، وهو الجَيبُ المَرقوعُ في رداءِ الزّمن. إنّ الفردَ مع “مالك”هو أصلُ السّلامِ والوحدةِ في الإنسانيّة، وليسَ إعلاناً فوقَ حائطٍ يُزالُ لدى أَقَلِّ زَخَّة، إنّه عِقرُ دارِ فلسفةِ الإجتماعِ وقَدَرُها، وهو التَّرتيباتُ التي تشكّلُ نهجَها، وهو نَجمُها غيرُ القابِلِ للاختزال.

لذا، يرى “مالك” المُنحازُ للإنسان، أنّ الفردَ كنزٌ يُثري ذاتَه والآخرَ بِخَلقٍ فكريٍّ حرّ، وبالقبضِ على الحقيقةِ الموجودةِ في داخلِه وإعلانِها، وبالمشاركةِالسلميّةِالمتفاعِلةِ مع التّراثِ الإنسانيِّ الحيّ، وبالمبادرةِ الخلاّقةِ المُتراكِمةِ مع المُشتَرَكِ الكونيّ. وليس أمامَ الفردِ سوى أن يُكرِّمَ هذه الثَّوابتَ بالعنايةِ بها احتراماً وتطبيقاً، لأنّه إن لم يفعلْ، فالعنايةُ تعرفُ كيف تقتصُّ منه.

 

في الذّاتِ اللبنانيّةِ رئةِ الحريّات، كان لشارل مالك رسالةٌ في الفكرِ الدستوريِّ المُعاصر. فَبُرْجُ لبنانَ المُتجذِّرُ

في قلبِ التاريخ، كما وردَفي نشيدِ الإنشاد، ليس جزءاً مسلوخاً عن مُقاطعةٍ ولها أن تستردَّه، وليس مساحةً رومنسيةً نحملُها في أشعارِنا ونشتاقُ إليها، إنّه قوميّةٌ رابِطَةٌ أو أمّةٌ كيانيّةٌ جامِعةٌ لها وجودٌ حرٌّ وسيادة، ولها مَن يؤمنُ بها. ولبنانُ مع “مالك” ليس ولايةً واطِئةً تتقلّصُ أو تتوسّعُ بحسبِ مزاجيّةِ جاراتِها، بل هو مَحمِيّةُ الاعترافِ الدّولي، يرتبطُ مواطنوه على تعدُّديتِهم، بعشقٍ كيانيٍّ وبِعَقدٍ علائقيٍّ واحدٍ، وتجمعُهم هويّةٌ وطنيّةٌ واحدة. لقد قدَّمَ “مالك”صيغةً أكثرَ نُضجاً لتَنسيجِ مفهومِ التّعاقدِالمواطنيِّ الذي يتَبَلوَرُ بمشاركةِ الجميعِ في الشّأنِ العام، فالمجتمعُ هو سيّدُ الدولةِ ووعاءُ السلطةِ ورائدُ استراتيجيّةِ الدَّمجِ حيثُ لا مُزاحِمٌ للرابطةِ الوطنية، وعلى الدولةِ أن تكونَ هي أنموذجاً قابِلاً للتَّواؤمِ مع حاجاتِ الناسِ وأهدافِهم. إنّ تَعزيزَ الهويّةِ الجامِعةِعلى حسابِ الهويّاتِ الفرعيّةِ يُمَتِّنُ مبدأَ الانتماءِ الى الوطنِ مسكَنِ البَدَنِ والرّوح، وكما أنّ الألحانَ لا تُؤْنَسُ إلاّ بالشّعرِ، فالهويّةُ لا تَطيبُ إلاّ بالولاء.

لم يَكن “مالك” بارِدَ النَّفَسِ مع الحداثة، وهو الذي حازَ الفضيلتَين: الثقافةَ والحِسَّ الوطنيّ، ففي ظلِّ الأنينِ والرَّنينِ، وهما أَقتَلُ عيوبِ الشّرقِ التي أَلِفَها جمهورُه وما زال، دعا الى مواجهةِ الرجعيّةِ بوعيٍ جَمعيٍّ للفعلِ اللّيبيراليِّ الحاضِنِ لكفاحِ الإنسانِ من أجلِ الترقّي. لقد قاربَ “مالك” التقدّمَ في بُعدَيه الفلسفيِّ والإبداعيّ، وانتهى الى أنّه لا يمكنُ إحرازُه بتَحجيبِ العقلِ بل بدوامِ الدّهشةِ أمامَ الوجود، وإطلاقِ عملِ الفكرِ الرّاغِبِ بمواكَبةِالجديد. والتطوّرُ ليس بِدعةً، فالبدعةُ هي التَسَمُّرُ في الماضي، وعدمُ استحداثِ مُعجَمٍ ذي مَحمولٍ عصريٍّ على أنقاضِ التخلّفِ بالقوة. كلُّ ذلك لأنّ الذهنَ في بعضِ مجتمعِنا المَشرقيّ، اعتادَ على قاعدةِ أنّ العَصرنةَ تَوأَمُ الاستعمار.

لكنْ، وبالرّغمِ من قناعةِ “مالك” بأنّ الانفتاحَ إِكْسيرُ التقدّم، وبأنّ الحداثةَ تَحَوّلٌ متسلسلٌ الازاميٌّ في بنيةِ المعرفة، فقد رفضَ الاقتباسَ الأعمى والتنكّرَ للخصوصيّة، من دون أنيشكّلَذلك حاجِزاً يمنعُ التّلاقُحَ والتأثّرَ بالنّافع.

هذا الرّجلُ الآتي من القَلق، لم يتركْ قريحتَه حتى عَرفَ صَدراً من العلم، واستوفى عُقودَ المعرفةِ التي

تُنعِمُ على العقلِ بالصحّة، فدخلَت آراؤُه في مُرتضى الفكرِ لانفرادِها في بابِها. شارل مالك العالميُّ السِّعَةِ وفيلسوفُ السَّلام،أراه تركَ وصيّةً لجبابرةِ العالمِ تقولُ : إنّ الطّيورَ تأكلُ النَّملَ، وعندما تموت، النَّملُ يأكلُها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل