إفتتاحية “المسيرة” ــ 2016 تفاهم معراب. رئاسة. حكومة…2017 تفاهم معراب. انتخابات. حكومة

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1591

كما حكم تفاهم معراب وجهة سير الأحداث السياسية في لبنان في العام 2016 سيحكم هذا التفاهم وجهة سير الأحداث في العام 2017. هذا التفاهم الذي قام في 18 كانون الثاني 2016 فرض انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الأول وطرد الفراغ من قصر بعبدا ومهد لتشكيل الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري في 18 كانون الأول وعودته إلى السراي في العشرين منه بعدما كان أخرج منها في 12 كانون الثاني 2011 قبل ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة في سوريا. بعد خمسة أعوام لا تزال الثورة مستمرة ولا يزال لبنان ينتظر استكمال رسم خارطة المنطقة الجديدة. في العام 2017 يستمر تفاهم معراب في صناعة الحدث وفي استعادة بناء الدولة والخطوة الأبرز والأهم ستكون في الإنتخابات النيابية التي ستأتي بعدها حكومة العهد الأولى.

من الرئاسة إلى الحكومة إلى الإنتخابات إلى الحكومة المسألة كلها تتعلق بإعادة بناء الدولة واستعادة المؤسسات في مرحلة تغيير الدول والأنظمة الجارية على أرض الواقع بكثير من الدماء والدموع. ليست مسألة بسيطة أن يعود الرئيس ميشال عون إلى قصر بعبدا بعدما كان الرهان أن يبقى الفراغ سيد القصر. وليست مسألة بسيطة أن يعود الرئيس سعد الحريري إلى السراي بعدما كان الرهان أن يستمر تآكل المؤسسات وانهيارها استكمالاً لنشر الفراغ وانحلال الدولة وترك الساحة مفتوحة لدويلة “حزب الله” الذي يريد أن يبقى مرتاحًا في قتاله على الأرض السورية وتحكمه بقرارات ما تبقى من الدولة اللبنانية.

لا تعتبر لحظة دخول الحريري إلى السراي في 20 كانون الأول 2016 انقلابًا على لحظة إخراجه منها في 12 كانون الثاني 2011. صحيح أن قرار إسقاط حكومته التي قامت على أساس نتائج انتخابات 2009 النيابية ونتيجة تسوية الدوحة نفذ من الرابية مقر العماد ميشال عون إلا أن عودته إلى السراي مع وزراء الرئيس عون و”التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” ليست إلا تصحيحاً لتلك السياسة التي اعتمدها “حزب الله” منذ بدأ حروبه السرية والعلنية ليملأ الفراغ الذي تركه انسحاب جيش النظام السوري من لبنان وليمنع قوى 14 آذار من بناء الدولة. ما يحصل منذ إعلان تفاهم معراب مرورًا برئاسة الجمهورية إلى الحكومة ليس إلا إعادة بناء لهذه الدولة التي قاتل الحزب ضدها. وهنا تكمن خطورة ما يمكن أن تتعرض له هذه العملية.

لقد حاول “حزب الله” أن يمنع قوى 14 آذار من استخدام الأكثرية النيابية بعد انتخابات 2009 بعدما كان يعتقد أنه مع قوى 8 آذار سيحصدون الأكثرية قياساً على انقلاب 7 أيار 2008 الذي نفذه وتفاهم الدوحة الذي أوصل الرئيس ميشال سليمان إلى قصر بعبدا. من خلال الإنقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري حاول “حزب الله” أن يبني سلطته الذاتية من خلال حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بعدما  فرض تسميته من خلال الضغط على النائب وليد جنبلاط. بعد ثلاثة أعوام فشلت تجربة هذه الحكومة فشلاً ذريعًا وارتدّت سلبًا على الحزب الذي وجد نفسه مضطراً إلى نقل بندقيته من الجبهة المفتوحة مع العدو الإسرائيلي إلى الجبهات المفتوحة في سوريا.

مشى الحزب مضطراً في خيار حكومة الرئيس تمام سلام التي أتت لملء الفراغ لأن استراتيجيته كانت عدم انتخاب رئيس للجمهورية والتفرغ للقتال في سوريا، خصوصاً أنه خلال الأعوام الأربعة الأولى للحروب فيها كان النظام يتدهور نحو الإنهيار الشامل. ومن هذه الزاوية لا يمكن فصل استراتيجية ما يخطط له الحزب في سوريا واليمن والعراق والبحرين عما يخطط له في لبنان. فالساحة اللبنانية بالنسبة إليه ليست إلا ساحة من ساحات المواجهة في المنطقة حيث تحركت التوازنات صعوداً ونزولاً أكثر من مرة لتؤشر إلى أن هذه الحروب لم تحن فيها ساعات النصر ولا ساعات الهزيمة.

كاد محور إيران في اليمن أن يسيطر على عدن بعد سيطرته على العاصمة صنعاء. لم يكن قد بقي إلا جزء صغير من ميناء عاصمة الجنوب اليمني قبل أن يعلن الملك سلمان عاهل المملكة العربية السعودية بدء “عاصفة الحزم” في 26 آذار 2015 في تلك الدولة التي تعتبرها المملكة من مداها الحيوي الإستراتيجي. نجحت الحملة السعودية مع التحالف العربي الذي انضم إليها في استعادة الشرعية في اليمن من دون أن تتمكن من إنهاء الصراع وحسم الوضع. وقد نجحت أيضاً في وضع حد للمعارضة في مملكة البحرين بعدما كان محور إيران يريد أن ينقل المعركة من اليمن إلى السعودية ومن البحرين إلى سائر دول الخليج.

في العراق شكل العام 2014 الإمتداد الأوسع لتنظيم “داعش” بعد سيطرته على الموصل ونينوى وجبل سنجار وتهديده بغداد، وحتى أنه كاد يصل إلى الحدود الإيرانية. ولكن النظام في بغداد لم يسقط وكما استعادت السعودية المبادرة في اليمن استعاد النظام العراقي مع إيران وبغطاء أميركي المبادرة على الأرض. كان العام 2016 على موعد مع طرد “داعش” من الفلوجة في حزيران ومع بدء معركة طرده من الموصل في 15 تشرين الأول ولكن من دون تحقيق تقدم واضح على الأرض.

في سوريا لم تكن المسألة مختلفة. مع بداية العام 2015 كان النظام يشرف على السقوط على رغم الدعم الكامل الذي قدمه له “حزب الله” وإيران بالعتاد وبالمقاتلين. ذهب اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إلى موسكو طلباً للنجدة. في غياب استراتيجية التدخل الأميركي المباشر في سوريا وفق سياسة الرئيس باراك أوباما استغل القيصر الروسي فلاديمير بوتين الوضع ليعلن بدء الطلعات الجوية الروسية في 27 أيلول 2015. لم يحسم هذا التدخل المعركة ولكنه منع انهيار النظام وحلفائه قبل أن يسارع بوتين إلى إعلان الإنسحاب من الحرب في 27 شباط بعدما توصل مع الأميركيين إلى اتفاق لوقف النار. هذا الإعلان كان بمثابة ضربة معنوية كبرى للنظام السوري وإيران و”حزب الله”، خصوصاً أنه ترافق مع ظهور ما سمي الدستور الروسي لسوريا الذي يتحدث عن دولة فدرالية تحفظ فيها حقوق الكيانات والأقليات.

في ظل هذه المشهدية العسكرية كان دخول القوات الكردية بغطاء أميركي إلى منبج، قابله دخول القوات التركية إلى جرابلس لمنع الأكراد من وصل مناطق نفوذهم شرق الفرات مع منطقة عفرين التابعة لهم غرب الفرات، وتقدمت القوات التركية نحو مدينة الباب. وفي ظل هذه الحركة العسكرية المتقابلة كان دونالد ترامب يشق طريقه إلى البيت الأبيض في واشنطن ممهدًاً لما يشبه قلب المعادلات التي قامت على عهد الرئيس أوباما. في هذا الوقت الضائع اندفع الروس نحو حسم معركة حلب ولكن حسم هذه المعركة لم ينه الحرب بل وضع سوريا أمام مسلسل جديد من الحروب والتوازنات، حيث ظهر أن النظام وحلفاءه يبحثون عن أرض من دون شعب وأن المعارك العسكرية ستستمر في رسم حدود تقسيم مناطق النفوذ من اليمن إلى العراق إلى سوريا.

لا يغيب هذا الوضع الملتبس عربياً عما يحصل في العالم. وصول ترامب إلى البيت الأبيض لم يكن المتغيّر الوحيد. أوروبا كلها تحركت تحت ضربات الإرهاب. من تفجيرات بروكسيل التي أدت إلى مقتل 34 شخصاً في 22 آذار، إلى شاحنة نيس التي قتلت 84 فرنسيًا في 14 تموز، إلى ذبح الكاهن جاك هامل في كنيسة سان أتيان دو روفريه غرب فرنسا في 26 منه، إلى شاحنة الموت في برلين التي أوقعت 12 قتيلا في 19 كانون الأول، إلى اهتزاز الأمن الأوروبي نتيجة تدفق اللاجئين من سوريا، كل ذلك يساهم في تبديل الصورة وفتح العالم على مواجهات لم يكن قد تصدى لها من قبل.

في ظل هذا الحزام من النار يحتاج لبنان إلى حزام من الأمان. هذا الحزام الذي بدأ من معراب وامتد إلى بعبدا والسراي لا يمكن أن يكتمل إلا بانتخابات ربيع 2017. هذه الإنتخابات يجب أن تؤسس لمجلس نيابي جديد ولحكومة جديدة ولانطلاقة فعلية للعهد. المتغيّر الأبرز في هذه الإنتخابات سيكون أيضًا تفاهم معراب الذي سيحدد موازين القوى وسيحدد التوازن في التمثيل المسيحي والوطني بعدما كانت الخطوة الأولى في استعادة هذا التوازن من خلال الدور الذي لعبه العهد في تشكيل الحكومة وتسمية الوزراء وتحديد علاقات لبنان الخارجية والإشراف على دورالجيش اللبناني واستكمال عمليات تسليحه. هذه الإنتخابات قد تكون انقلابًا فعليًا على انتخابات العام 1992 التي أرادها النظام السوري انقلابًا على النظام اللبناني وعلى الدور المسيحي فيه. ربما آن الأوان لتحقيق هذا التغيير المطلوب وإن كان محفوفاً بالمخاطر.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل