
في ذكرى استشهاده الحادية عشرة، نضيء الشموع لذاك الصحافي المناضل الشهيد جبران تويني، الذي سقط دفاعاً عن قسمه، من أجل لبنان العظيم، والذي دخل الندوة النيابية “تَيصير الصَوت يوَدّي”،إلّا أنّ يَد الغدر كانت أسرع، ففتلت أحلامه، كما قتلت احلام اللبنانيين الذين توسموا الأمل والثورة الشبابية والثقافية .
في بيت مري، تلك البلدة الهانئة، ومن أب أرثوذكسي وأم درزية، ولد جبران تويني في 15/9/1957، والده الصحافي والنائب والدبلوماسي الراحل غسان تويني ووالدته الشاعرة الراحلة ناديا محمد علي حمادة .
منذ صغره، كان جبران حركة لا تهدأ، فقد شارك وهو طالب في مسيرات دعم وتأييد للجيش اللبناني، خلال المعارك التي كانت تحصل مع المنظمات الفلسطينية.
كان جبران تويني من بين أبرز الأصوات اللبنانية المعارضة للهيمنة السورية على لبنان، ووظَّف موقعه كرئيس تحرير لجريدة “النهار”، للدعوة لإنهاء الهيمنة السورية. كان من أولى الشخصيات الإعلامية التي جازفت بمجاهرتها بالرأي عام 2000 عقب انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، بعد 18 عاماً من الاحتلال، ووجه رسالة في خطاب مفتوح إلى نجل الرئيس السوري حافظ الأسد وخليفته بعد ذلك بشار قال فيها: “لابد أن تدرك أن الكثير من اللبنانيين غير مرتاحين للسياسات السورية في لبنان ولوجود القوات السورية في البلاد… يعتبر كثير من اللبنانيين مسلك سوريا في لبنان مناقضاً تماماً لمبادئ السيادة والكرامة والاستقلال”.
الدخول في المعترك السياسي
في أعقاب ثورة الأرز تجاوز تويني خط كتابة المقالات السياسية بالدخول في المعترك السياسي نفسه، وانتخب نائباً عن بيروت عن مقعد طائفة الروم الأرثوذكس. ورغم أنه توقف عن كتابة المقالات التي تحمل توقيعه والمناهضة لسوريا في “النهار”، إلا أن الجريدة واصلت معارضتها القوية لسوريا. في تموز 2005 اغتيل الصحافي سمير قصير أحد أبرز الصحافيين وكتاب المقالات في “النهار” بقنبلة في سيارته، وكان قبلها قد نجا الوزير مروان حمادة(خال جبران) من محاولة لاغتياله عام 2004. وقد أصبح تهديد التفجيرات من الخطورة حتى لجأ جبران إلى فرنسا في شهر آب من العام 2005، ومثله عدد من الشخصيات البارزة المعارضة لسوريا.
محطات.. وذكريات
في مشهد سوريالي، أتذكر مع بعض الزملاء محطات جميلة في مسيرة جبران تويني الصحفية والنضالية، فأنا( كاتب هذا التحقيق) أذكر ان لقائي الأول بالشهيد جبران تويني كان في شهر شباط من العام 1985، في مكاتب مجلة “النهار العربي والدولي” في الاشرفيه – شارع زهرة الاحسان، كان عمري يومها 22عاماً، وكنت أكمل دراستي الجامعية، عندما قصدته للعمل في المجلة، بحضور الشاعر الكبير الراحل انسي الحاج، يومها قال لي جبران عبارة واحدة ظلت محفورة في ذاكرتي: “أنت في أول طريق مهنة الصحافة، وعليك أن تتعلم أن من يسلك طريق هذه المهنة،عليه الا يخاف وأن يكون شجاعاً ..”، وكنت اكتب تحقيقاتي ومقالاتي في مجلة “النهار العربي والدولي” واوقعها باسمي الصريح، على الرغم من ان سياسية المجلة كانت معارضة للوجود السوري، وللحالة السياسية القائمة وقتذاك.
رغم أن الأحداث والحرب الأهلية البشعة منعت جبران من التجوال بحرية في وطنه، وقطعت أوصال الوطن، انقسمت بيروت الى شطرين، الا ان جبران كان مسكوناً بهاجس معاناة المناطق اللبنانية، فعمل على اضافة ملحق للنهار العربي والدولي اطلق عليه اسم “مجلة المناطق” الذي كان ينشر تحقيقات عن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البقاع والجنوب والشمال.
النهار العربي والدولي
وعن كيفية تأسيس النهار العربي والدولي التي انطلق منها جبران الى عالم الصحافة الارحب تنقل الزميلة هنادي الديري عن الصحافي الزميل الياس الديري(زيّان)، الذي شغل منصب رئيس تحرير في المجلة الناشئة حديثه عن تلك المرحلة فيقول: “كان الكثيرون في أسرة جريدة “النهار”يقطنون فندق “الكافالييه” في شارع الحمراء، وكنت و(الوزير) مروان حمادة، نتحاور مع الأستاذ غسان (تويني) حول ضرورة إيجاد حائط نلقي عليه ظهرنا(كجريدة)، في حال حدوث الأسوأ، وتمحورت الفكرة حول تأسيس مجلة ترافق الجريدة من باريس. وبما ان الحرب كانت في ذروة “غضبها”، كان الجميع على يقين بأن الأسوأ في طريقه إلى البلد، ولاسيما انه تم انتهاك الحريات الصحافية، وانتشرت الميليشيات في كل مكان. غسان تويني لم يقتنع كلياً بالفكرة، لكن احتلال الجيش السوري مكاتب “النهار” في الحمراء وطرده للموظفين ومكوثه فيها فترة طويلة، دفع تويني إلى الموافقة على الفكرة التي نضجت مع الوقت، كانت مؤسسات صحافية أخرى قد سبقتنا إلى باريس، منها مجلة “المستقبل” التي أسسها الزميل الراحل نبيل خوري”.
فإذا بالديري وحمادة وبعض المسؤولين الإداريين يتوجهون إلى باريس حيث استأجر لهم المسؤول المالي في “النهار”سامي تويني غرفة في شارع باسانو، تحوّلت الى مكتبهم الجديد. تأسست المجلة بسرعة وصار اسمها “النهار العربي والدولي”. وكانت في حلّتها الأخيرة بحجم الـ tabloid(الصحيفة المصغّرة)، أي لا مجلّة ولا جريدة.
كان جبران تويني ما زال في بيروت آنذاك، وتجاوزت المجلة العديد من المراحل الصعبة في بداياتها، ولأسباب كثيرة عاد الديري إلى لبنان حيث أسس مكاتب تابعة لـ”النهار العربي والدولي”في بيروت، وبقيت المجلة مشروعاً متردداً…وانتقل إلى قيادته جبران تويني، وتسلّم زمام الأمور وغيّر حجمها، وصار يعطيها مضموناً سياسياً أبعد بكثير من الذي كانت تعتمده، وشرع يحضّرها لتقوم بدور سياسي في معركة إنقاذ لبنان من الحرب الضروس التي كانت تحاصره. ومنذ بداياته، “اعتبرها جبران الحصان القياديّ في جيش تحرير لبنان، وكانت مجهّزة لإعادة الوفاق الأهلي”. فجأة، وجد جبران الشاب نفسه “بنصّ دين المعترك الصحافي”، بحسب الديري، “فأعطى المجلّة كل ما عنده، واعتبرها هدفه الكبير”.
في باريس…
بالنسبة إلى خال جبران، المحلّل السياسي والزميل علي حمادة، الوقفة الأولى مع الذكريات هي بكل تأكيد مع التجربة الباريسية. يروي انه عندما تأسست “النهار العربي والدولي”عام 1977، “كان جبران في السنة الأولى. وكنا نذهب معاً إلى مكتب المجلة في شارع بيري، وكانت أول وظيفة وأول عمل جدّي له، تسلّمه قسم الاشتراكات. كنت آتي لأساعده كصديق وكنا نعمل في غرفة صغيرة: مترين بمتر تتوسطها طاولة صغيرة”. غرفة صغيرة، وطاولة صغيرة، وشابان كانا في سن صغيرة. وما ان نجلس حتى نبدأ بوضع الأعداد داخل المغلّفات وبإلصاق العناوين لكي نجهّزها حسب البلدان وحسب المناطق لكي تُرسل إلى المشتركين. وفي تلك الفترة كان عدد المشتركين نحو ثلاثة الآف في أوروبا وفي شمال أفريقيا، مما يعني ان كان هناك الكثير من العمل وكان جبران “يتعامل مع هذه المسؤولية بكثير من الجديّة، شأنه شأن كل ما قام به. وعندما يقرر ان يعمل في حقل ما، أو في جانب ما، كان يصرف من ذاته بالكامل. كان يعطي من نفسه 100 %. وهيدي كانت شخصية جبران. ومن هنا كان ينبع حبه للتفاصيل، من كونه يأخذ الأمور بجديّة”.
وتابع حمادة: “كان جبران يتابع دراسته في الجامعة في باريس متخصصاً في الحقوق، وفي الوقت عينه تزوج من ميرنا المرّ وسكن في باريس”. في تلك المرحلة قرر غسان تويني و”النهار” أن يوسّعوا آفاق “النهار العربي والدولي” ويحوّلوها من صحيفة أسبوعية إلى مجلة أسبوعية. وصار جبران مديرها العام، وبدأ يكتب في صفحتها الأولى عموداً تتخلله التعليقات السياسية”.
سيكار كاسترو
في مكاتب الاشرفية، ايام الحرب عام 1985: على الرغم من أن مكاتب “النهار العربي والدولي” كانت موزعة بسبب الظروف الامنية بين الحمراء والأشرفية، الا ان جبران كان يصر على ان يحضر الجميع اجتماع التحرير الاسبوعي الذي كان يعقده في مكاتب الاشرفية، وكان اجتماعاً يمثل وحدة وطنية حقيقية. الاجتماع كان كل نهار جمعة وكان جبران يوزع علينا السيكار الكوبي الفاخر ويقول ممازحاً “اخبروا فيدل كاسترو اننا في كل اسبوع نقيم حفلة للسيكار الهافاني”. كان يحضر تلك الاجتماعات على ما أذكر الزملاء انسي الحاج، علي حماده، عبد الهادي محفوظ ، صبحي منذر ياغي، نوفل ضو، خليل نحاس، دوللي غانم، وديع الحلو، نبيل رياشي، نبيل براكس، خليل ابو انطون، سابين عويس،هاشم قاسم، زكريا حمود، ادوار البستاني، انطوان متى، عبدالله عبود، مهى سمارة، ابرهيم عبده الخوري، جوزف بو نصار، وغيرهم …..”
حرب التحرير
مع اعلان الجنرال ميشال عون ما سماه “حرب التحرير” ضد السوريين، وقف جبران بقوة الى جانب العماد عون يومها لانه اعتبره “المنقذ”، وأسس حركة دعم التحرير، وأذكر كيف انهمرت القذائف السورية ذات يوم على منزل جبران في بيت مري يوم كنا في الملجأ،نبيل براكس وداني منصوراتي وغابي عبد المسيح وأنا… وكيف خرج جبران رغم القصف يستطلع مكان سقوط القذائف”.
.jpg)
إغتيال داني شمعون …والمنفى الأول
أكثر الاحداث أثرت بجبران كانت يوم اغتيال داني شمعون، أذكر انني قصدته يومها الى منزل النائب ميشال المر في بتغرين، كان في الصالون الكبير يجري مقابلة مع محطة تلفزيونية فرنسية، وجهه كان شاحباً، والدموع تملأ عينيه، وطلب مني يومها أن اسأل شقيقي (الضابط في الجيش) عما اذا كان لديهم في اللواء الأول شخص برتبة نقيب من آل عيد، لأن هذا الشخص قصده الى منزله في بيت مري، ومعه عدد من الاشخاص يرتدون لباس الجيش اللبناني مدعياً انه النقيب عيد من اللواء الأول وأنه جاء يسأله عما إذا كان بحاجة لاي خدمة. وعلمنا فيما بعد ان النقيب عيد ضابط وهمي كانت لديه مهمة مشبوهة .
سافر جبران الى منفاه الباريسي وسط الحاح من الجميع لان حياته صارت في خطر، وتوقفت “النهار العربي والدولي” عن الصدور ووقع لبنان تحت قبضة الوصاية، ومع ذلك كان جبران مؤمناً بأن الوطن سينتصر .
نهار الشباب
عام 1993 عاد الى لبنان، التقيته في مبنى النهار في الحمراء، بعدها عدنا الى مكاتب “العربي والدولي” في المبنى الجديد في الاشرفيه لنعمل معه في تأسيس ملحق “نهار الشباب” الذي أراده جبران منبراً للتعبير عن تطلعات الشباب ودورهم في الدفاع عن الحريات، كنا مجموعة ضمت علي حماده، وليد عبود، جان كرم، امين قمورية، فراس الامين، عصام عازوري، الين فرح، رلى معوض، عبد الهادي محفوظ، رلى مخايل وعلي بردى. انطلق جبران من خلال “ملحق نهار الشباب” الى اقامة المهرجانات السياسية والبيئية والثقافية في كافة المناطق واستطاع أن يحدث تحولات ملموسة في قطاع الطلاب والشباب.
زيارة للبقاع
أول مرة زار فيها جبران البقاع بعد انتهاء الحرب كانت في تشرين الاول من العام 1993،لالقاء محاضرة في ضهر الاحمر في راشيا بدعوة من الزميل شوقي دلال، دعا فيها الشباب الى ان ينتفض ويطالب بحريته وسيادة وطنه، وكان من بين الحضور عدد من العناصر الحزبية القومية والبعثية وعناصر أمنية سورية.
حملات أمنية سورية
تعرض جبران لحملات من نظام الوصاية ومنها مثلاً تدخل المخابرات السورية عبر بعض رموزها وأزلامها لمنع محاضرة لجبران في مدرسة راهبات القلبين الاقدسين في زحلة بدعوة من ادارة المدرسة بتاريخ 11/11/2000،واذ بالام الرئيسة تتلقى اتصالاً من جهات زحلية لالغاء المحاضرة بأمر من المخابرات السورية.
اغتياله…
اغتيل جبران تويني يوم الاثنين 12 كانون الأول 2005 في المكلس شرق بيروت حوالى الساعة التاسعة صباحاً حين انفجرت سيارة مفخخة بقرب سيارته الـ”لاند روفر” عندما كان متوجهاً الى عمله في صحيفة “النهار”، وقد أتى الاعتداء بعد ساعات على تسليم رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ديتليف ميليس لمهامه.
اغتالوا جبران وهو في عز عطائه، وخسر لبنان بموته طاقة وطنية واعلامية وسياسية. لم ينل جبران حقه، تعرض لخيبات الامل ..عدد كبير من رفاقه تنكروا لقسمه ولنضالاته وتناسوا المعاناة والنضالات التي خاضوها معاً.الا ان الشيء الوحيد الذي يؤلم حتى اليوم ولا يمكن استيعابه، قيام البعض بتوزيع الحلوى ابتهاجاً وشماتة، حين هوى جبران مضرجاً بدمائه، دفاعاً عن لبنان العظيم الذي احب