#adsense

معراب قلعة الحكمة والتواضع

حجم الخط

إلى مجسم معتقل وزارة الدفاع، الزنزانة، حيث أمضى الدكتور سمير جعجع إحدى عشرة سنة من حياته، 1994-2005، صعوداً، ترافقت مع عدد من الأصدقاء، رفاق الدرب، كشهود من خلال الذاكرة على حقبة أليمة من تاريخ لبنان، فترة سادها القمع، وغلب عليها الحقد والظلم، لكن ما من ظالم إلا سيبلى بأظلم.

إلى قلعة معراب، مكان إقامة الحكيم، حمل معه زنزانته، باقتراح من زوجته السيدة ستريدا جعجع، وبقرار شخصي منه. أقام صومعته في المكان الذي يصدر منه قراراته المصيرية على مساحة الوطن. أظنه أراد أن يحتفظ بما تخمر في نفسه في تلك الحقبة، من الحكمة والصبر، المسامحة والقدرة على الحوار، الإبتعاد عن الأحكام والمؤثرات الشخصية، دون التنازل قيد أنملة عن شيء من العزة والكرامة والعنفوان.

مكان يلفه الهدوء والهواء العليل النقي، بطبيعة تكاد تشبه أماكن عاش فيها النساك والقديسون. رائحة الأشجار ….وحفيف أوراقها تدغدغ روحك، فترتقي.

على تلك الدرجات، يتوقف بك الزمن، فتبلغ الأعلى منها متواضعا، شامخا، أسيرا لتساؤلات كثيرة حول الزمن الذي عاشه الحكيم ورفاقه، والعبرة خلف تجسيده.

على المدخل استقبلنا بيار جبور، عضو الهيئة العامة التأسيسية لحزب القوات اللبنانية. بذهول استمعنا لتفاصيل رواها لنا، صادقة من القلب، أليمة مغمسة بالفخر والكبرياء، معززة بحكمة الحيات. حقائق أخذت مخيلة كل واحد منا بعيدا، لواقع عاشه الحكيم ورفاقه، في ذاك السجن الصغير بمساحته، لمدة تزيد عن أحد عشر عام.

منذ الخطوة الأولى لبيار، دخلت معه في اللعبة، في صلب المعاناة التي خرج منها الحكيم وبيار وأنطوانيت وجرجس وميلاد وغيرهم، بنضوج وحكمة، وإيمان بقدرة الله اللامتناهية. إلا أن الحظ لم يحالف فوزي الراسي، فبقيت أصواته وآلامه معلقة في آذان رفاقه وفي ضمائر معذبيه، أبدا وحتى الرمق الأخير.

كنت أستمع للرفيق بيار في حنايا تلك الصومعة، وأشاهد صورا هنا وهناك، صورا أخذتني إلى معتقلات كثيرة عبر التاريخ. معتقل مستطيل الشكل، وإن لم تتنبه للعتبة على بابه قد تضرب رأسك سهوا. أشياء الحكيم الشخصية لا زالت هناك، ساعة يد ما سئمت من الساعات والدقائق والثواني، لا بد أنها شهدت على نظراته التي لم تتعب، منتظراً مترقباً وصول رفيقة دربه لزيارته. ونظاراته أيضا رأيتها هناك، على الطاولة، غير تعبة، كأنها تعلن استعدادها لقراءة المزيد من المراجع والكتب. كتب إجتماعية، دينية، علمية، فلسفية، وأخرى عن شخصيات مميزة دخلت التاريخ، بالإضافة إلى مراجع عن التأمل والتغذية يحتفظ الحكيم بعينة صغيرة منها. تمنيت لو أمكنني الإحتفاظ بتلك الكتب لبرهة، وددت لو أنها تتكلم وتخبرني على ما شهدت بحضور الحكيم، وكم من حكمة أضاف إليها. كتب لا يستطيع تحديد عددها، وكان يرى في كل واحد منها جانب من حقيقة معينة في الحياة في ما يخص الفلسفات والتيارات والأفكار. إلا أن قول مار بطرس “العلم ينفخ ولا يغني” لم ينطبق على سجين وزارة الدفاع بوعي منه، فكان كل ما يقرأه يزيده ترابطا وارتباطا بأرض الواقع.

على الحائط علقت لوحات ليست كاللوحات، قطع من صور اقتطعها الرجل الحكيم من بعض الصحف والمجلات، لكنها عنت له الكثير. شلال من هنا، أشجار من هناك تلوح بالتغيير، ودرج لطالما نظر إليه لساعات وساعات، درج كان يأخذه بأحلام يقظة إلى محبسة القديس شربل، فيسعد. بالإضافة إلى صور للعذراء مريم، وصورة لمار مارون، الأحب على قلبه والتي بالنسبة له تحمل طابعا دينيا، تاريخياً قومياً. وعلى طاولة أشياء الحكيم، بالإضافة إلى الإنجيل المقدس، كتاب تراتيل درب الصليب، التي مشاها سجناً وقمعاً، وصوماً على امتداد فترة الإعتقال. تراتيل كان يرددها في فترة الآلام، متألماً، كما كان يرنم فرحاً التراتيل والترانيم الميلادية. وهناك، في الصومعة، مبخرة رافقت الرجل الصبور لحظة بلحظة، أعانته بنفس بخوري على تخطي المراحل العصيبة أثناء إقامته هناك. في ذلك السجن، كان المعتقل الحكيم يضع لحمه ودمه، ممارسا الطقوس الدينية مثابرة وحرصا منه على إيمانه.

في ذاك السجن الصغير فنجان قهوة بلاستيكي، تعود عليه الحكيم إلى درجة الحب، وهو حتى الآن لا يقوى على فراقه، بالرغم من الفناجين المرصعة والفخمة.

أما تلك الجنازير الحديدية، جنازير الموت، التي تشهد على فقدان فوزي الراسي أنفاسه الأخيرة. التي استضافت الرفاق تباعاً، ولم تعف النساء منهم، وهل ننسى أنطوانيت شاهين؟

لم نخرج من مجسم زنزانة الحكيم، بجوار قلعة معراب كما دخلنا. ودعنا تماثيل الرفاق المعتقلين عن يمين الباب، يغمرنا خجل عظيم من جهلنا لدقة المعاناة التي شهد عليها معتقل الإحدى عشر عام ونيف ورفاقه، وفرح مرفوق بالفخر والعزة والعنفوان، بالتواضع والصبر والحكمة، والإيمان الذي أخرج الحكيم من سجنه الصغير وأدخله من جديد السجن الكبير، المليء بضجيج وضوضاء، يشتاق معهما إلى روحية، هدوء ونقاء صومعته.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل