#adsense

الروزنامة الإقتصادية في 2016 … أزمات وعقبات وتحديات فهل تنحل مع العهد الجديد؟

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة”:

لا يغيب عن أي متابع، أن العام 2016 ربما كان الأسوأ إقتصادياً على لبنان، أقله خلال الأعوام القليلة الماضية. فهو كان العام الثالث على الفراغ في رئاسة الجمهورية الذي انتهى في 31 تشرين الأول. وما زاد في سوء الوضع خلال الفراغ الرئاسي، المقاطعة الخليجية للبنان بسبب مواقف “حزب الله” النافرة تجاه الدول الخليجية والسعودية تحديداً، واشتداد أوار الأزمة سواء في المنطقة ككل أو في سوريا. لكن انفراج الأزمة بانتخاب رئيس وتشكيل حكومة، نزع صفة الأسوأ عن العام 2016. فخلال العام تراكمت الأزمات، واستسلمت قطاعات للسقوط، وهي الموصوفة بالداعم القوي للإقتصاد، فزادت البطالة وتراجع النمو وتفاعل الإحباط… إلى أن شكّل انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، ولو قبل أيام من انتهاء العام، مؤشراً إيجابياً بعث أملاً بحركة مرتقبة في الأعياد وانطلاقة أفضل للعام الجديد. فما هي أبرز محطات العام، وما هي التحديات التي تنتظر العهد حكما وحكومة؟

مع أن الأزمات توالت متزاحمة خلال العام 2016، وضاقت الآفاق بأصحاب القطاعات بعد تمدد الفراغ الرئاسي وشلل المؤسسات وهجرة الرساميل وغياب الحلول، إلا أن الأمل ظل مضيئاً، فحرّك العديد من المحطات في تلك المياه الراكدة، سواء عبر المهرجانات الصيفية التي ظهّرت صورة لبنان اللامعة أو باجتراح الحلول… إلى أن قضى الله أمراً كان مفعولاً فانتخب الرئيس وتشكلت الحكومة وانطلق العهد. على أمل أن يطوي العام الآتي ما خلفه العام المنقضي من تراكمات.

تحويلات اللبنانيين… تحوّلت

منذ مطلع العام 2016 كانت أزمة العمالة اللبنانية في الخارج مطروحة ومهددة بسبب تهجّم “حزب الله” على السعودية ودول الخليج عموماً، التي تمثل المصدر الأول لتحويلات اللبنانيين. وأظهرت نتائج إحصاءات أصدرها مصرف لبنان في منتصف العام 2016 أن قيمة هذه التحويلات السنوية من منطقة الخليج ستصل على مدى العام إلى 5 مليارات دولار، وأن السعودية تتصدر دول الخليج لناحية حجم التحويلات. ولأسباب عديدة، سجّل لبنان أبطأ نسبة نمو للتحويلات خلال العام 2016 بين اقتصادات الدول النامية الـ15 الأكثر تلقياً لتحويلات المغتربين. ولذلك شاع قلق شديد مما تم تداوله في أواسط العام عن إمكان إقدام دول مجلس التعاون الخليجي، على الاستغناء عن آلاف اللبنانيين العاملين في هذه الدول، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من أزمات لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

موسم السياحة… والمهرجانات

المهرجانات السياحية لوّنت الجو السلبي الذي خيّم على لبنان، فأعادت بعض الفرح إلى نفوس أربكها الخوف من تراكم الأزمات وغياب الحلول وشلل المؤسسات. وحلّت المبادرات الخاصة مكان العمل الرسمي العام، ونجحت حيث فشل الآخرون.

الأمر نفسه انطبق ولو نسبياً على التجار والصناعيين وغيرهم من أرباب القطاعات الذين راحوا يبتكرون المخارج حفاظا على قطاعاتهم وعلى اقتصاد وطني كاد يتهاوى.

البنوك والقانون الأميركي… والإرهاب

القانون الأميركي الذي أقرّه الكونغرس قبل نهاية العام 2015 بفرض عقوبات على المصارف التي تتعامل مع “حزب الله”، عاد إلى التفاعل في العام 2016 مع صدور لوائح جديدة بأسماء تشملهم العقوبات وتحذير المصارف اللبنانية من محاولة الإلتفاف على القانون. ومع أن الولايات المتحدة تعتبر “حزب الله” منذ العام 1995 “منظمة إرهابية”، إلا أن القانون الجديد أثار قلق المصارف اللبنانية، خصوصاً تلك التي تتعامل مع ممولين مفترضين للحزب، فهي مضطرة للامتثال له من جهة، وتخشى بالمقابل من تداعيات ذلك على وضعها وسلامتها.

وفي عملية ربطها البعض بالقانون الأميركي وتداعياته، ضرب الإرهاب في بيروت مستهدفاً بنك لبنان والمهجر، بل القطاع المصرفي برمّته الذي واجه تحديات تتمثّل في تطبيق القانون الأميركي بمنع تمويل الإرهاب. وإذا كانت لم تقع اية ضحايا بشرية في الإنفجار إلا أن هناك من يشير إلى سقوط أكثر من ضحية بينها الموسم السياحي والإقتصاد المتداعي أصلا، والثقة بالبلد التي لم يبق منها إلا القليل لدى المؤمنين بالقيامة على رغم كل المآسي.

الحكومة الإلكترونية… تابع

للمرة الثانية، وفي أقل من عام، شهد المقر العام لـ”القوات اللبنانية” في معراب في شباط الماضي مؤتمراً عن الحكومة الإلكترونية، وهذا ما يعكس مدى اهتمام حزب “القوات” بجميع نواحي بناء الدولة العصرية المرتكز على مفهوم خدمة المواطن ومواكبة الحداثة ومحاربة الفساد. المحطة الثانية من المشروع حفلت بالعديد من المستجدات وأضاءت على المحطات اللاحقة سعيا إلى بلوغ الهدف المنشود في الوقت المناسب.

الدكتور سمير جعجع الذي يشدد على أهمية المشروع والسير به على رغم الكم الهائل من الإهتمامات، يقيناً منه لجوهريته في سلامة سير المجتمعات، لفت إلى أن “أهم النتائج التي نصبو اليها من خلال تطبيق الحكومة الالكترونية هي تعزيز شفافية الدولة وتحسين أدائها في الامور الحياتية المتعلقة بالمواطن”. ورأى أن “مجرد البدء بوضع الحكومة الإلكترونية موضع التنفيذ، يجعلنا نصيب جزءا كبيراً من الفساد في الصميم، ونحقق لامركزية في الشق الأكبر من الادارة العامة.

النفط والغاز… ملف مفتوح

عاد ملف الثروة النفطية والغازية البحرية الى دائرة الضوء مجدداً مع الحراك الذي برز خلال العام من قبل مسؤولين لبنانيين وغير لبنانيين وبروز تقاطع مصالح داخلية وخارجية على إحياء هذا الملف وصولاً الى إمكان استفادة لبنان من ثروته الوطنية. لكن حكاية إبريق زيت النفط تلك يبدو أنها كلما تخطت عقدة واقتربت من الحل تعود إلى البدايات وإلى مواجهة التعقيدات وملازمة الأدراج من جديد فيما عوامل كثيرة ضاغطة لا بد لها من أن تحض المسؤولين على إنجاز هذا الملف. فهل يتم ذلك في الـ 2017 خصوصاً مع انتخاب رئيس وتشكيل حكومة؟

التغطية الصحية… نجمة العام

في شهر تموز الماضي أطلق وزير الصحة يومها وائل أبو فاعور مشروع التغطية الصحية لمن تجاوزوا الـ 64 من العمر. وتضمّن المشروع أن تكون التغطية الاستشفائية 100 في المئة، على أن تستفيد منها شريحة المتقاعدين والمسنين ممن ليس لديهم ضمان أو تأمين. وقد استند تمويل المشروع على عائدات عمليات التدقيق الفوري بكل فاتورة تتخطى المعدل الطبيعي، وهو ما يضبط الإنفاق. علماً أن التدقيق قبل اعتماد نظام التدقيق الجديد في وزارة الصحة كان يتم في 10 في المئة فقط من الفواتير. وقدّرت وزارة الصحة ما يؤمّنه نظام المراقبة الجديد بحوالى 17 مليار ليرة يجري توظيفها في تغطية كلفة تطبيق نظام التغطية الإستشفائية الشامل. وقد دخل المشروع حيّز التنفيذ بدءاً من الأول من أيلول الماضي.

