
كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة”:
تجلس في ليلة عاصفة الى موقد الدفء، تضع كأس النبيذ، تقرفص طفلا في وجه مغارة الميلاد المشعة، عمليا أنت لا تنظر الى المغارة، أنت تجلس فيها، فيكل زاوية وتفصيل، هي مغارة مفترضة عما كانت عليه أيام الذي أتى باسم الرب، كل شيء هنا مفترض لكن لفرط جماله يبدو ساحرا وكأن الرب ولد في مغارة بيتنا تحديدا التي صنعنا تفاصيلها بأيدينا وقررنا انها بيت يسوع بتفاصيل الحلم الذي حيّكناه، الحلم هنا أكبر من أن نستوعبه او أن نتخايله، هي تلك السعادة الفائقة حين تتجاوز كل ما يحيط بك وتذهب مسحورا لتسكن تلك المغارة الصغيرة واذ بك تسكن كونا بحاله، والكون يا سيّد منهك متعب لم يسكن المغارة بعدليرتاح أهو القدر أم عساك تدخلنا دائما في التجربة؟
تبدو صغير الحجم تحت ظلال الضوء، لا شك المزود دافئ، دافئ كثيرا الى درجة نشتهي لو نأخذ مكانك، ينفلش الضوء شلالا فوق، هي مغارة صغيرة لكن تبدو وكأنها بحجم الأرض، لعلها هي الأرض والسماء بحالها، هي الكون والكون يا سيّد الضوء معجوق بالشر، ناسك يا سيّد مذ اطلقت تلك الثورة في ذاك الهيكل، مذ تحولت الى شهيد الشهداء على الأرض، وهم يستشهدون لأجل اسمك، لأجل ميلادك وموتك وقيامتك. ها هي مصر الأرض التي لجأتْ اليها العائلة المقدسة هربا من الظلم، الأرض التي شهدت على طفولتك ووطأتها طهارة مريم العذراء ونقاء مار يوسف البار، تسبح فيها دماء الشهداء فوق المذبح تماما وهي ليست المرة الاولى، ودائما تحت انظار القربان المقدّس، كما حصل لنا هنا معك، حين استشهد لنا أطفالورجال ونساء في كنيسة سيدة النجاة تحت أنظار العذراء مريم وعينيك المعتقتين بالحب، بحياة الدنيا كلها، أي مجد بعد أكبر يا طفل المغارة يا سيّد الشهادة يا ملك المجد والحياة، أي مجد أكبر بعد من ان نستشهد لاسمك؟
أبعد بعد من الشهادة يا سيّد الحياة، تدور بنا الحياة ونعود أطفالا نجالس ضوء المغارة، جميلة هذه المغارة، صغيرة متواضعة، ينام فيها الطفل يسوع والعذراء امه ومار يوسف والده، رعيان وكم خروف ومجوس وحمار وشوالات القمح والحطب وذاك الضوء الخافت، نويصة نقول بالضيعة، مغارة مكنكنة مضبضبة ع حالها، دافئة الى درجة السكر، تلك سكرة الحب حين يأخذنا الحنان الى مجاهل الحنين، والله هي مجاهل حين تكتشف ان ثمة حبًا كبيرًا يختبئ في القلب، طفل كبير مقموع في تلك الحنايا ولا أحد، لا أحد سوى حب بذاك الحجم ممكن ان يقتلع كل تلك الأسرار، الطفولة المختبئة سر دفين، الحب الكبير سر لا يسبر أعماقه الا الطفل يسوع، مغارة صغيرة صغيرة لكن يجلس فيها عالم بحاله، كيف تختصر مغارة صغيرة عالما بحاله؟ أنت يسوع، أنت الكل، ولم يشأ العالم الآخر الذي نعيش فيه تفاصيلنا الواقعية، عالم الشر ذاك، الانتظار على الأقل لتمر ذكرى الميلاد ويفرح الاطفال بالمجيء المدوي، فقرروا أن يدوي الموت في قلب كنيسة، مذ اتيت الأرض قبل أكثر من ألفي عام ونحن ندفع ضريبة الحب من أجسادنا، في كل بقع الارض حيث ننده باسمك، ولن نظن ان الزمن تغيّر، تغيّرت التكنولوجيا وتطورت كثيرا وصرنا من رواد القمر والكواكب، لكن بقينا في بدائية الحقد والتخلّف، أي تخلّف بعد أكبر من أن نكره، وأي تقدّم بعد أكبر من أن نحب من يكرهنا ونبارك من يلعننا كما انت تطلب، يا الله كم هو صعب هذا المطلب المستحيل علينا، لكن فجأة وقبالة ضوء المغارة تلك، تتغير الأحوال، هو ذاك الطفل فينا حين يطفو على سطح القلب فنتماهى معك بكل ذاك الحنان.
مذ سكنت تلك المغارة ومغاور العالم الحاقد جعلت مسكننا نعوشا بيضاء تتراقص فوق أكتاف الايمان، لم يعرفوا ان لا أموات لنا في النعوش، بيتنا حيث تزهر القيامة معك، لا يعرفون أن النعوش البيضاء فارغة خاوية لا تحمل سوى أشلاءهم، هم أحياء أموات، ونحن الأحياء دائما، نسكن المغارة ويسكننا الضياء، نشهد على ولادة المسيح وموته وقيامته ونبقى نجالس تلك المتواضعة في قلب كل بيت، هنا، هنا تماما يعيش فرح الميلاد، نحننولد حين نستشهد، وهكذا تدور الحكاية مذ تلك اللحظة المجيدة، لحظة ميلاد يسوع.
قبالة مغارة متواضعة يجالس الضوء الطفل الالهي، طفل صغير سرق النوم من ضمير غفيان، ركع العالم منحنيا حين تحول المزود الحقير عرشا للانسانية، لذلك نحن نضطهد، لا احد يحتمل هذا القدر من الحب والتواضع، هذا حب يفوق قدرة بشر قرروا أن يبقوا وحوش حضارة لا تشبع من التهام انسانية الانسان وقيمه، لن نترك المغارة، سنبقى هناك في زاوية تشع من حضور الاله، سنبقى أطفالا نجلس القرفصاء في ليلة كانون عاصفة، ينهمر الثلج فوق دفء المزود ويشع القلب من حضوره، لا نريد الكثير، فقط مغارة صغيرة بحجم كون بحاله، حب هو الدنيا ونحن لأجله نجلس في زاوية نراقب ميلاده فينا، وكلما قالوا اننا متنا لأجله، كلما اتسعت المغارة لقلوب قررت الا تسكن الا ذاك البيت المشعشع بالحب، مغارتك يسوع بيت الحياة والشهادة وكل ذاك الحنان، ولذلك نحنا قلبنا دايما دفيان…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
