إفتتاحية “المسيرة”: ماذا حققت “القوات”؟

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1590

لا يمكن تفسير استمرار الحملات على “القوات اللبنانية” إلا من خلفية الدور الكبير الذي تلعبه ويثير الذعر أو الحسد عند الذين ينظرون دائماً إلى “القوات” بعين الغيرة والريبة ليس لشيء إلا لأنهم يعتبرون أن هذا الدور يشكل خطراً على أدوارهم ويعيدهم إلى أحجامهم ويحدد مسار الخيارات السياسية في الداخل. لا يهم هؤلاء إلا أن يصوروا أن “القوات” تخسر حتى لو كانت تربح وكانوا هم الخاسرين. هذا المسار التهجمي بدأ منذ إعلان تحالف معراب حول ترشيح العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية في 18 كانون الثاني الماضي. “القوات” وحدها كانت تقلقهم فكيف إذا كان “القوات” و”التيار” معاً؟

منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية بدأت الحملة على “القوات”. لم تعجب النتيجة الذين كانوا لا يريدون أن يصل الجنرال إلى بعبدا فكيف إذا كان وصل مدعوماً ومتحالفاً مع “القوات”. لذلك بدأت الحملة تركز على أن الرئيس عون كان دائماً مرشح “حزب الله” وأن ترشيح “القوات” له لم يقدم ولم يؤخر. والواقع كان أن هذا الترشيح هو الذي منع البحث في أي خيارات أخرى غير عون وغير تلك التي يحصل توافق مسيحي عليها. بعد هذا التحالف باتت المعادلة واضحة: لا يمر رئيس إلى بعبدا من دون أن يكون مرشحًا باسم التوافق المسيحي أولاً.

كان معارضو تحالف معراب يريدون أن يدخل رئيس الجمهورية ميشال عون إلى قصر بعبدا من دون “القوات”. ولكن ما رافق العملية الإنتخابية كان كارثياً عليهم. استمر النائب سليمان فرنجية في ترشحه متراجعاً إلى خيار الأوراق البيضاء بعدما أيقن أن الخسارة قد تتحول إلى هزيمة وأن المراهنة على جمع عدد لا بأس به من الأصوات يؤهله ليكون المرشح التالي سقطت. صارت الهزيمة مضاعفة: “القوات” مع العهد وفرنجية ضده. لم يكن من المقبول لدى معارضي تحالف معراب أن تنقلب المعادلة في الشارع المسيحي ولذلك بدأوا الحديث عن الحجم الكبير أو المنفوخ الذي سيعطى لـ”القوات” في الحكومة ولذلك حاولوا أن ينفخوا حجم الآخرين على حساب حجم “القوات” الحقيقي.

بدا واضحاً من خلال التركيبات الحكومية الأولى أن “القوات” كانت ثابتة في المكان الذي وضعتها فيه تحالفاتها مع الرئيس المكلَّف سعد الحريري والرئيس المكلِّف ميشال عون. لقد تبدلت بعض الحقائب ولكن حصة “القوات” لم تتبدل.

حاول المعترضون على دور “القوات” أن يروّجوا أنها وضعت فيتو على تمثيل الأطراف المسيحية التي بقيت خارج تحالفها مع “التيار”، خصوصا الذين وقفوا ضد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية. ولكن الحقيقة كانت عكس ذلك. لم يتردد رئيس “القوات” في دعوة المعترضين على هذا التحالف إلى الإنضمام إليه على رغم محاربته ووقوفهم ضده في الإنتخابات البلدية. حكوا عن فيتو “القوات” ضد “الكتائب” و”المردة” تحديداً ولكن في الواقع كانوا يضعون الفيتو على “القوات” وشنوا الحملات على العهد الجديد على خلفية ثباته في تحالفه مع “القوات” وكانت النتيجة أن هذا التحالف بقي الثابت في المعادلة.

حاولوا أن يعطوا “المردة” من حصة “القوات” و”التيار الوطني الحر” ورئيس الجمهورية ولكن كانت النتيجة أن الرئيس بري أعطى النائب سليمان فرنجية من حصته. وعندما بادر فرنجية إلى زيارة بكركي ثم عين التينة ليعلن النتيجة بدأوا يتحدثون عن خسارة “القوات” ولكن الواقع كشف أن “القوات” ربحت ولم تخسر.

في مناوراتهم السياسية والإعلامية تحدثوا عن انتصارات: انتصار منع “القوات” من الحصول على حقيبة سيادية. انتصار منع “القوات” من الحصول على حقيبة الأشغال. انتصار إعادة النائب سليمان فرنجية إلى المعادلة. انتصار مشاركة الرئيس بري في تشكيل الحكومة إلى جانب الرئيسين عون والحريري. ولكن في الواقع هل كانت هذه حقاً انتصارات وما هي الإنتصارات التي حققتها “القوات”؟

صحيح أن “القوات” طالبت في البداية بوزارة سيادة ولكن هذا الأمر كان من ضمن التنسيق مع “التيار الوطني الحر” فبقيت الحقائب السيادية كما كانت.

صحيح أن “القوات” طالبت بوزارة الأشغال ولكنها في النتيجة لم تكن تتمسك بها ووزارة الصحة لتوازيها من حيث الأهمية وكان المطلوب أن يتم تصوير وكأن هناك انتصار ولو كان وهمياً على أساس أنهم أخذوا حقيبة “القوات” ولو كانت “القوات” طالبت بوزارة الصحة لكانوا أرادوا الصحة بدل الأشغال.

صحيح أن فرنجية أخذ وزارة الأشغال من حصة الرئيس بري ولكنه بهذه العملية وضع نفسه في تصرف حركة “أمل” و”حزب الله” وفي مواجهة التحالف المسيحي الذي يتحول إجماعاً في الشارع وحائط الدفاع عن التوازن الوطني والداخلي ومانعاً لأي ترشيح لرئاسة الجمهورية من خارجه ولو كان تجاوزه ممكناً لكانوا حالوا دون وصول العماد ميشال عون إلى بعبدا.

صحيح أن الرئيس بري أعطى فرنجية من عنده ولكن هذا الأمر لم يجعله شريكاً في التشكيل بل في التعطيل وبقيت اللعبة بيد الرئيسين عون والحريري.

في ظل البحث عن دور لفرنجية في العهد ومعه لم يكن من مجال أمام أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله إلا أن يقر بأهمية التحالف بين “التيار” و”القوات” وبالإعتراف بأن “القوات” تمثل ما تمثله في الشارع. وهذا الأمر يسقط محاولات التشكيك بحجم “القوات”. ولذلك حاولوا أن يبقى فرنجية بمثابة عصفور باليد ك”حليف” داخل “الخط” لأن لا أمل بفك تحالف “التيار” و”القوات” ولعدم كسر الجرة مع العهد.

لقد أرادوا تعطيل العهد من خلال تعطيل التشكيل ولذلك فإن تسهيل التشكيل يعني تأمين إنطلاقة العهد والإنتقال إلى المرحلة التالية من خلال قانون انتخابات جديد وصولا إلى انتخابات نيابية جديدة في السنة المقبلة وإن اقتضى الأمر تمديدًا تقنيًا للمجلس الحالي لأشهر قليلة. وهذه الإنتخابات ستعيد رسم الخارطة السياسية الجديدة وتحدد الأحجام ليظهر من خلالها من هو المنفوخ ومن هو غير المنفوخ.

في شكل عام وبعيداً من الحصص الحكومية نجحت “القوات” مع “التيار” في تثبيت قواعد سياسية جديدة في الحكم من خلال إعادة الدور المسيحي إلى اللعبة السياسية، فلم يعد رئيس الجمهورية يوقع شكلاً على تشكيلة تعرض عليه بل بات مشاركاً في عملية التأليف كما ينص الدستور. ولم يعد الوزراء المسيحيون يسمَّون من غير المسيحيين وبالتالي لم يعودوا حصصًا موزعة هنا وهناك.

لم يعد لبنان دولة مارقة من دون قرار بل عاد إلى دائرة الدول التي يمكن الإعتماد عليها لتكون محطة لإدارة السياسة في المنطقة. وقد برز هذا الأمر بعد انتخاب الرئيس عون من خلال الإقبال الدولي والعربي على قصر بعبدا الذي عاد رمزاً للجمهورية. ومن هذه الخلفية كان هناك اعتراف بأهمية الدور الذي لعبته “القوات” في دعم العماد عون للوصول إلى القصر الرئاسي بعدما كانت معظم الدول الكبرى والعربية تشكك في هذا الترشيح ولذلك باتت “القوات” في قلب المعادلة بحيث أن هذه التجربة جعلت الذين كانوا مترددين يعترفون بأهمية الخلفية الإستراتيجية التي يتصرف بها رئيس “القوات”، وهذا ما جعل معراب ممراً إلزامياً لاستطلاع آفاق المراحل التي يمر بها لبنان والمنطقة. ولذلك فإن الذين كانوا يخشون من انتخاب العماد عون عادوا إلى قراءة نتائجه إيجابياً للمساهمة في إنجاحه وتوسيع دائرة تأثيره ودوره.

أكثر من ذلك. أهمية الدور الجديد للعهد ستنعكس في الدور الكبير الذي سيلعبه الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى. هذا الدور يظهر من خلال نجاح الجيش في العمليات الكثيرة الإستباقية التي يشنها ضد الإرهابيين بينما لم يسجل أي دور لـ”حزب الله” في مثل هذه العمليات وكأنه لم يعد حاضراً عسكرياً إلا في ساحات القتال في سوريا حيث يخوض حروباً ستطول على رغم ما حصل في حلب. ولذلك فمن سمات هذا العهد أن الجيش اللبناني ستزداد قوته بينما سيتسمر “حزب الله” في حروب الإستنزاف في سوريا.

بعد كل ذلك الذي حصل وقبل أن يحصل ما هو أكثر ستحدد الأيام تباعاً من انتصر ومن خسر وستفرق بين الإنتصارات الوهمية وبين الإنتصارات الحقيقية ويبقى الثابت أن الحملة على “القوات” إن استمرت فسيكون ذلك بسبب الإنجازات التي حققتها وتحققها ولأن البعض لا يريد أن يحمل على العهد فيطلق النار على “القوات” طالما أن “القوات” مع العهد يصنعان التغيير.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل