.jpg)
كتب سيمون سمعان في “المسيرة”:
هل باتت الأسواق التجارية، تنتظر العيد لتتلقى ما يضخ في عروقها الحركة وشيئاً من الفرح؟ وماذا يعني على المستوى الإقتصادي، أن تكون حركة البيع في الأسواق موسمية ولأيام معدودة، هذا إذا بلغت فعلاً المستوى المستهدف في مثل هذه الفترات من السنة؟ وهل ما يعكس شدة الأزمة أكثر من أن يلجأ التجار إلى الحسومات والتخفيضات في عز الموسم؟ لائحة الأسئلة المتواترة في أوساط التجار كما المواطنين طويلة، لكنَّ الأمل الملازم للعيد والفرح الروحي الذي يُشيعه، يبدّدان بعض السواد الطاغي على الصورة، خصوصاً أن أنباء بدأت تتوالى منذ إنهاء الفراغ الرئاسي واقتراب عيدي الميلاد ورأس السنة، عن أن مؤشرات إيجابية تظهر تباعاً وعلى أكثر من صعيد. فهل تكون بداية… لفرح عظيم؟
منذ تلبُّد الغيوم الداكنة في سماء المنطقة، بدأت الآثار السلبية تظهر في لبنان. وما كان ينقص الحركة الإقتصادية المتردية، إلا الفراغ في سدة الرئاسة الأولى وشلل السلطات والمؤسسات، مصحوباً بالحملة التي شُنّت بعنف على دول شقيقة وصديقة، ما أفقد لبنان ذلك الشريان الوحيد الذي كان ما زال يضخ بعض الدم إلى الجسم باعثاً فيه شيئاً من الحركة.
استناداً إلى كل ذلك، كيف تبدو الصورة في جولة على تجار التجزئة سواء في الأسواق التجارية التقليدية أو المجمّعات التجارية الكبيرة؟ وماذا يقول أرباب القطاعات؟
بين المقاومة والسقوط
ثمّة مؤشر لافت لأي عابر للأسواق هذه السنة وفي معظم المناطق، هو أن الزينة ليست بالإتقان والضخامة اللذين كانت عليهما قبل استفحال الأزمة وتراجع الحركة والأرباح. ويُعيد التجار ذلك إلى ضيق الحال الإقتصادية، ما شلّ قدرتهم وقدرة الجهات المعنية على البذخ والإستمرار في نمط الإنفاق العالي على الزينة، آملين أن يعودوا إلى سابق عهدهم ريثما تتحسن الأحوال.
وماذا عن حركة المبيع قبل الأعياد، خصوصاً أن الطرقات والشوارع بدأت تشهد زحمة سير أكثر من المألوف في الأيام العادية؟
الجواب يكاد يكون واحداً عند هؤلاء وهو أن الحركة تقتصر على الخارج فقط أما الداخل فلم يشهد حتى الآن إلا تغييراً بسيطاً لا يُعتد به وليس كافياً للقول إن الأمور عادت حقاً إلى طبيعتها. ويضيفون أنهم فيما كانوا يستعينون بعاملات مبيعات إضافيات خلال الموسم علاوة على الموظفين الدائمين، هناك العديد من أصحاب المحال والمتاجر الذين اضطروا حتى خلال الموسم إلى صرف عمال بعد العجز عن تأمين مستحقاتهم والمصاريف الأخرى الجارية. معتبرين أن هذا قمّة السوء وذروة الأزمة.
بالإنتقال إلى المولات، يبدو جلياً أن الحركة أفضل. وإن كان الجميع يُلفت إلى أن ليس كل هذه الحركة بركة. فمعظم الزائرين ليسوا زبائن فعليين أو جديين. لكن هذا لا يعني أن الحركة معدومة، بل يمكن وصفها بأنها مقبولة نسبة إلى الأزمة المستفحلة منذ أعوام. إذن لماذا التخفيضات والتنزيلات في عز الموسم ما دامت الحركة مقبولة؟ يتفق هؤلاء على أن الحركة مقبولة ربما بسبب هذه التنزيلات والتخفيضات، فالوضع الإقتصادي المتردي دفع الناس إلى الإحجام عن الإنفاق بكثرة على أمور يعتبرونها غير أساسية، إذ هناك اليوم أولويات تفرض نفسها على الجميع.
أرباب السوق إن حكوا
رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس لفت في حديث لـ”المسيرة”، إلى أن “الأسواق بدأت تشهد حركة مع قدوم سيّاح عرب ولو بأعداد محدودة من الخليجيين الذين نعوّل كثيراً على عودتهم التي يُنتظر أن تسجل ارتفاعاً مع تشكيل الحكومة الجديدة”. وأشار إلى أن هناك “تغييراً نوعياً أكثر مما هو كمّي في الأسواق التجارية، فالمناخ التشاؤمي الذي كان سائداً قبل انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف الرئيس الحريري بتشكيل حكومة العهد الأولى، تحوّل إلى إيجابي”، آملاً في “تحسّن الأوضاع الإقتصادية لا سيما على الصعيد التجاري”.
وتوقع شماس أن “تستعيد الحركة التجارية نشاطها المألوف خلال موسم الأعياد خصوصاً أن ملامح إيجابية برزت خلال الأسبوعين الأولين من كانون الأول الحالي، آملاً أن تتطور نحو الأفضل كون التجار يعوّلون كثيراً على موسم الأعياد لما يشكل من نسبة كبيرة من مجموع النشاط التجاري خلال العام”. واختصر الوضع بأنه انتقل من حذر سلبي الى ترقب إيجابي، متوقعاً أن يكون أفضل خلال العام المقبل.
أما على صعيد المرافق الأخرى لا سيما الفنادق التي تعكس نسبة حركة الوافدين من الخارج الذين يعوّل عليهم لتنشيط الحركة فعلياً، يؤكد الأمين العام لإتحاد المؤسسات السياحية جان بيروتي، ما تم تداوله من أن نسبة الإشغال في فنادق بيروت بلغت 70 في المئة وكذلك خارجها، بعدما عادت تشهد عودة خليجية ولو بشكل إفرادي. وعما إذا كان الوضع سيتحسن أكثر مع تشكيل الحكومة، يقول بيروتي إنه يأمل أن يكون موسم الاعياد ناجحاً بعد الأنباء التي تتحدث عن حجوزات لافتة خلال فترة الأعياد، بشكل لم نرَه منذ سنوات”.
كلام بيروتي يؤكده اتصال مع شركة الميدل إيست التي أفاد مسؤول فيها أن الحجوزات على رحلاتها المتوجهة إلى بيروت بلغت 100 في المئة خلال الفترة الممتدة من 10 كانون الأول الحالي حتى 10 كانون الثاني المقبل. واعتبر أن انتخاب رئيس ربما كان له الأثر الأساس في إشاعة جو من الثقة والطمأنينة، ما شجع اللبنانيين العاملين في الخارج وبعض السياح خصوصاً من العرب والأوروبيين، على المجيء إلى لبنان. وعما إذا كانت شركات طيران أخرى تشهد مثل هذا الإرتفاع في نسبة الحجوزات؟ يقول المسؤول المذكور إن لا إحصاءات دقيقة لديه عن الشركات الأخرى، لكنه يعتقد أن حجوزاتها يفترض أن تكون سجلت هي الأخرى ارتفاعا نظرا لحركة الوافدين المزدادة تحسنا بمناسبة الأعياد وبعد الإرتياح الذي تركه إنهاء الفراغ الرئاسي.
عضو غرفة بيروت والرئيس السابق للمجلس الوطني للإقتصاديين سمير رحال بدا أقل تفاؤلا في حديثه لـ”المسيرة”، فوصف الحركة بأنها ضعيفة جداً وأن ما يأمله البعض من تحسن فيها قبل الأعياد مباشرة لا يعوَّل عليه، فمن لديه المال يشتري الآن ومن ليس لديه المال لن يشتري غداً. ورأى أنه لو تم انتخاب رئيس وتشكيل حكومة قبل فترة لكان أمكن الحديث عن تحسن مرتقب في الوضع بمناسبة الأعياد، معتبراً أن ما حصل إلى الآن لم يكن كافياً لمنح الناس القدرة اللازمة للإنفاق، فالآثار الإيجابية لم تظهر عملياً بعد. وعمّا إذا كان يمكن ابتكار حلول للأزمة أو إطلاق حملات لاستقطاب المشترين، أكد أن ذلك يكلّف التجار ولا يستقطب الزبائن. فمن ليس لديه المال لن يؤم السوق ولن يشتري مهما قدمتَ له من محفّزات. وإذ وصف حركة التصدير بأنها متراجعة وفي أزمة منذ إقفال الحدود البرية، التي أثّرت أيضاً على وفادة السياح عبر البر، لفت إلى أن حركة إستيراد البضائع الخاصة بموسم الشتاء والأعياد كانت هذا العام أفضل من العام الماضي، معتبراً أن هذا مؤشر إيجابي على أن الوضع يمكن أن يستعيد مستقبلا بعض قواه.
نجوم الفنادق … تلمع
على الصعيد الفندقي يمكن ملاحظة أن نجوم الفنادق اللبنانية خصوصاً فنادق العاصمة استعادت بعض بريقها. وعادت بعض الحركة الخليجية إليها بعد انقطاع دام لسنتين، ما يمنح اللبنانيين جرعة أمل كون هذه الشريحة من الزوار قادرة على الإنفاق وإنعاش الوضع. لكن هذا الأمل يبقى مترافقا دوما مع قناعة أن ذلك ليس أبدا بمستوى ما كان مألوفا قبل الأزمة التي تسبب بها وأججها بعض اللبنانيين مع دول الخليج، وقبل الأزمة الموازية التي تشهدها تلك الدول سواء بسبب التوترات الأمنية في المنطقة أو بسبب التراجع الكبير لأسعار النفط.
وفي هذا الإطار يقول بعض أصحاب الفنادق ومديروها إن المشهد يسجل اختراقاً خصوصاً من السعوديين والكويتيين بعدما كانت الحركة تقتصر على العراقيين والسوريين لفترة طويلة. وأملوا في تشكيل الحكومة وفي مزيد من الإستقرار السياسي والأمني كونه العامل الأساسي في استعادة القطاع رونقه المفقود ورفع عدد النزلاء في الفترة المقبلة وليس فقط في فترة الأعياد. ولفت هؤلاء إلى أن القطاع الفندقي لا يستحوذ إلا على قسم ضئيل من الحركة الموصوفة بالعالية المسجلة في الحجوزات على الرحلات الآتية إلى بيروت أو على الطرقات، لأن قسماً كبيراً من هؤلاء هم لبنانيون عاملون في الخارج عادوا لتمضية فترة الأعياد مع أهلهم وعائلاتهم، وبالتالي لا يرتادون الفنادق أو يزيدون من نسبة حجوزاتها. وأشاروا إلى أن القطاع الفندقي يحتاج الى ثلاث سنوات من الاستقرار والدعم ليستعيد عافيته، ويصبح مساهماً أساسياً في الإقتصاد، بالتوازي مع القطاعات السياحية الأخرى.
مكاتب تأجير السيارات شذّت بعض الشيء عن القطاعات الأخرى الشقيقة. ويكشف أصحابها أن الحركة ظلت مقبولة خلال الفترات السابقة وأنها تشهد تحسنا ملحوظا منذ أوائل الشهر الحالي، ويُؤمل أن ترتفع أكثر مع اقتراب الأعياد وتستمر على وتيرتها العالية إلى ما بعد رأس السنة. وبحسب المعطيات الناتجة من حركة ما بعد انتخاب الرئيس، يلاحظ من حركة المطار أن ثمة اقبالاً للرعايا الخليجيين على لبنان وخصوصاً السعوديين، بما يؤشّر الى فتح صفحة جديدة مع لبنان بدأت ملامحها تظهر في اللقاءات والاتصالات الدائرة، أملا في مدّها إلى الموسم السياحي الشتوي مع بداية جهوزية مدرّجات التزلج التي لطالما كانت تشهد وفادة من الخليجيين.
ماذا عن باقي المناطق؟
تفاوتت نسبة الحركة التجارية في مختلف المناطق اللبنانية عشية الأعياد، وهذا أمر معتاد كما في الأعوام السابقة، تفرضه الطبيعة المختلفة لكل منطقة. لكنها في المجمل متشابهة في بطئها على رغم الخطوات التي تقوم بها جمعيات التجار لتحفيز النشاط السياحي والتجاري.
فمدينة زحلة التي لطالما وُصفت بأنها عروس البقاع وزنبقة السهل، لا تتوانى عن فعل أي شيء لتبقى مركز استقطاب ونقطة جذب للرواد سواء من اللبنانيين أو من الأجانب. ومعروف عن عاصمة البقاع تميّزها باحياء مناسبتي الميلاد ورأس السنة، حيث تشهد أسواقها التجارية وقطاعها السياحي حركة ناشطة قياسا إلى الاسواق التجارية البقاعية. لكنها على الرغم من ذلك تبقى دون المستوى المطلوب بحسب ما يلمسه الزائر من أصحاب المؤسسات التجارية فيها. لكن يشدد هؤلاء على أن الحركة عموما وإن كانت أقل من المستهدف حتى الآن، إلا أنها مقبولة نسبيا وأفضل من العام الماضي.
ومن عاصمة البقاع إلى عاصمة الحرف جبيل، يبقى النشاط العام هو الطاغي من غير أن ينعكس حركة شراء مماثلة. فالحركة التي تقوم بها بلدية جبيل بالتعاون مع بنك بيبلوس وجمعية التجار من زينة ميلادية مميّزة إلى النشاطات المرافقة، تطلق دينامية لافتة في المدينة. لكن على الرغم من ذلك يقول رئيس جمعية تجار جبيل فوزي صليبا لـ”المسيرة” إن حركة المبيع ما زالت خفيفة ولا تعكس حركة الزوار الذين يقصدون المدينة للترفيه. ويلفت إلى أن فترة الأعياد ربما تحرك النشاط في المقاهي والمطاعم أكثر مما تحرك المحال التجارية، لافتا إلى أن الإتكال في المبيع يبقى على السائح الأجنبي وليس الزائر المحلي الذي تراجعت قدرته التجارية بسبب الوضع الإقتصادي المتردي.
ويشير صليبا إلى أن جمعية التجار لم تشارك هذا العام في الزينة الميلادية في المدينة كما في العام الماضي، آملا أن يتم تشكيل الحكومة قريبا ليستكمل ذلك الجو الإيجابي الذي أشاعه انتخاب رئيس. وفيما لم يُبدِ أملا كبيرا في تحسُّن الحركة بما يفي بالمطلوب خلال فترة الأعياد، يشير إلى أن اتحاد تجار جبل لبنان يستعد لإطلاق شهر تسوق في شباط المقبل مع ما يرافق ذلك من محفّزات لتنشيط الحركة، علما أن هذا النشاط سيكون برعاية بلدية جبيل ومصارف يجري حاليا التفاوض معها للمشاركة في الرعاية.
ويختم صليبا “إن إيماننا بهذا الوطن كبير، ولبنان مرّ خلال تاريخه الحديث بظروف أصعب بكثير وتخطاها، وسنتخطى الظروف الحالية بإذن الله وبنفس الإرادة والعزم مدفوعين بالأمل الذي ولّده الإتفاق بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” والذي بدأت ثماره بالظهور حتى قبل إنهاء الشغور الرئاسي.
يعاني المواطنون الضيق ويصارع التجار الأزمة، والجميع متروكون لقدرهم ولابتكار الحلول، فيما الحلول الجذرية في يد السلطات الرسمية المعنية، وهي إلى الآن إما غائبة أو مشلولة أو ممنوعة من العمل. وعليه فإلى أمل جديد في العام الجديد…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]