الكهرباء… إلى اللامركزية؟

تقادم المجموعات العاملة على توليد الكهرباء ما يعرّضها للتوقف المتكرر، وسوء إدارة القطاع جعلا المواطن اللبناني يتحمّل مزيداً من التكاليف ولا يحصل على تحسين في التغذية. ومع أن الباخرتين التركيتين ساعدتا في زيادة الإنتاج، إلا أن الزيادة لم تحسّن التغذية لأنها ذهبت إلى سد فارق التراجع في إنتاج المعامل القائمة… فاستمر شبح التقنين. وقبل انتهاء مدة العقد، الذي يربط لبنان بشركة “كاردينيز” التركية المشغّلة للباخرتين في أيلول الماضي، تم تجديده لمدة سنتين إضافيتين، أي حتى أيلول من العام 2018 “لعدم توفّر البديل. كما بدأ الحديث عن مسعى لاستقدام باخرة ثالثة لإنتاج الكهرباء لتغطية العجز المتواصل في الإنتاج.

في هذا الجو باتت المشاريع الخاصة والحلول الموقتة – الدائمة هي البديل. وجديدها هو المعامل الخاصة لتوليد الطاقة التي بدأت خلال العام 2016 تشق طريقها في المناطق ومنها في طرابلس وجبيل بعد زحلة. وفي قطاع الكهرباء أيضاً برز الإشكال حول تمديد عقود مقدمي الخدمات وأداء الشركات المكلفة بذلك. يضاف إليها إضرابات المياومين في الشركة.

تصدير التفاح… أزمة فحلّ

في أيلول بدأ مزارعو التفاح في لبنان التحرك ومناشدة المسؤولين إعانتهم لتصريف الإنتاج. فالأزمة وضعت المزارعين بين مطرقة ضيق أسواق التصدير وسندان ارتفاع أسعار التبريد. في هذا السياق، قام رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع بخطوات عدّة لحث المسؤولين على الإسراع في معالجة مسألة التصدير. وفي هذا الإطار أجرى اتصالا هاتفيا مطولا بوزير الزراعة أكرم شهيب، استتباعاً للاتصالات السابقة، واطلع منه على ما آلت إليه الجهود التي تبذلها الوزارة لتصريف موسم التفاح لهذا العام. واتفقا على البقاء على اتصال مستمر لهذه الغاية. وقد أثمرت هذه الجهود في النتيجة وسلك محصول التفاح لهذا العام طريقه إلى التصدير، كما حظي المزارعون بدعم مادي أقرته الحكومة اللبنانية كتعويض.

 القطاع العقاري… يهتز ولا يقع

المشهد في القطاع العقاري طغى خلال أشهر العام بعدما هدده الكساد بتراجع الأسعار بعد فقد قدرته على الصمود. هذا الواقع وضع مؤخراً على مشرحة التحليل، يراقبه البعض كمؤشر على مدى تأزم الأوضاع، ويراقب آخرون السياسة ومطباتها لمعرفة اتجاهات العقار وإمكانات الإستثمار. تجمّدت الأسعار عند حدود قد لا تعكس تماماً حقيقة العرض والطلب، لكن المشاريع مستمرة والحركة، بشهادة الخبراء، لا تشي بأن الوضع سيّئ بالقدر الذي تداولته بعض الأخبار. فبمجرّد أن باع عدد من الخليجيين عقارات لهم غير مبنية في لبنان، بدأ البعض يخشى من تنامي هذه الوتيرة بما يهدد سلامة القطاع العقاري ويؤدي إلى انهيار الأسعار. وهكذا تأرجح القطاع العقاري اللبناني بين حدّي الجمود والصمود، من غير أن يؤسس ذلك لما يُخشى معه من تراجع وشيك.

الموظفون… من صرف الرواتب إلى الصرف من الخدمة

توالت عمليات صرف الموظفين العاملين بمؤسسات لبنانية وأجنبية منذ بداية العام 2016 حتى تشرين الثاني حيث بلغ عدد المصروفين أكثر من 3000 موظف وأجير، بحسب أرقام وزارة العمل وبعض الجهات المحلية والدولية المختصة. فوزارة العمل تلقت خلال أيلول فقط حوالى 1500 طلب لتسريح عمال في مختلف القطاعات الإقتصادية. ومن الأسباب بحسب الخبراء، أثر الفراغ في رئاسة الجمهورية على عامل الثقة، مما حجب الاستثمارات الكبرى عن لبنان ووضعها في خانة الترقّب. كذلك أدّى الشلل على صعيد مجلسي النواب والوزراء، الى غياب الاصلاحات التشغيلية… هذه الأزمة طالت أيضا الصحافة المكتوبة التي قد يكون ضيق منافذ التمويل والعجز المادي أحد مظاهرها وليس عاملها الوحيد.

الأسواق… أيضاً تنتظر العيد

شكّل انتخاب رئيس للجمهورية اللحظة المنتظرة، فحرّكت أملاً في النفوس، لكن نسبة الحركة التجارية تفاوتت بين المناطق اللبنانية عشية الأعياد. ويلاحظ من حركة المطار أن ثمة اقبالاً للرعايا الخليجيين على لبنان وخصوصاً السعوديين، بما يؤشّر الى فتح صفحة جديدة مع لبنان يُؤمل في مدّها إلى الموسم السياحي الشتوي. وهي التي يلزمها العديد من العوامل الدافعة والقليل من الوقت لتعيد إلى الأسواق عهدها المفقود. ويرى الإقتصاديون أن تشكيل الحكومة سيوجد تلك الحلقة المفقودة، آملين أـ تستلحق الأسواق نفسها بتعويض الركود السابق خلال العام بحركة تشكل الإنطلاقة الإيجابية للعام الجديد.

تحديات في انتظار الحل

كل هذا الوضع الإقتصادي والمحطات المتوالية خلال العام، خلقت بلا شك تحديات على كاهل العهد الجديد. فلبنان احتل المرتبة الثالثة عالمياً والأولى عربياً على صعيد نسبة الدين العام الى مجمل الناتج المحلّي بين 19 دولة، وفق تقرير نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانيّة. ويقدّر للعجز المتنامي في المالية العامة أن يتجاوز نسبة 9.5 في المئة من الناتج المحلي في العام 2017 إضافة الى تنامي الدين المتوقّع أن يصل الى 79.5 مليار دولار في العام المقبل وبنسبة 145 في المئة من الناتج المحلي. هناك أيضاً إستحقاقات بقيمة 7 مليارات دولار سيواجهها لبنان في العام 2017، وسوف تناهز الـ 8 مليارات دولار في العام 2018.

الخبير الإقتصادي الدكتور إيلي يشوعي أشار لـ”المسيرة” إلى 4 نقاط اعتبر أنها في حد ذاتها تحل مسائل كثيرة، مشدداً على ضرورة تطبيق اللامركزية الإدارية مع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجالس الأقضية، كمدخل لحل العديد من المسائل الأخرى. وأن تُعطى لهذه المجالس صلاحية جباية الضرائب ومن ثم إنفاقها على التنمية في نطاقاتها اللامركزية.

رئيس معهد “سيدر أنستيتيوت” (نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة الحالي) غسان حاصباني استعرض الوضع بكلّيته لـ”المسيرة” محدداً المسائل الملحّة بثلاثة مستويات: الإقتصادي والمالي والنقدي. ويقول إن التحدي الأكبر من الناحية الإقتصادية هو إعادة النمو كون الناتج المحلي لم ينمُ منذ عامين أكثر من واحد أو واحد ونصف في المئة. كذلك إعادة ثقة المستثمرين بالإقتصاد، مستفيدين من الإستقرار النسبي على مستوى الأمن لتحقيق ذلك.

ويركز حاصباني على تقليص كلفة الهدر والفساد باعتماد الحكومة الإلكترونية إلى جانب إجراءات أخرى. وتفعيل هيئات الرقابة داخل الدولة وتفعيل دور القضاء وتعزيز الشفافية للتخلص من حوالى مليار إلى ملياري دولار تتكبدها الخزينة بسبب الهدر والفساد. وعليه يُجمع الإقتصاديون على ضرورة وضع رؤية اقتصادية في العهد الجديد تُخرج البلاد من الجمود الذي فرضته الأوضاع السياسية وتُرجِم بتراجع حاد في كل القطاعات الاقتصادية. فعسى أن يكون العام الجديد مساحة متاحة لاستعادة النمو والحركة والإصلاح وفرص العمل، تعويضا عمّا فات خلال العام 2016 ومثله أعوام سابقة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل