
عندما انتهَت مهمّة السفير التركي في كندا تشاتغاي إرجيس، وصدر قرارُ تعيينه في لبنان عام 2015، تحسَّر أصدقاؤه على حظّه، لكنّ ما شهده في لبنان خالفَ توقعات أصدقائه، وسيسعى الى جذب المزيد من السياح الأتراك الى بلد “رائع”، لا يمكن النظر إليه كدولة صغيرة بل “عالم” بأسره.
في الوقت عينه، يُحاول السفير التركي بديبلوماسيّته الهادئة التصدّي لـ”البروباغندا السوداء” ضدّ بلاده التي تخوض حروباً على جبهتيها الخارجية والداخلية، بعد التقاط أنفاسها من محاولة الإنقلاب الفاشلة في 15 تموز الماضي، وإعادة ترميم علاقتها مع موسكو، التي كادت تتزَعزع مع اغتيال السفير الروسي اندريه كارلوف في أنقرة في 19 الجاري، الذي كانت له لمساته في مواكبة التطبيع بين البلدين.”العمل الإرهابي في أنقرة استهدَف السفير الروسي وروسيا والشعب التركي بأسره، وكان يُمكن أن يلقي بتداعياته السلبية على العلاقات التركية -الروسية، لولا مسارعة الرئيسين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بويتن إلى احتوائه والإتفاق على إجراء تحقيق مشترك”، على حدّ تعبير السفير التركي في لبنان تشاتغاي إرجيس.
ويقول إرجيس في مقابلة مع “الجمهورية” من مقرّ السفارة التركية في الرابية: “المُؤشرات الأوّلية والأدلّة وخلفية مرتكب الاغتيال تُظهر أنّه ينتمي الى شبكة فتح الله غولن الإرهابية. الرئيس أردوغان قال إنّ منفّذ الإعتداء غولاني، لكنّ التحقيقات مستمرّة لتتّضح الصورة الكاملة”.
ويشير السفير التركي إلى أنّ “المحقّقين لديهم شعور بأنّ القاتل كان ذئباً وحيداً، لكن من المرجّح أنّه أُستُخدم من أولئك الذين يستهدفون العلاقات التركية-الروسية”، رافضاً اتهام سلطات بلاده بمحاولة لفلفة القضية. ويقول: “ما يجرى الآن تحقيق مشترك مع الروس، وليس من العدل اتّهام السلطات التركية بهذا الامر”.
ورداً على سؤال حول عدم القبض على الجاني وهو على قيد الحياة؟ يقول إرجيس: “حسب بيانات الشرطة التركية، إنّها أعطت الوقت الكافي لميرت الطنطاش للإستسلام، لكنّه واصل إطلاق النار، لتعود الشرطة وتطلق النار على قدميه مرتين، وعندما قام بخطوة غير متوقعة، تخوّفت الشرطة من أن يكون مرتدياً حزاماً ناسفاً، فقتلته”.
ويفضّل إرجيس عدم التعليق على مَن يقف خلف عملية الاغتيال، لكنّ الهدف الواضح أنّ هناك من يريد “وقف تطبيع العلاقات” بين أنقرة وموسكو.
ورداً على التكهنات باستياء إيران بسبب زيادة التنسيق التركي-الروسي على حسابها في سوريا، يقول إرجيس: “لا أوافق على هذه التعليقات. تركيا لديها حوار جيّد على أعلى مستوى مع إيران، التي كانت من الدول الموقّعة على إعلان موسكو في 20 كانون الأول الجاري، ووافقت على التعاون مع تركيا وروسيا لحلّ الأزمة السورية”.
وينكر إرجيس وجود انقسام في الشارع التركي. ويوضح: “ما حدث في حلب حرّك قلوبنا، هو وصمة عار على جبين المجتمع الدولي. وبالتالي ردّة فعل الأتراك في الشارع كانت ضدّ ما يجرى في حلب وليس ضدّ سياسة الحكومة التركية”، المُنخرطة في حوار مع روسيا من أجل حلّ سياسي.
محاربة “داعش”
ويذكّر بأنّ لتركيا التي تستضيف نحو 3 ملايين لاجئ، حدوداً مشتركة مع سوريا على امتداد 911 كلم، وما يجرى في سوريا، يؤثّر مباشرة على أمن تركيا. ويقول: “نحن نحارب “داعش” و”النصرة” على الأرض”. ففي 21 كانون الاول، “قتلت القوات التركية 128 إرهابياً، وقصفت 67 هدفاً، وخسرت نحو 14 من جنودها حول منطقة الباب في سوريا في إطار عملية درع الفرات”، يتابع إرجيس.
ويرى أنّ الحديث عن دعم تركيا لـ”داعش” و”النصرة”، “بروباغندا سوداء”، مُشدّداً على أنّ بلاده أكثر فعالية من غيرها في محاربة “داعش”، بالتعاون مع الجيش السوري الحرّ في منبج (من أعزاز حتى ضيع الماري وصولاً الى نهر الفرات).
ويقول: “تركيا مصممة على قتال “داعش” عسكرياً وإيدولوجياً”، مُستعيداً خطاباً لأردوغان بأن “لا علاقة لـ”داعش” بالإسلام وانّها تشكّل خطراً على الإسلام”.
ويؤكّد إرجيس أنّ بلاده ضدّ السياسات الطائفية في المنطقة، مُذكّراً بكلام لأردوغان “أنا لست سنّياً ولا شيعياً، ديانتي هي الإسلام”.
ويعتبر الحديث عن إمكانية دعم تركيا لـ”جبهة النصرة” تحضيراً لمعركة إدلب المرتقبة “كلام سخيف”. ويقول: “تركيا أعلنت “النصرة” و”داعش” تنظيمَين إرهابيَين، وجدّدت تصميمها في إعلان موسكو مع روسيا وإيران على محاربتهما سوياً. لا أوافق على هذه الادعاءات، قدِّموا لنا دليلاً على ذلك”.
ويرفض إرجيس اتهامَ اردوغان بخيانة المعارضة السورية في شرق حلب وإجبارها على عملية الإجلاء. ويقول: “على العكس من ذلك، تركيا البلد الأكثر صخباً في كلّ الاجتماعات الدولية، ولفتت انتباه المجتمع الدولي إلى الوضع الإنساني في حلب، واقترحت إقامة قافلة دولية لتقديم المساعدة الإنسانية إلى حلب منذ شهرين. نحن جمَعنا المعارضة في روسيا، وساهمنا في وقف إطلاق النار الحالي في حلب وفي عملية الإجلاء الحالية، ونستمرّ في الدعوة للمساعدات الإنسانية ووقف النار في سوريا كلها”.
ويشدّد السفير التركي على أنّ بلاده لم تغيّر موقفها تجاه سوريا ولن تدّخر أيّ جهد للحلّ السياسي. ويقول: “ندعم بشكل واضح المعارضة المعتدلة التي تحارب الإرهاب، ونفرّق بينها وبين “داعش” و”النصرة”، ونرى أنّ المعارضة المعتدلة ستكون جزءاً من الحلّ السياسي لسوريا كما أكّد إعلان موسكو”.
إعلان موسكو
ويذكّر بأنّ تركيا وروسيا وإيران اتفقت في “إعلان موسكو” على ضرورة ايجاد حلّ سياسي للأزمة السورية، وعلى وحدة أراضي سوريا ورفض تقسيمها.
ويقول السفير التركي: “إنّ العملية السياسية يجب أن تتمّ وفق قرار مجلس الامن 2254، لذلك اتّفق وزراء خارجية تركيا وروسيا وإيران على أهمية وقف النار، ليس فقط في حلب بل في كامل سوريا وتسهيل ايصال المساعدات الإنسانية”.
ويوضح أنّ مفاوضات الإستانة ليست استبدالاً لمسار جنيف بل الهدف منها تحضير الأرضية. ويوضح: “نسعى الى خلق الظروف المؤاتية، ومفاوضات كازاخستان لا تقتصر على كلٍّ من إيران وتركيا وروسيا، فأيّ دولة يمكنها أن تساهم في المفاوضات كما جاء في إعلان موسكو، بما يُتيح إعادة إحياء مفاوضات جنيف برعاية الأمم المتحدة”.
في الشق المحلّي والنقاش الدستوري، لا يُوافق إرجيس على وجود استقطاب في المجتمع التركي بسبب سياسات أردوغان. ويقول: “هناك أربعة أحزاب وافقت في برامجها على ضرورة تعديل الدستور الذي كُتب إثر انقلاب 1980 بيد العسكر، البرلمان التركي يدرس حالياً اقتراح تعديل الدستور قُدّم من قبل حزبي AKP وMHP وسيُعرض على الإستفتاء الشعبي”.
ويلفت إلى وجود “مقاربة منحازة ضدّ تركيا ورئيسها”، مُوضحاً أنّه “وفق الدستور الحالي، الرئيس يحاكم فقط في حال ارتكب جرم الخيانة، إلّا أنّه في مشروع التعديل الدستوري يبدو أنّ الرئيس مسؤول بشكل أكبر، وليس حاكماً سلطوياً كما يتمّ التسويق له. وفي نهاية المطاف القرار سيتّخذه الشعب التركي”.
أمّا مستقبل علاقة تركيا مع الولايات المتحدة فسيبقى محكوماً بقضيّتين أساسيّتين. ويقول إرجيس: “طالبنا بترحيل غولن الذي كانت شبكته وراء محاولة الإنقلاب الفاشل، لكن لم يُستجب لطلبنا، ويمكن لذلك أن يؤدي الى انعكاسات سلبية على علاقاتنا الإستراتيجية”.
المسألة الثانية تتعلّق بتعاون أميركا مع حزب الإتحاد الديموقراطي في سوريا PYD. ففي نظر تركيا لا فرق بين حزب العمّال الكردستاني PKK وPYD. كلاهما منظّمتان ارهابيّتان، ومحكومتان من جبال قنديل في العراق.
ويلفت إلى “أننا أخبرنا أصدقاءنا الأميركيين إذا كانوا يريدون جنوداً على الأرض ليحاربوا ضد “داعش”، يمكنهم التعاون مع الجيش السوري الحرّ. لقد أظهرت عملية درع الفرات في سوريا التي تجرى بالتنسيق مع الجيش الحرّ فعاليتها في محاربة “داعش”.
ويضيف: “أنّ الأسلحة التي يقدّمها الأميركيون لحزب الاتحاد الديموقراطي تُستخدَم ضدّ تركيا من قبل حزب العمّال على حساب أمننا القومي، ولدينا دليل على هذا. حزب العمّال منظمة إرهابية معلَنة من قبل أوروبا والولايات المتحدة، وهذا يجعل مسؤولية هذه الدول عدم دعم PKK ونتاجه PYD”.
ويأمل إرجيس أن ينجح أردوغان والرئيس المنتخب دونالد ترامب في تطوير العلاقات بين البلدين، إذ تبقى الولايات المتحدة “حليفاً” تجمعها بتركيا علاقة “استراتيجية عميقة”.
وبحكم موقعها الإستراتيجي، “تتبع تركيا سياسة خارجية متعدّدة الأبعاد، وبالتالي العلاقة الجيدة مع روسيا ليست على حساب العلاقة مع أميركا او أوروبا”، يُشدّد إرجيس.
ويذكّر بأنّ تركيا لا تزال مهتمّة بوضع اتفاق التجارة الحرة مع لبنان وسوريا والعراق والأردن موضع التنفيذ، ويقول: “علينا أن نخلق السلام لنتمكّن من تحقيق الازدهار، وهذا غير ممكن طالما لن يتمّ حلّ الأزمة السورية”.
نجاح لبنان… نجاح لتركيا
لبنانياً، يستعيد إرجيس محطات دعم تركيا التوافق على انتخاب الرئيس ميشال عون والحوار الوطني، ورسالة دعم أردوغان لنظيره اللبناني للعمل معاً لتعزيز العلاقات، وزيارة وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو الى بيروت.
ويبدو إرجيس متفائلاً بالمناخ السياسي الإيجابي في لبنان، آملاً من الحكومة الجديدة التحضير للانتخابات التشريعية العام المقبل في ظلّ الجوّ السائد حالياً.
ويتطلّع السفير التركي إلى أن يتمكّن البلدان من تطوير علاقاتهما الاقتصادية. ويقول: “نجاح لبنان نجاح لتركيا، نحن ولبنان في قارب واحد. نقف مع الشعب اللبناني. لا نُميّز بين فريق وآخر، وهناك مشاريع اجتماعية وتنموية يتمّ العمل عليها من قبل وكالة التعاون والتنسيق التركية في لبنان TIKA للوصول الى كلّ المجتمعات اللبنانية على انتماءاتها الطائفية أو الحزبية كافة”.
وإذ ينوّه بالإمكانات الهائلة في لبنان وطاقات اللبنانيين، يقول: “لقد استقبلنا منذ يومين وفداً لرجال الأعمال الأتراك، وقد أبلغتهم أنّ لبنان ليس فقط دولة إنّه عالم بأسره، بفعل الجالية اللبنانية الناجحة المنتشرة في العالم”.
وتبدو تركيا مهتمّة بالإستثمار والتعاون مع لبنان في مجال البناء، من دون إغفال النفط والغاز والسياحة. ويقول إرجيس: “يمكن التشارك في مشاريع أعمال مشترَكة بدل التنافس فلنعمل معاً، هناك مشاريع مشترَكة في أنقرة واسطنبول، وأخرى في إفريقيا. كذلك قدّمت شركتان من تركيا مناقصات للاستثمار في مجال النفط والغاز”.
ومع تغيّر نظرة إرجيس تجاه لبنان، بفعل اكتشافه تنوّعه الثقافي وغناه السياحي وضيافة أهله، فهو سيعمل لاستقطاب 500 ألف تركي للمجيء الى لبنان، ولا سيما أنّ هناك نحو 4 ملايين ونصف المليون تركي يسافرون للسياحة وقد أنفقوا نحو 5 مليارات دولار في 2015.
ويشير إرجيس الى التصوّر الأمني السلبي عن لبنان في عيون الشعب التركي خصوصاً بعد اختطاف الطيارَين التركيَّين عام 2013، لكنّه يعتقد أنّ لبنان يمكن أن يصبح مقصداً للسياح الأتراك. ويختم حديثه، مُتعهِّداً بتحقيق التوازن في العلاقات السياحية بمساعدة الحكومة اللبنانية وتنشيطها في الاتجاهين، فهناك 18 الف تركي فقط زاروا لبنان، في حين كانت تركيا الوجهة السياحية لنحو 250 ألف لبناني في 2015.