.jpg)
كتبت جومانا نصر في “مجلة المسيرة”:
هي تلك الصورة المطبوعة في عيوننا في قلوبنا في عمق ايماننا المسيحي. هي صورة الطفل يسوع الذي ولد في مزود حقير داخل مغارة في بيت لحم وراح يعلّم ويبشّر ويحطم الهيكل ليحمل صليب البشرية ويمشى درب الجلجلة ويولد من جديد لحظة استشهاده على الصليب. مراحل حياة وموت السيد المسيح حولها رسامون عالميون ونحاتون إلى لوحات وصور وأيقونات تعكس وجه السيد المسيح، لكن وعلى رغم تطبّعها بمحيطهم الجغرافي وحالهم النفسية والإيمانية بقيت الصورة المحفورة في عيوننا. تلك الصورة المفعمة بالنقاوة والطهارة والجمال الروحي والكثير الكثير من البعدين الروحي والإيماني الذي لا يشبه إلا صورة من ولد على صورة الآب ومثاله. صورة تأسرنا وتجعلنا أقزاما أمام عظمة من ولد ومات وقام في اليوم الثالث ليخلصنا من تلك الخطيئة البشرية. تعددت الصور والمعنى واحد.
لا أحد يعرف شكل المسيح الحقيقي. لا أحد رسمه خلال حياته على الأرض ولم يتضمن العهد الجديد وصفا واضحا وكاملا له. حتى تلاميذه الذين عاشوا معه، متى وبطرس ويوحنا وإخوته يعقوب ويهوذا لم يقدموا وصفا دقيقا او تفاصيل عن سماته الجسدية. لعلهم كانوا مأسورين بعظمة تلك اللحظات التي عاشوها مع المخلص وكانوا يدركون ذلك حتما.
اللافت ان غالبية الصور التي تفتحت عليها عيون أبناء كنيسة السيد المسيح يغلب عليها طابع الجمالية والتفاصيل التي تلامس حد الكمال. فهو المسيح ذو البشرة الفاتحة والشعر الأشقر والعينين الزرقاوين. وهذا ما يؤكد أن ما نراه في اللوحات الدينية لا يعكس إلا طبيعة المجتمع الذي عاش فيه الرسامون والنحاتون والغالبية من القارة الأوروبية وخيالهم الذي يستند الى تعاليم المسيح. ولعل أبرز الصور التي استندوا إليها تلك المطبوعة على المنديل الذي مسحت به القديسة فيرونيكا وجه المسيح المغطى بالعرق والدم وهو مسمّر على الصليب، إضافة إلى الصورة المطبوعة على الكفن المقدس. ويحرص البيزنطيون الأرثوذكس في فنهم الخاص بالأيقونات أن يكون وجه المسيح أقرب إلى هاتين الصورتين. لكن لا هذه الصورة ولا تلك تعكس الصورة الحقيقية لوجه المسيح. حتى الكتاب المقدس لا يقدم وصفا كاملا او دقيقا لمظهر المسيح بالجسد. وأقرب وصف قد يكون ما ورد في سفر أشعيا 2:53 “…لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه”. وحدها عين الإيمان كانت تعكس هوية المسيح الحقيقية.
كثيرة هي الصور التي عكست وجه المسيح بشعره الطويل واللحية الكثيفة والرداء الأبيض الطويل أو الذهبي للدلالة على مكانة الحاكم السماوي للكون. ويرجّح أن تكون صورة المسيح المألوفة والمتعارف عليها في غالبية الكنائس ودور العبادة مع فارق في الخطوط الجمالية العامة أتت من الحقبة البيزنطية في القرن الرابع الميلادي حيث كان يحرص البيزنطيون على نقل صورة وجه المسيح بشكل رمزي، خصوصا انهم كانوا يهتمون بالمعنى والجوهر وليس بالتفاصيل التاريخية. وهناك بعض الصور من هذه الحقبة التي تركز على مقاربة صورة السيد المسيح بالإمبراطور المتوّج وهذا يتجلى في الفسيفساء المرفوعة فوق مذبح كنيسة القديسة “pudzeniana” في روما.
صورة أخرى مطبوعة في الأذهان وتمثل السيد المسيح يرتدي عباءة ذهبية كونه الحاكم السماوي للعالم ويرجح أن تكون هذه الصورة مستوحاة من التمثال المشهور ل”زيوس” بشعره ولحيته الطويلة أو من تمثال للأمبراطور “أوغسطينوس”، للدلالة على أن المسيح هو الحاكم السماوي لكل الكون.
ترك السيد المسيح للأجيال المتعاقبة كلامه مدوّنا في الأناجيل المقدسة وصورته المطبوعة بالدم والعرق على منديل القديسة فيرونيكا والكفن المقدس. هو كان يدرك انه سيأتي اليوم والساعة التي سيغيب فيها بالجسد عن هذه الأرض فكان كلامه لتلاميذه: “إن أنبياء وأبرارا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا. ولكن طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع” (متى:17:13 16). وفي العهد الجديد طوّب المسيح كلا من الرؤية والسمع في ما خصّ أعماله وأقواله وظهوراته وتعاليمه. وعن هذه الطوبى كتب القديس يوحنا الرسول في رسالته الأولى “الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة هي كلمة الحياة”.
لكن ما هو الشكل الأقرب للسيد المسيح؟
لسنا وحدنا نحن العلمانيين والمؤمنين من يجرؤعلى طرح هذا السؤال. لسنا وحدنا من تعبث في داخله حشرية ما، لسنا وحدنا توما الذي يصر على معرفة أية صورة من كل تلك الصور والأيقونات واللوحات التي تنتشر في الكنائس والأديرة والبيوت والمعابد وتظهر لنا وجه السيد المسيح الذي ما عدنا نراه إلا من خلال إيماننا هي الصورة الحقيقية للسيد المسيح. نعم لسنا وحدنا. فالراهب والكاهن وحتى الناسك سأل ذات يوم: أية صورة هي الأقرب إلى وجه السيد المسيح؟ فكان الجواب في الإرتداد عن طرحه بعدما عجزوا بدورهم عن ربط المعنى الليتورجي والإيماني بالحقائق والتفسيرات التي تستند على تقارير وحقائق وحتى تحاليل كتلك التي قام بها خبير الطب الشرعي البريطاني ريتشارد نيف على عدد من الجماجم وتعود إلى الفترة التي عاش فيها السيد المسيح والتي عثر عليها في المنطقة نفسها التي كان يعيش فيها. وخلص إلى النتيجة التي تقول بأن وجه المسيح كان عريضا وذوعينين داكنتين ولحية كثيفة وشعر أسود قصير ومجعد، وبشرة سمراء. نعم هكذا يفترض بحسب التحاليل أن يكون الشكل السائد والمتعارف عليه في المنطقة التي ولد وعاش فيها المسيح. وبدلا من الصورة كانت صور بأشكال مختلفة تعكس روحية وخيال وحتى مزاج الرسامين بالإضافة طبعا الى البقعة الجغرافية.
نعم لسنا بمشككين. ومهما تعددت الصور والأشكال يبقى المعنى واحدا. فوجه يسوع المسيح لا يمثل إلا معاني المحبة والتواضع والتسامح، ويتظهّر من عمق إيماننا هو الذي ولد على صورة الآب ومثاله وتجسد ليكمل مهمته على الأرض. تسألون بعد عن صورة يسوع الحقيقية؟ الجواب واحد: إبن الله المخلص.
ومهما تطور الخيال العلمي لا شيء سيبدل من هذه الصورة المطبوعة في عقولنا، وفي عمق إيماننا المسيحي وشوقنا إلى الله وحبنا اللامتناهي لذاك الطفل الذي ولد في مزود حقير لتصير الكلمة جسدا والفرح حقيقة والتسامح حالة نعيشها عن قناعة. وأيًا تكن صورة يسوع، ميلاده آت… هللويا.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
