خاص المسيرة – واشنطن: ترامب يخيف إيران

 

مرة جديدة تكشف الأسماء التي يختارها الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب لتكون في عداد فريقه الوزاري ولا سيما على المستوى الأمني والدفاعي، مع تسلم الإدارة الأميركية الجديدة سلطاتها رسمياً في العشرين من كانون الثاني المقبل موعد التنصيب الرسمي للرئيس المنتخب، أن الإدارة الجديدة ستسلك سياسة مغايرة تماماً لتلك التي وضعتها الإدارة الحالية في ظل رئاسة الديمقراطي باراك أوباما للبيت الأبيض على مدى الأعوام الثمانية الماضية، وهي سياسة مترددة متراجعة لم تشهدها واشنطن من قبل، وفي ظل بعض المواقف التي رفعها الرئيس المنتخب خلال حملته الإنتخابية والتي عبّر فيها عن عدم رغبته بعودة الولايات المتحدة إلى ما يمكن وصفه ب” شرطي العالم”، إلا ان الشخصيات الأمنية والعسكرية في إدارة ترامب تؤشر بوضوح إلى حجم التغيير الذي يطرأ على صعيد معالجة الكثير من الملفات الداخلية والخارجية.

 

دلالات تعيين ماتيس

بعد خطوة تعيين كل من الجنرال مايكل فلين مستشاراً للأمن القومي في البيت الأبيض والسناتور مايك بومبيو مديراً لوكالة الإستخبارات المركزية الأميركية، جاء حسم مسألة اختيار الجنرال جيمس ماتيس الملقب بـ”الكلب المسعور” وزيراً للدفاع لتكتمل صورة الموقف الأميركي على مستويات الأمن والدفاع والإستخبارات.

وقد بدا واضحاً أن ترؤس الجنرال ماتيس وزارة الدفاع إنطلق من الخلفية والخبرة العسكرية الواسعة التي يتمتع بها، وهو على خلاف مواقف ترامب، سيكون الصوت الحاسم على مستوى الإدارة الجديدة لجهة إعادة التأكيد على عامل القوة الذي تتمتع به الولايات المتحدة وهي الدولة التي ينتشر جيشها في أربعة أقطار العالم، فالجنرال ماتيس الذي تولى مسؤولية القيادة المركزية للقوات العسكرية الأميركية يدرك قيمة تحالفات الولايات المتحدة في الخارج، ولديه فهم عميق بالسياسة وبمناطق الصراع في جميع أنحاء العالم. وخلال جلسة استماع أمام الكونغرس في وقت مبكر من العام الماضي حول تحديات الأمن القومي، أعلن الجنرال ماتيس أن لديه الخطوط العريضة لرؤية القيادة الأميركية في المستقبل، وأن النظام الدولي يتطلب أن تقوده أميركا بحكمة ووفق خطط محكمة.

وبصلابته المعهودة عارض الجنرال ماتيس خطوة الرئيس الحالي باراك أوباما بالإفراج عن موقوفين متهمين بالإرهاب من سجن غوانتنامو، معتبراً أنه يجب الإبقاء على جميع الموقوفين إلى حين إنتهاء الحرب على الإرهاب، معارضاً بذلك أي إجراء يضع الولايات المتحدة في مستويات أقلّ أمناً.

وبحسب توجهاته المعلنة فإنه يعارض أي تخفيض في ميزانية الدفاع، وسيرفض أي موقف من الكونغرس يعارض إعطاء المزيد من الصلاحيات للعسكر من أجل إستخدام القوة العسكرية لملاحقة تنظيم “داعش” والقضاء عليه، مشيراً إلى أن تلكؤًا حصل مع الإدارة الحالية لجهة سرعة الحسم في الكثير من الملفات الخارجية ولا سيما مواجهة هذا التنظيم.

مواجهة الخطر الإيراني

توجهات الأمن والدفاع والإستخبارات تشكل دلالة واضحة على مدى ما تدركه الإدارة الأميركية الجديدة إزاء سياسات ومخططات نظام الملالي في طهران والخطر الذي يشكله ليس فقط على إستقرار منطقة الشرق الأوسط بل على العالم أجمع، إنطلاقاً من المؤشرات التالية:

أولاً: قبل أن تتسلم الإدارة الأميركية الجديدة مهامها، وعلى الرغم من أن الخطوة إجرائية لأن مهل العقوبات تنتهي مع نهاية هذا العام، أقرّ الكونغرس الأميركي قانون تمديد العقوبات على طهران لمدة عشرة أعوام إضافية، ولكنه لا يتطرق الى الاتفاق النووي مباشرة، بل يشتمل على عقوبات تستهدف قطاعات المصارف والطاقة والدفاع في ايران، وعلى الرغم من هذا البعد الإجرائي في إقرار القانون ووَضع الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما أمام خيار وحيد ألا وهو التوقيع عليه من دون تأخير، فإن الكونغرس يلتقي مع الرئيس المنتخب دونالد ترامب في نصف الطريق تحضيراً لمرحلة أوسع من التنسيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على عكس ما كان سائداً في عهد أوباما، حيث عرقل الكونغرس معظم مشروعات الرئيس لدرجة أنه تلافى عرض  بنود مشروع الإتفاق النووي مع إيران على التصويت لكي لا يسقطه الكونغرس، بل إكتفى بإطلاع مجلسي النواب والشيوخ على مجريات المفاوضات حوله والنتيجة التي تمّ التوصل إليها.

ثانياً: في الوقت الذي يتخلى فيه الرئيس أوباما عن بعض العقوبات تجاه إيران بفعل تصميمه على إتخاذ خطوات تنفيذية للإتفاق النووي معها، والتي كان آخرها الطلب إلى وزارة الخزانة إعطاء موافقتها لشركة بوينغ لكي تبيع إيران مجموعة جديدة من الطائرات، فإن الكونغرس بمجلسيه بعث برسالة واضحة للإدارة الجديدة والراحلة تفيد بضرورة إبقاء قوانين العقوبات سارية المفعول لكي تتسنى للولايات المتحدة اعادة العمل بها فور انتهاك ايران للاتفاق النووي، ويكون قانون تمديد العمل بقانون العقوبات قد أعطى الرئيس الأميركي المقبل دونالد ترامب سلطات أقوى لفرض المزيد من العقوبات على إيران ليس فقط في حالة عدم وفائها بالتزاماتها الواردة في الاتفاق النووي المبرم مع الدول الست الكبرى، بل بسبب سلوكها العدواني في المنطقة ومع جيرانها، وللجم أحلام نظام ولي الفقيه التوسعية.

ثالثاً: بالإضافة إلى دور الكونغرس الإجرائي في الإبقاء على العقوبات فإن الفريق الانتقالي للرئيس المنتخب ترامب بدأ الإعداد لسلسلة من المقترحات والخطط من أجل فرض عقوبات جديدة على إيران، لا تكون مرتبطة بالبرنامج النووي، وهذا الأمر قد يشكل مخرجاً ملائماً أيضاً وعدم إحراج لمجوعة الدول الموقعة على الإتفاق النووي، وستشمل العقوبات المقترحة تدابير وإجراءات عقابية تركز على برنامج الصواريخ الباليستية وسجل حقوق الإنسان في إيران، وتشير المعلومات إلى أن ترامب قد اختار بالفعل خبيرا في تشريع العقوبات ليقود الفريق الذي يرسم سياسته إزاء إيران، بما يتجاوب مع موقفه الذي يعارض بشدة الإتفاق النووي مع طهران ويرفض تزويدها بمزيد من الأموال لكي لا تستخدمها مجدداً في تطوير قدراتها النووية فتكون هي التي تنتهك الاتفاق، وتبقى الإشارة إلى أن قانون العقوبات قد أقر أصلأً لأول مرة في العام 1996 بهدف معاقبة الشركات التي تستثمر في قطاع الطاقة في إيران والوصول إلى إعاقة البرنامج النووي الإيراني، مما يتناغم بشكل غير مباشر بين هذه العقوبات وأهداف الاتفاق المتمثلة في نهاية المطاف بإزالة خطر إيران النووي إن هي أرادت الاستمرار في تطبيقه، أو أنها ستتراجع عنه تبعاً لسلوكها العدائي في غير منطقة، وعدم احترام   مبدأ سلامة وسيادة العلاقات بين الدول.

رابعاً: بالنظر إلى الإختلاف الكبير في السياسة بين الإدارة الحالية الراحلة والإدارة الجديدة، فإن قرارات الرئيس المنتخب دونالد ترامب ستكون محط إهتمام ومتابعة منذ الأشهر الأولى لتسلمه منصبه رسمياً، وهذا الاهتمام ينطلق من مدى التغيير الذي يمكن توقعه على صعيد سلسلة من القضايا الخارجية ومنها بالتحديد ملف إيران، الجمهوريون في الكونغرس يعارضون بقوة الاتفاقية الموقعة مع إيران، حيث سيصار إلى خطوات تنفيذية تمنع إيران فعلاً من الحصول على السلاح النووي، لأنه على الرغم من الاتفاق النووي معها ودعم ادارة أوباما له من منطلق أنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى وقف أحلام إيران النووية، فإن الشكوك واضحة لدى معسكر الإدارة الجمهورية الجديدة بدءاً بالبيت الأبيض مروراً بالوزارات المعنية ووصولاً إلى الكونغرس حول مدى التزام إيران الحقيقي والفعلي بالاتفاق النووي، وبالتالي فإن اتجاهات الأمور ستسلك طريقاً  يؤدي إلى فرض قيود ورقابة إضافية على إيران، تضاف إلى سلسلة العقوبات الجديدة.

ويرى المعسكر المؤيد لهذه السياسة الجديدة بأنهم يستطيعون الضغط على طهران، عبر تلك العقوبات، لتقديم تنازلات في قضايا مثل دعمها لجماعات مسلحة تحارب بالوكالة عنها في الشرق الأوسط، من دون أن تحتاج الولايات المتحدة إلى تحمل التكلفة الدبلوماسية التي ستتكبدها في حال إلغاء الاتفاق النووي.

خامساً: في ضوء كل ما تقدّم فإن الإدارة الأميركية الجديدة مدعومة بشكل واضح من الكونغرس ستنتفض على إستمرار النهج العدواني لإيران على عكس الإدارة الحالية التي سلكت أقصى درجات الدبلوماسية والتهاون مع طهران، فالجميع يذكر هنا في واشنطن كيف أنه بعيد الاتفاق النووي واصلت إيران إجراء تجارب صاروخية في أراضيها، ثم قامت بإحتجاز عشرة بحارة أميركيين ومن ثم الإفراج عنهم بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني أنهم قدّموا اعتذاراً بعدما تبين أن دخولهم المياه الإقليمية لطهران لم يكن عن قصد، لم تحرّك إدارة أوباما ساكناً وظلت تحمل غصن الزيتون في علاقتها المستجدة مع إيران، ولذلك فإن الإدارة الجديدة لن تسمح بإ ستمرار النهج الإيراني في العدوان، وسط مواصلة جهودها لتوسيع نفوذها وتدخلها السافر في جميع أنحاء المنطقة، بحيث أن الحفاظ على وتيرة مرتفعة من العقوبات هو أمر بالغ الأهمية لقطع أي أحلام نووية لطهران والحؤول دون سعيها لقلب موازين القوى في الشرق الأوسط.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل