تحتاج إدارة الحكم في لبنان الى حكمة متناهية في هذه الظروف الاستثنائية والصعبة، على اعتبار ان التشابك بين المؤثرات الوطنية والمؤثرات الاقليمية مع مؤثرات السياق الدولي العام الذي يغلب عليه استرخاء الراحلين من الحكام وحماسة القادمين، كبير جدا، وتتعرض بعض الاستقلالية اللبنانية التي ظهرت في الآونة الأخيرة لهجمات مضادة تهدف الى تقويضها قبل ان تتنامى.
وقد تعامل الرئيس بحكمة واضحة مع المتناقضات التي طرحت امامه، وأعلن جهارا: ان لبنان ليس تابعا لمحور ضد محور آخر، ولا يعتمد سياسة التبعية في علاقاته الخارجية، بل انه حريص على التواصل مع الجميع – لاسيما مع الاشقاء والأصدقاء الذين وقفوا معه في السابق – وهو يمارس استقلالا كاملا يكفل مراعاة مصالح كل اللبنانيين، ويضمن سيادة لبنان ضمن حدوده الدولية.
وقد بدا ان بعض الاطراف، كانت تريد من الرئيس عون اكثر مما اعلن، ومنها ما كان يراهن عليه كجزء من الاصطفافات المتقابلة بين دول المنطقة، لكن الرئيس الذي لا يتنكر لصداقاته السابقة وضع مجموعة من الثوابت لعهده الجديد، أوردها في خطاب القسم، لا يمكن له ان يتجاوزها.
ورئيس الجمهورية في لبنان هو حكم بين كل اللبنانيين، وهو حامي للدستور، ولا يمكن ان يكون الى جانب فريق ضد فريق آخر، او ان يستعيد تجارب انحيازية ماضية مؤلمة، كتجربة الرئيس اميل لحود، فالرئيس عون مختلف تماما من حيث المقومات الشخصية، ومن حيث الاحتضان الشعبي الذي يلتف حوله.
الاستقلالية والوسطية في لبنان مكلفتان، ولكنهما ضروريتان لتسيير شؤون الدولة المبنية على فسيفساء طائفية ومحورية غريبة، وتركيبتها لا تسمح بإطلاق المغامرات غير المحسوبة، ذلك ان تجارب الماضي أثبتت ان عوامل القوة – من حيث امتلاك العدد والسلاح والمال – غير كافية لتحقيق الانتصار في لبنان، والعناصر التي تؤدي الى التغيير – الداخلية منها والخارجية – معقدة جدا.
والرئيس عون يدرك اكثر من غيره هذه الحقائق، وهو يتصرف بحكمة بالغة للحفاظ على الاجتماع اللبناني.
ومن التقاه في المدة الأخيرة، لمس التغيير الهائل الذي حصل على ادائه، حيث اختلفت جذريا طريقة تعاطيه وإدارته للأمور بين الحقبة التي كان فيها رئيسا للتيار الوطني الحر وبين وضعيته الحالية كرئيس لكل لبنان.
الواقعية التي يتعاطى بها رئيس الجمهورية، ومعه رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ، ستنعكس بطبيعة الحال على عملية تأليف الحكومة الجديدة، وسيتعرض الفريقان لضغوطات كبيرة هدفها إثبات الوجود – او احقية امتلاك زر الضوء الاخضر – الذي يعطي إشارة الإقلاع لمسيرة الحكم والحكومة، إلا ان نصف التفاؤل يؤشر الى استحالة امتلاك هذا الزر من طرف واحد، او ان يكون هذا الزر بكامله بأيد خارجية.