#adsense

ما بين الحرب العادلة والسلمية

حجم الخط

لقرون عديدة عانى المسيحيون الاضطهاد الديني في الشرق. لسنا هنا في خضم تقييم الدور المسيحي الوطني والإجتماعي في الدول التي لطالما وُجدوا فيها قبل ظهور الإسلام، ولكن المراجع العلمية تثبت دورهم الريادي في مجتمعاتهم.

نحاول هنا طرح الأسباب التي اوصلت المسيحيين في الشرق الى الوضعية السلبية في معظم  البلدان العربية والتموضع الإيجابي في بعض الدول الشرق اوسطية و منها لبنان.

هناك مدرستان في فلسفة الحرب عند المسيحيين. المدرسة السلمية (pacifism) ومدرسة الحرب العادلة (the just war). وقد مر المسيحيون عبر القرون باتباع هذه الفلسفات حسب الظروف والأوقات. فقد مارس المسيحيون الأوائل في القرون الثلاثة الاولى المدرسة السلمية حتى وصلت بهم الحال الى رفض دخولهم في الجيش الروماني فكانت تتم محاكمتهم. اما مدرسة الحرب العادلة التي اتبعت في عدة دول غربية على مر القرون، فقد أتى بها القديس اوغاسطينوس ومن بعدها قام القديس توما الأكويني بتعديلها.

وبحسب متبعي المدرسة السلمية، فان نظرية الحرب لا تتجانس مع التعاليم المسيحية التي تدعو الى عدم المقاومة. فقد قال يسوع المسيح: “لقد قيل لكم العين في العين والسن في السن، اما انا فأقول لا تقاوموا الشر بالشر ومن ضربك على خدك الأيمن فدر له الأيسر”. (متى: ٥، ٣٨-٣٩).  ويعتقد المدافعون عن هذه المدرسة انه من الممنوع حتى الدفاع عن النفس وانه على المسيحيين محبة اعدائهم والصلاة من أجلهم. اما متبعي مدرسة الحرب العادلة، فيقولون ان الحرب سيئة دائماً ولكنها ضرورية في بعض الاحيان، لكن هذه الضرورة يجب أن تبقى في الإطار العادل للمفاهيم الانسانية. ويقولون إن الدولة وحدها تستطيع ان تحافظ على الاطر العادلة لهذه الضرورة. ويعتمد مفهوم الحرب العادلة على عوامل عدة كالأسباب الموجبة، الملاذ الأخير، الأهداف المحددة، تقليس الخسائر البشرية…

مناصروا مدرسة الحرب العادلة غالباً ما يختلفون مع المدرسة السلمية ويحاولون إضعاف جدليتها عبر طرح فرضيات معينة ومنها: اذا رأيت جارك يعامل بالشر فعدم الوقوف الى جانبه والدفاع عنه هو ايضاً شر بحد ذاته. و من نقاط الضعف لدى متبعي المدرسة السلمية ايضاً هو عدم تفريقهم ما بين الدور الفردي المسيحي والدور المجتمعي المسيحي. فعلى المستوى الفردي، يعتبر الغفران والمسامحة من القيم المسيحية الأساسية، اما على المستوى الاجتماعي فإن حماية المجتمع من اجل تطبيق القيم المسيحية واجب وليس من منحى انتقامي بالطبع ولكن من منحى عادل.

اضف الى ذلك انه وفي جميع الأحوال فان التعاليم المسيحية في كنائس العالم كافة تدعو رعاياها دائماً الى التقييد والخضوع لقوانين البلاد التي يعيشون فيها بالاضافة الى احترام المواطنة والقبول بالتنوع.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى عند معظم مسيحيي الشرق. فأغلبية الكنائس الشرقية، نظراً لعوامل جغرافية واجتماعية، قامت بتبني افكار المدرسة السلمية. فكان اللغط ما بين السلمية الفردية والسلمية المجتمعية، اضافة الى الدعوة للخضوع لاحكام وقوانين دولهم وهو السلاح القاتل والمدمّر لوجودهم. فأنظمة وقوانين الدول التي يقطنونها قد وجدت لاستغلال هذا اللغط ما بين السلمية الفردية والسلمية المجتمعية عند المسيحيين، وقد استطاعت الحكومات في هذه الدول قوننة هذا الاستغلال عبر إيجاد تبريرات دينية للاكثريات. ووجد المسيحيون الشرقيون أنفسهم في معركة الحفاظ على الهوية الدينية بالحد الأقصى وقرروا عدم الانخراط في السلطة من مبدأ: “من سخرك ميلاً فامشي معه ميلين”.

اما الكنيسة المارونية فقد كانت منذ البداية مناصرة لافكار الحرب العادلة وذلك لتأثر الكنيسة الكاثوليكية الغربية الام  بهذه النظرية، بالاضافة الى ان الكنيسة الكاثوليكية الغربية قد طورت مفهوم السلمية الفردية واستطاعت فصله عن السلمية المجتمعية، اضافة الى الانتماء الوطني والخضوع الى القوانين الاجتماعية العادلة والعادلة فقط.

وما نراه اليوم من الدور القوي للمسيحيين في السياسة اللبنانية، نابع من الدور الكبير الذي لعبته الكنيسة المارونية عبر العصور من التمييز ما بين القيم الفردية والقيم المجتمعية ومفهوم الهوية والانتماء الى الدولة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل