#dfp #adsense

إيران وشاطئ المتوسط

حجم الخط

كتب العميد الركن (م)  في مجلة “المسيرة” – العدد 1589:

شكل شاطئ البحر الأبيض المتوسط، عبر آلاف السنين، العقدة الاستراتيجية التاريخية للشعب الذي يعيش فوق الهضبة الإيرانية. إنها مزيج من الجغرافيا والأطماع والهيمنة وتأمين المصالح….؛ لكن اليوم تغيّرت الأساليب، التي تجاوزها العصر وطحنتها سنون التطوُّر. الإعلام المُضلِّل واستغلال المذهبية لا يحلان عقدة جغرافية ولا يثأران لتاريخ. من هنا يبدأ فشل المشروع الوهمي الإيراني. 

قال ماك كيندر، أشهر الاستراتيجيين الإنكليز “الجغرافيا هي العنصر الأساسي في ًالدبلوماسية والاستراتيجيا، لأنها العنصر الأكثر ثباتا”.  ويضيف في مكان آخر “على القوى أن تحسم الصراع بسرعة، قبل أن تضمحل مفاعيلها”. لم تتغيّر هذه المبادئ في الاستراتيجيا ولم تتبدّل مع العصور؛ لا بل تزداد رسوخاً مع تطور العلم والتكنولوجيا. فأين هي إيران اليوم، واستراتيجيتها الشرق أوسطية، التي تحاول بناء أمبراطورية فارسية في المنطقة، من هذه المبادئ؟

منذ 2500 عام، اعتبر سكان الهضبة الإيرانية، أي الفرس، أن مصلحتهم الحيوية تقضي بالسيطرة على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. ولا تزال هذه الاستراتيجية متحكمة بقادة بلادهم حتى اليوم. قبل 2500 عام أخضع الفرس هذه المنطقة وتركيا الحالية واليونان؛ إلى أن جاء الإسكندر المقدوني، فأعادهم إلى الشرق الإيراني. واستمرت حروبهم الطويلة في صراعهم على المنطقة للوصول إلى البحر المتوسط، مع الرومان؛ إلى أن أخرجهم العرب نهائياً، تحت راية الإسلام، من البلاد العربية في معركة القادسية في العراق عام 634 ميلادية. لكنهم استمروا في الحروب المتقطعة، ضد الأمبراطوريات والمجموعات التي كانت تسيطر على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. إلى أن وصل رجال الدين الحاليين إلى السلطة في إيران؛ فكانت لهم استراتيجيتهم الخاصة، لحلّ عقدتهم التاريخية، والتحرر من كابوس الجغرافيا الذي يحاصرهم من كل الجهات، باستثناء تلك الممتدة من طهران إلى الأوزاعي في لبنان مروراً بعواصم الهلال في دمشق وبغداد.

لكن عامل الجغرافيا لا يرحم، ويبقى هو الأقوى بين العناصر التي تساهم في تكوين استراتيجية أي شعب. أحد الأمثلة التاريخية العديدة على ذلك: أن “الجنرال ثلج” أنقذ مرتين روسيا القيصرية وروسيا الستالينية من الغزو الفرنسي بقيادة نابوليون والغزو الألماني بقيادة هتلر. وفي إيران، عندما تكون فارسياً شيعياً، فهذا يعني أنك أقلية عرقية في الشرق الأوسط، وأقلية مذهبية في العالم الإسلامي. لذلك يستحيل عليك الدخول إلى المنطقة والتحكُّم بمصيرها. فحاول أئمة إيران تعويض هاتين الأقليتين برفع راية فلسطين محاولين الدخول بها إلى العالم العربي، الذي ما لبث أن اكتشف زيف ادعائهم في الدفاع عن قضية فلسطين؛ في الوقت الذي يستخدمون فيه قدسيتها، للإستغلال فقط وتأمين مصالحهم الخاصة على حساب المنطقة وفلسطينها.

دخلت إيران إلى المنطقة عام 1982، عبر تأسيس “حزب الله” في بيروت، العاصمة التي اعتبرتها طهران المنبر الأساسي والوحيد الذي يمكن الإطلالة منه على العالم العربي. حاول الإمام الخميني في حينه، إقناع ياسر عرفات بتحويل قضية فلسطين، من قضية قومية إلى قضية دينية إسلامية، في رغبة دفينة منه للدخول إلى القضية كشريك متساوٍ مع بقية الدول العربية ومن ثم السيطرة والتحكم بمصيرها لتسهيل بناء حلم الفرس التاريخي بالوصول إلى طرابلس. لكن أبو عمّار رفض هذا العرض الذي ينهي القضية، ويؤمن لإيران السيطرة على المشرق العربي. واستمرت إيران في تعهُّد “حزب الله” اللبناني، الذي أثبتت الأحداث منذ ثلاثة عقود ونيف، أنه كان لها الإستثمار الأنجح في العالم العربي على حساب دوله خصوصاً لبنان.

يقول الكاتب الفرنسي إيف مامو في كتابه “حزب الله والعمل الأخير”، الذي صدر في فرنسا عام 2014 عن دار “بلان جور”، بعد انغماس “حزب الله” في المستنقع السوري، يقول الكاتب “إن عمليات “حزب الله” ضد إسرائيل لا تحمي لبنان ولا تدافع عن فلسطين، إنها فقط تؤمن مصالح آيات الله في طهران”. ويضيف الكاتب في مكان آخر قائلاً “هناك ثلاثة أسباب للتوتر في الشرق الأوسط:

–  تدخُّل إيران في شؤون العالم العربي.

– إستخدام “حزب الله” في هذا التدخل وفي الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

– إستغلال إيران للفكر المناهض للسامية” (انتهى كلام الكاتب).

وهكذا نجحت إيران، بواسطة “حزب الله”، في منع قيام الدولة في لبنان من دون أن تتمكن من إخضاعه؛ كما فككت الدولة في العراق بهيمنتها على الطائفة الشيعية، وتأسيس ميليشيا الحشد الشعبي الشيعي، الذي يتلقى التوجيهات والأوامر من حرسها الثوري؛ وأطالت أمد الحرب في سوريا بعد أن تعهدت تدميرها؛ وعكّرت الإستقرار في مملكة البحرين؛ وفككت اليمن بواسطة المذهب الزيدي (الذي يعتبر أحد مشتقات المذهب الشيعي الإثني عشري).

زرع الإيرانيون الفوضى في العالم العربي بواسطة أتباعهم الشيعة، مستغلين لهذه الغاية الجغرافيا المذهبية، التي أمّنت لهم نشر الفوضى داخل الأقطار العربية. لكنهم فشلوا، حتى اليوم، في الوصول إلى أهدافهم وفقاً لمبدأ استخدام القوة الذي حدده الاستراتيجي الإنكليزي ماك كيندر. فلقد فشلت هذه القوى الشيعية التي تحركها إيران داخل الدول العربية في تأمين السيطرة الكاملة والسريعة لأمبراطورية الملالي؛ ومع مرور الوقت، يعود المستقبل لصالح القوة المتنامية في الدولة، وليس للقوة التي تزرع وتتعهد الفوضى في الشرق الأوسط؛ خصوصاً بعد أن ظهر للعيان زيف أهدافها. وادعاء حمل راية فلسطين من قبل الإيرانيين انكشف لدى شعوب الشرق الأوسط بأنه تضليلي للمتاجرة بالقضية.

في كتابه “حلف المصالح المشتركة: إسرائيل، إيران، الولايات المتحدة الأميركية”، للكاتب الصحافي الإيراني تريتا بارزي؛ والذي ترجمته إلى العربية “الدار العربية للعلوم ناشرون”؛ يقول الكاتب في الصفحة 153 “إن دعم إيران لـ”حزب الله” في لبنان، هو لنشر نموذجها وليس لمحاربة إسرائيل”. كما يبيّن الكاتب مدى التعاون العسكري بين إيران وإسرائيل، والإجتماعات العديدة التي عُقِدت في جنيف وزوريخ وهمبورغ ومدريد والقدس وتل أبيب… بين قادة إسرائيليين وقادة إيرانيين بينهم: أحمد حيدري (الذي كان يعمل لصالح نظام الخميني)، والعقيد زارابي (مدير المجمع العسكري في إيران)، وأحمد كاشاني (النجل الأصغر لآية الله العظمى أبو القاسم كاشاني)، ومنوشهر غوربانيفار (مقرب جداً من هاشمي رفسنجاني رئيس الجمهورية السابق في إيران)، وحسن كرّوبي (مقرب جداً ومؤتمن من الإمام الخميني)، آية الله اسكندري، السيد خليلي… كل هؤلاء المسؤولين الإيرانيين، المؤتمنين من النظام في إيران، وغيرهم كثر، كانوا يجتمعون سراً مع بعض القادة الإسرائيليين للتنسيق؛ وبنفس الوقت كان النظام يطلب من الإعلام الإيراني رفع سقف المواجهة في الإعلام ضد إسرائيل للتغطية على الإتصالات السرية التي يديرها مع العدو. بعض الإجتماعات كانت تحصل بين الجانبين إما لشراء الأسلحة من إسرائيل، والتي قدرت قيمتها في حينه بمبلغ 500 مليون دولار أميركي؛ أو لتقديم الخبرات للمجمع الصناعي العسكري الإيراني؛ أو لتزويد إسرائيل بالمعلومات عن المعمل النووي العراقي “أوزيراك” قبل قصفه بسلاح الجو الإسرائيلي؛ كما وضعت إيران قاعدتها الجوية في مدينة تبريز الإيرانية بتصرف الطائرات الإسرائيلية المغيرة على أوزيراك إذا ما تعرضت لأي عطل أثناء الهجوم على المعمل.

الإرهاب الذي يضرب الدول، والتدخل الذي تقوده أو تغذيه إيران داخل الدول، هما وجهان لعملة واحدة إسمها إسقاط الدول ومنعها من النهوض. يمكن لهاتين الآفتين ضرب الدول وتفكيكها، لكنهما تعجزان عن إقامة دولة. التدخل الأميركي، وعلى الرغم من إمكانياته اللامحدودة وعنوان الحرية الذي يحمل، فشل في تثبيت الدولة في أفغانستان والعراق. والتدخل الإيراني الأكثر هشاشة وضعفاً من نظيره الأميركي، يكرس فشله يومياً في العراق وسوريا واليمن ولبنان. والإحتلال السوري للبنان، وعلى الرغم من إحكام سيطرته وقساوته، لفظ أنفاسه في لحظة يقظة من اللبنانيين. إنه عصر الحرية والكرامة وليس عصر التبعية والإذلال. وما تقوم به إيران من محاولة استرجاع الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، لا يخرج عن كونه عقدة تاريخية تعاني منها منذ آلاف السنين، وكابوسًا جغرافيًا لا يمكن تجاوزه في العصر الحديث. وجل ما أنجزته إيران في عصر قوتها الوهمية أهداف ثلاثة:

-أولاً : تدمير بعض الدول العربية وإضعاف البعض الآخر.

-ثانياً : إضعاف إيران والمجتمع الإيراني خدمة لأهداف وهمية.

-ثالثاً : تقوية الوضع الإسرائيلي في المنطقة.

مسار الأحداث اليوم في الشرق الأوسط، يعزّز ما أورده الصحفي الإيراني تريتا بارزي من ربطٍ للمصالح بين إسرائيل وإيران. وعلى رغم ذلك، يبقى الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط عصياً على أقدام الإيرانيين “بسلام”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]   

خبر عاجل