#adsense

ابني في السماء وفي نبض الرفاق.. ميلاد مجيد

حجم الخط

أودَعني شوقه، ابتسامته وثقل الجبال، كأنّه كان يعلم أنّها المرّة الأخيرة. في الحادي عشر من كانون الأول من العام المنصرم، وضع رأسه بين أحضاني، والتزم الصمت، صمتاً يشبه سكون المحابس الخاشعة. غادر في اليوم التالي إلى برسا، حيثُ مركز “القوات اللبنانية” الذي باتَ اليوم يحمل إسمه ورسالته، وضع اللمسات الأخيرة على سهرة طلّاب “القوّات” في الخليّة التي أسّسها في بلدتنا برسا، تواصل مع الجميع ليؤكّد حضورهم، وليطمئنّ إلى توفّر وسائل لتقلّهم إلى مكان الإحتفال في كوسبا، استقبلهم وحرص على راحتهم وفرحهم، رقص وغنّى مع الجميع، وزرع إبتسامةً وداعية على ثغر أخته وهو من لم ينس أن يُعايدها على طريقته المميّزة وسط الرفاق والأصدقاء في عيد ميلادها. ما إن انتهت السهرة، حتّى تابع كلّ فرد، مؤكّداً صعوده في سيّارته.. إنطلق عائداً مُطمئناً لنجاحه في إتمام مهمّة جديدة في إلتزامه الحزبي.. حتّى رنَّ هاتفنا في الزوق.

فجر الثاني عشر من كانون الأول عام ٢٠١٥، تاريخٌ بقيت روحي تُفتّش عن أنفاسها في وسطه، كأنّه مخاض ولادة، بين عتمة الجلجلة ونور القيامة، قامة شربل كانت حاضرة، ضحكته المرتفعة أيضاً، حركاته تملأ المحيط، وقفته الشامخة، كلماته الحاسمة وحنانه اللامتناهي.

سألتُ عنه، عن عينيه الصائبتين، عن جبينه الواضح، فتّشتُ كثيراً، ولدي يملأ الدّنيا ولا يهدأ، ولدي حبيبي يبقى متأهّباً لا ينام، ولدي يُتابع مهامه الحزبية والإجتماعية ولا يرقد.

وسط التخبّط والصدمة واللاإدراك، ناديتُ الربّ يسوع وسألته طلباً واحداً، أن يُدخل ولدي إلى ملكوته دون ألم، دون انتظار، وأن يُحمّلني ثقل كلّ إثمٍ ارتكبه، كي لا يكون مجرد ذبيحة عابرة بل رحمة أبديّة لا حدود لها.

شعرتُ بقوّةٍ حاكَت عقلي ولامست قلبي، وكأنّ يسوع أجابني، سمعتُ صوت شربل يُناديني، كي أقف وأراه، فنظرت اليه ورأيتُهُ يُهلّل فرحاً في مفرقعات وداعه، يشمخ عزّاً ونشيد عائلتنا وإيماننا، نشيد القوّات اللبنانيّة، يُرافقه إلى منزله السّماوي.

شربل معي، أراه في عزيمة رفاقه وإخلاصهم للقضيّة التّي قدّم كلّ أنفاسه على الأرض لأجلها. أراه في إلتزامهم الذي يُشبهه، إلتزام لا يعرف معنى لا اليأس ولا التّعب.

أصبح شربل كتلة عطاء تتجسّد في إبتسامة طفلٍ مُشرّد باتَ له سقف يحميه، في أمانِ يتيمة كانت غارقة في ظلمة الوحدة، في بلسمة جُرحٍ مُدَّ بالعزيمة لمواجهةٍ أخرى.

ولد شربل في السماء، كما ولد شهداؤنا وأبطالنا المناضلون على مرّ العصور، لأجلنا، كي نَغرِفَ من عتمة الموت نور، ومن قلب الألم دفء.

تجسّد يسوع في مزود، لأجلنا، كي نُدرك أنَّ الألم الحقيقي ليسَ سوى بُعدنا عن نقاوة تلك المغارة المتواضعة، عن نقاوة مريم ووفاء يوسف، عن رحمةٍ تُحاكي الرجاء، وتحوّل الجلجلة إلى قيامة. عن محبّة تكسر حدّة الخلاف وتُنهي شتّى خلاف. عن مُبادرةٍ توحّد الصّفوف رغم سنوات الخصام والنفور. عن نيّةٍ تُعيد شمل عائلاتنا إلى نعمة الحياة وتنزع بذور الفتنة والجفاف.

في ليلة ميلاد يسوع، لا تتركوا المتألّم ولا تنسوا المحزون، لا تمرّوا غير آبهين قرب طفلٍ يبكي من شدّة البرد، أو عجوزٍ يرتجف من قسوة الوحدة، ولا تتخلّوا عن نقاوة الجسد فهو هيكل الروح، ولا تتركوا اليأس ينهش فيكم فالرجاء سلاحنا، ويسوع دائماً معنا.

كلّما اقتربنا من يسوع، أصبحت المسافة بيننا وبين السماء حيثُ يقطنُ أحبّاءنا أقصر.

الموت الحقيقي ليس في من نال نعمة الحياة السماوية بل بمن فقد الرجاء وبقي مُكبّلاً في عتمة الموت الأرضي.

صلّوا لشربل، كي تفيض الرحمة أضعاف وتبقى القضية التي عشقها تسير بحراسة السّماء وحكمة من على الأرض نحو أهدافها السّامية.

بطهارة طفل المغارة ونقاوة شربل في السماء.. ميلاد مجيد

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل