
براءات الذمّة! ربما يكون الأغرب في الأمر الكلام عن براءات وعن ذمم باتت نادرة في زمن توسّع الفساد وتفلّت العباد من كل رادع قانوني وأخلاقي. براءات الذمّة من جديد، عنوان لواحدة من قضايا الفساد التي يتابعها اللبنانيون يوميا في مسلسل مستمر العرض وبالغ الطول. فخلال تشرين الثاني الماضي توالت أخبار فضيحة الإختلاس في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي. وهي ليست الأولى وما دامت الحال هكذا، فقد لا تكون الأخيرة. فمعظم اللبنانيين يتذكرون الفضيحة المماثلة حول براءات الذمّة في العام 2014 وإحراق البيانات لإخفاء عمليات الإحتيال. وبالتوازي معها فضيحة الإختلاسات في مركز شكا. ويعلم الجميع أنه لو تمّت المحاسبة في شكل صحيح يومها لما تكرر الأمر بل لما استمر. فماذا عن فضيحة اليوم؟ وماذا كشفت آخر التحقيقات والمعلومات؟
ما زالت التحقيقات متواصلة بقضية اختلاس حوالى 10 مليارات ليرة كتقديرات أولية للمبالغ المتهم باختلاسها جورج بعينو صاحب شركة “المضمون” التي تتولى تقديم خدمات للشركات بما يتصل بالرسوم والإشتراكات المتوجب دفعها إلى الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي والاستحصال على براءات الذمّة. المتهم الرئيسي بهذه القضية أقرّ بسرقة الأموال من زبائنه وتزوير إيصالات الدفع، لتبدو أنها صادرة عن الضمان، إلا أنه يحاول توسيع دائرة المتهمين بالتورط معه لتشمل 7 مستخدمين في الصندوق، من ضمنهم رؤساء مصالح ودوائر ومسؤولون. ويركز التحقيق حاليا لمعرفة سائر المتورطين، وبالتالي لمعرفة الجهة التي تعود إليها الأموال المختلسة، هل هي الشركات المعنية أم الصندوق الوطني للضمان.
مَن وراء مَن؟
بدأت القصة باكتشاف إيصالات دفع مزوّرة وبراءات ذمّة غير صحيحة حصل عليها الزبائن عبر شركة “المضمون” التي يديرها بعينو والتي تقدّم خدمات إنجاز معاملات لدى الصندوق لعدد من الشركات. وبعد وضع القضاء يده على القضية تبيّن وجود اختلاسات ضخمّة متهم بها بعينو الذي أفاد عن وجود سبعة آخرين من العاملين في الصندوق إضافة إلى شخص من خارجه، متورطين بعمليات الإختلاس، وسمّى من بينهم رئيس لجنة رقابية في الصندوق وآخرين.
هناك مسألتان لم يحسمهما التحقيق بعد، بحسب ما أفادت “المسيرة” مصادر في الصندوق، وهما: ثبوت تورط مسؤولين وموظفين في الضمان إلى جانب بعينو في عمليات الإختلاس. واحتمال أن تكون بعض الشركات / الزبائن لدى شركة “المضمون” قد طلبت من المتهم استصدار براءات ذمّة غير صحيحة مقابل مبالغ مالية ورشى بهدف التهرب من تسديد ديونها أو اشتراكاتها المتراكمة للصندوق، أو تأجيل تسديدها.
وإضافة إلى النيابة العامة المالية، قرّرت 13 شركة، حتى الأسبوع الماضي، الإدعاء على شركة “المضمون” ووضع إشارات حجز على عقاراتها وأموالها كما على ملكيات بعينو. واللافت في القضية إدعاء والد جورج، منير بعينو، على إبنه بجرم سوء الأمانة والإختلاس في ما فُسّر بأنه محاولة منه لإنقاذ الشركة. واعتبر الأب أن لا إمكانية للقيام بمثل هذه الأعمال من دون تواطؤ موظفين من داخل الضمان. وبالفعل تم توقيف عدد من الموظفين بعد التحقيق معهم من قبل مكتب الجرائم المالية. وهم متهمون بإقدامهم على تزوير إيصالات وبراءات ذمة لمصلحة الشركات / الزبائن والإستيلاء على المبالغ المدفوعة بموجب شيكات لأمر الصندوق كمستفيد أول، كما المبالغ النقدية المدفوعة من قبل الشركات، بحسب منير بعينو.
والسؤال الذي يبحث التحقيق عن إجابة له: هل جورج بعينو هو من ورّط موظفين في الضمان بالتزوير، أم أن الموظفين المتهمين هم من ورّطوا بعينو ليتمكنوا من تنفيذ اختلاساتهم؟ وبالتالي، هل هناك حقا مسؤولون كبار متورطون، أم أن ثمّة من زوّر تواقيعهم واستخدم أختامهم من غير علمهم؟ بحيث أظهرت التحقيقات اقتراح أحد الموظفين في الضمان على جورج إختلاس أموال الزبائن بدلاً من إقراضه المال، “فانغمس في التزوير والاختلاس ليسدّد ديونه بالتواطؤ وبحماية مسؤول كبير في الضمان، وبالتعاون مع رئيس مصلحة معنية وموظفين آخرين، بعضهم متقاعد أو متعاقد”. ودائما بحسب التحقيقات.
وتبقى ثغرة، أن مبلغ الـ 10 مليارات ليرة المختلس أكبر بكثير من المبلغ الذي أقرّ جورج باختلاسه، وقال إنه من أجل تسديد ديون بالغة 450 مليون ليرة. واللافت أيضا أن حصّة بعينو من كل عمليات التزوير المُقرّ بها تبلغ 600 مليون ليرة من 2011 لغاية 2016.
وقال بعينو إنه استحصل على الإيصالات وبراءات الذمة المزوّرة مقابل رشى مالية، وأورد أسماء كل من أمين صندوق الضمان، ورئيس مصلحة براءات الذمّة ورئيس مصلحة الإحصاء وأساليب العمل، ورئيس مصلحة الاشتراكات، وأمين صندوق السندات، والموظف المسؤول عن طلبات براءة الذمة، وموظفة، على أنهم تقاضوا رشى، وفق رواية المتهم، وأنهم كانوا يحصلون على مبالغ شهرية. غير أن التحقيق لم يحسم حتى الآن صحة أو عدم صحة إتهامات بعينو. من جانبهم مستخدمو الضمان الموقوفون، أنكروا أية علاقة مع المتهم الرئيسي بعينو. لكن هذا لا يعني في نظر التحقيق أن المستخدمين المتهمين غير مشتبه فيهم.
وتشدد جهات مسؤولة في الضمان على “أن هناك قناعة لدى عدد من المعنيين بهذه القضية بأن اعترافات المتهم ما زالت غير مترابطة ومتناقضة، وأن التحقيقات لم تحسم بعد مدى تورّط أي من المتهمين، ولكن الثابت في هذا الملف أن هناك تزويرا لبراءات الذمّة وإيصالات الدفع”. والمسألة الأخرى الناشئة على هامش قضية الإختلاس، والجديرة بالتوقف عندها نظرا لتأثيرها على مالية الصندوق، هي أن الشركات ترفض تسديد متوجباتها مرتين الى الضمان باعتبار أنها غير مسؤولة عما جرى من اختلاسات، كما أن إدارة الصندوق ترفض بدورها التخلي عن حقها في الحصول على مبالغ مترتبة على الشركات المعنية كإشتراكات لم تدخل إلى الصندوق، أي أنها تُعتبَر غير مسددة قانونا.
بين ضفتين
مجلس إدارة الضمان المعني مباشرة بمتابعة القضية، كان اتخذ بتاريخ 13 تشرين الأول الماضي توصية بالاجماع طلب فيها من المدير العام متابعة التحقيقات في موضوع الاختلاس والتزوير الحاصل من مكتب المحاسبة وتخليص المعاملات باسم منير وجورج البعينو واطلاعه أسبوعياً على كل المستجدات الحاصلة في مجريات القضية. وفي جلسة له عقدها في 10 تشرين الثاني الماضي، أفاد المدير العام أعضاء مجلس الإدارة أن التحقيق الاداري يجريه رئيس مصلحة التفتيش المالي في الصندوق وأنه أصبح في مراحله الأخيرة، إلا أنه لم ينته من وضع تقريره بعد. كما ابلغ المجلس أن تطورات مستجدة حصلت على صعيد التحقيق القضائي، موضحاً “ان الادارة أحالت في آب 2016 الملف على النيابة العامة المالية التي طلبت جورج بعينو للتحقيق، لافتا إلى استدعاء 7 من مستخدمي الضمان للتحقيق معهم في مركز مباحث الجرائم المالية.
وإذ تحدثت معلومات عن تزوير ختم مسؤول مالي كبير في الضمان لتسهيل عملية توقيع الايصالات، علم أن أكثر من 10 شركات ومؤسسات تقدمت من صندوق الضمان بشكاوى تفيد بأن في حوزتها ايصالات مزوّرة وبراءات ذمة غير صحيحة تسلّمتها من بعينو، وأنّ ثمة اصراراً على إكمال التحقيق حتى تتضح كل الامور، مشيرة الى أن الاموال التي سرقت لم تسرق من الضمان بل من الشركات وتالياً فإن الاخيرة يجب أن تتحمل المسؤولية وليس الصندوق.
وزير العمل سجعان قزي المعني المباشر هو الآخر بمتابعة القضية كونه وزير وصاية على الضمان، شدد على وجوب الإستناد إلى أدلة ثابتة وأسباب موجبة لملاحقة المتهمين وليس الإستناد إلى إتهامات. إلا أن موقف الوزير قزي لم يمنعه من حث القضاء، على ضرورة الذهاب بهذه القضية حتى النهاية باعتبار أن العملية كبيرة ولا يمكن أن تتم من دون وجود تواطؤ بين معقب المعاملات وبعض مستخدمي صندوق الضمان الإجتماعي. وقال لـ”المسيرة” إن “هناك فضيحتين وليس فضيحة واحدة. الأولى متصلة بالشركات التي كلفت معقب المعاملات تسديد اشتراكاتها. والثانية هي تواطؤ موظفين في الضمان مع معقب المعاملات”، كاشفاً أن الأموال المختلسة عائدة للشركات وليس للضمان”. وكشف أن “هناك تحقيقين، واحد تجريه إدارة الضمان وينتهي خلال أيام، وثانٍ يجريه القضاء الذي لن نستبق أحكامه”.
وعزا الوزير قزي هذا التسيّب في الضمان “الى غياب رقابة الإدارة والصراع بين أعضاء مجلس الإدارة وبين المجلس ومدير الضمان”.
وفي الجلسة الإستثنائية التي عقدها مجلس ادارة الضمان برئاسة رئيس مجلس الإدارة طوبيا زخيا وحضور الوزير قزي والمدير العام للصندوق محمد كركي ورئيس اللجنة الفنية ومفوض الحكومة والأعضاء، تطرق الأعضاء إلى ما يجري في الضمان “من إهمال من الادارة وخصوصاً حيال المماطلة في مسألة التحقيق الداخلي الذي تجريه مصلحة التفتيش المالي في القضية وعدم تزويد أعضاء مجلس الادارة نتائج التحقيق”. واتهم بعضهم وزير الوصاية ورئيس مجلس ادارة الضمان والمدير العام ورئيس اللجنة الفنية بـ”تقويض صلاحيات مجلس الادارة، لأنّ ثمة أصواتاً حرة فيه وتريد اصلاحه”.
وأصر أعضاء مجلس الإدارة على ضرورة أن يأخذ القضاء مجراه من دون استثناء أحد من الموظفين. واعتبروا أن ملاحقة مشتبه بهم لا تشكل إهانة لهم بل إن التدخلات لدى القضاء، إذا حصلت، تعتبر إهانة خصوصاً اذا كان المعني بريئاً من الاتهامات الموجهة إليه.
تذكير وتحذير
قبل انكشاف الاختلاسات الأخيرة المتهم بها جورج بعينو، كان تم اكتشاف شبكة لتزوير براءات الذمّة في الضمان، في العام 2014. يومها اتهم المستخدم ربيع قبيسي بجرم محاولة إحراق مستودعات الضمان بما فيها من إيصالات وبراءات ذمّة مزوّرة للسيارات العمومية وللشركات تعود لعام 2013. وأظهرت التحقيقات في حينه، أن شركاء قبيسي كانوا 6 سماسرة، أو معقبي معاملات، خمسة منهم لديهم مكاتب تقع بالقرب من المقرّ الرئيسي للضمان. ومن الشركاء أيضاً كاتب عدل.
أحد النواب المتابعين للقضية شدد لـ”المسيرة” على أنه لا يمكن محاربة الفساد بالقطعة، وفي شكل منعزل بين قضية وأخرى. فالفساد ذهنية تنمو كلما تراخت الرقابة وغاب العقاب في شكل عام. وشدد على أنه لا يمكن إصلاح مؤسسة بمعزل عن الأخرى، من هنا الدعوة إلى أن تكون أولى أولويات العهد المنتظرة هي استئصال الفساد وإعادة بناء المؤسسات على أسس سليمة لتستقيم الأمور، وهو ما نعوّل عليه. وأعاد النائب المعني التذكير بالفضيحة التي انكشفت في الضمان وفي براءات الذمة تحديدا في آذار من العام 2014 عندما دهم فرع المعلومات منزل موظف في الضمان الاجتماعي يعمل في قسم براءة الذمة العائد للاشخاص والمؤسسات، ثم وبناء على معلومات معينة، دهمت الوحدة الضاربة في شعبة المعلومات، مبنى الضمان في وطى المصيطبة. يومها جرى سحب ملف يتعلق بإختلاس مبالغ كبيرة، وإخراج 8 أشخاص من مبنى الضمان، للتحقيق معهم، وتم اعتقال سماسرة. لكن المتورطين أقدموا على حرق غرفة تحوي على مستندات تتعلق ببراءة ذمة للأفراد والمؤسسات لإخفاء التزوير.
وأضاف “أنه للتذكير أيضا في حزيران 2014 تكشفت خيوط فضيحة اختلاس وتزوير في فرع الضمان الاجتماعي في شكا. وبلغت قيمة الاختلاس في تلك العملية التي اتهم بها رئيس مكتب الصندوق في شكا أكثر من 1.7 مليار ليرة، تورّط فيها موظفون وصيادلة واطباء”. وطالب بعدم التراخي في الموضوع “لأن مصالح الناس ومؤسسات البلد باتت على المحك، فديون الضمان على الدولة والمؤسسات العامة وعلى القطاع الخاص تصل إلى 2400 مليار ليرة، وبالتالي باتت هناك حاجة ملحة للتدفقات النقدية التي تأتي من تسديد اشتراكات الشركات وتحصل في مقابلها على براءات ذمة تثبت انها سدّدت ما عليها، وبالتالي فإن تزوير براءات الذمة يقلّص التدفقات النقدية، ما يعمّق أزمة الضمان المالية.”
وحمّل النائب المعني في حديثه لـ”المسيرة” كل من يُمعِن في ضرب المؤسسات مسؤولية هذا الفساد المستشري قبل المختلسين المباشرين، لأنه لو قَيّض للمؤسسات الحكومية والرقابية أن تعمل في شكل صحيح لما تجرأ الموظفون والمواطنون المتهمون على ارتكاب مثل هذه المخالفات، مُحذّرا من التغاضي عن هذا الوضع الذي بات يهدد الهيكل كله بالسقوط.
“المضمون” والشركات المتعاملة معها
شركة “المضمون” كان يديرها والد جورج بعينو منير بعينو، ثم أوكل إدارتها لإبنه. ومن بين زبائنها: جمعية مصارف لبنان، شركات الوزير ميشال فرعون، سيدروس بنك، مطعم السلطان ابراهيم، الهبر للرخام، ABC، سبينس، سي تي ديجيتال، شركة أبنية… وسواها من الشركات المعروفة، التي نقلت وكالاتها من الأب إلى الإبن لمتابعة معاملاتها لدى الضمان الاجتماعي. ومن أبرز المعاملات التي تقوم بها الشركة لصالح زبائنها: تسديد الاشتراكات المستحقة عليها عن موظفيها، الاستحصال على براءات ذمّة من الصندوق، تسجيل الموظفين الجدد، تسجيل ترك العمل للموظفين المصروفين أو المستقيلين.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]