أيّ دور؟ أيّ رسالة؟

 

كلّ الوقائع السياسيّة منذ انتخاب رئيس الجمهوريّة في 31 تشرين الأوّل الفائت، تؤكّد أنّ لبنان دخل مرحلة تدوير الأزمات وإدارتها، وليس حلّها.

فلا الأداء السياسي يشي بتغيير واضح وحاسم، ولا المواقف تخرج عن الترسيمات السياسيّة الموضوعة منذ سنوات، ولا الحكومة الجديدة تحمل آمالاً ووعوداً قابلة للتنفيذ، سواء بسبب تركيبتها الهشّة أو بسبب قصر عمرها “الافتراضي”.

عمر “افتراضي” لأنّ سابقة الحكومة السابقة تفتح احتمال التمديد، فقد جاءت لمرحلة انتقاليّة بهدف الإشراف على انتخاب رئيس للجمهوريّة، فإذ بعمرها يطول 3 سنوات من الفراغ.

وكان لهذه السابقة نموذجان آخران سنتي 1988 و2007، تسبّبا بفراغ رئاسي أيضاً. فماذا يمنع الوضع الراهن بالتسبّب بفراغ نيابي هذه المرّة، عبر تمديد ثالث بحجّة عدم التوصّل إلى قانون انتخاب “عصري”، أو بحجّة القانون “العصري” نفسه الذي يحتاج إلى تفسير وتلقين للناس؟!

لعلّ الضغط الدولي وحده سيدفع مكوّنات الحكم الراهن إلى إجراء الانتخابات على “قانون الدوحة” الساري المفعول، وهو المكروه علناً والمحبوب ضمناً.

وقد دلّ توسيع الاقتراحات في الأيّام الأخيرة بين النسبيّة الشاملة أو الجزئيّة، والتأهيل على مستوى القضاء، والمختلط، والاقتراع المزدوج ، والأساس المذهبي، والدائرة الفرديّة… إلى نيّة تصعيبيّة وتعقيديّة لا يمكن أن تؤدّي إلاّ إلى أحد خيارين: التمديد أو قانون الستّين المعدّل في الدوحة.

أمّا الأزمات الحقيقيّة، وعلى رأسها الأزمة السياديّة، فليست في أولويّات الحكم والحكومة. وقد جرى الترويج لنظريّة تقضي بوضع مسألة السيادة الآن على الرفّ بسبب استحالة معالجتها طالما أنّ سلاح “حزب الله” غير قابل للعلاج، ومسألة حربه في سوريّا تقع خارج “الاختصاص اللبناني” والقدرة الوطنيّة!

وينكشف هذا العجز في البحث عن صياغات لفظيّة في البيان الوزاري في مسألة الثلاثيّة البائدة “شعب وجيش ومقاومة”، عبر التدرّؤ بالصياغة الواردة في خطاب القسم عن “عدم ادّخار مقاومة”، وعن التصدّي “استباقاً” للارهاب. وفي هذه الصياغات إرضاء نظري لرافضي الثلاثيّة، وفتح باب الاجتهاد أمام “حزب الله” كي يفسّر على هواه المقاومة” و”الاستباق”.

فهل يحلّ التحايل اللفظي مشكلة أو مأزقاً، أو يعالج أزمة؟

يُضاف إلى ذلك مأزق “السياسة الخارجيّة المستقلّة”: فمن جهة سعي لتمتين العلاقة مع العرب والغرب في الاقتصاد والاستثمار والسياحة والقروض وتسليح الجيش. ومن جهة أُخرى تمسّك بعلاقة مع إيران كدولة صديقة، وربّما “حليفة وشقيقة” في الحرب الإقليميّة، وتلميع العلاقة مع نظام الأسد بعد حلب، واعتبار العلاقة مع “حلف الممانعة” أمراً طبيعيّاً. فهل يستطيع لبنان الرقص طويلاً على حبلين؟

وتبقى المشكلة المثيرة للخوف، وهي طبيعة “الرئاسة القويّة” وموقع المسيحيّين الذين وُعدوا باستعادة الدور والحقوق وتثبيت الميثاق.

لا أحد يتوهّم أنّ هذه الميثاقيّة وهذه الحقوق قد استُعيدت لمجرّد تسمية وزراء في حصّة الرئيس وحلفائه، لأنّ الدور والحضور ليسا في رقم حسابي أو أسماء وأحزاب، بل في فرض إيقاع سياسي جديد وتثبيت فعاليّة الرئاسة الأُولى.

فليس خافياً أنّ “عين التينة” فرضت تشكيلتها الحكوميّة، خلافاً للدستور الذي يمنح سلطة التشكيل لرئيس الجمهوريّة والرئيس المكلّف. كما أنّ هناك حواراً موازياً يدور خارج الحكم وفي “عين التينه” نفسها، وكأنّ لا ناقة للرئاسة فيه ولا جمل.

للوهلة الأولى، بدا وكأنّ “الترويكا” التي ابتدعتها وصاية النظام السوري قد بُعثت حيّة، ولكنّ التدقيق البسيط يكشف أنّها “دويكا” تحت حجّة منع الفتنة السنيّة الشيعيّة. فما هو موقع الضلع الرئاسي الثالث منها؟

 في الحقيقة التاريخيّة، يتعدّى مفهوم الدور المسيحي مسألة الحصص والتوازنات الميثاقيّة والتشكيلات الحكوميّة، إلى الفعل العميق في لبنان والشرق وتمتين النسيج الانساني والحضاري، بتفعيل معنى العيش المشترك في لبنان وأُسس النهضة لدى العرب، وبتجنّب الانزلاق إلى مَحاور وجبهات.

فأين نحن اليوم من هذه الرسالة، وهل نكتفي بدور المتفرّج بالحدّ الأدنى، والوسيط بالحدّ الأقصى، بين متنازعين، أَم نذهب إلى الدور الخلاّق في وضع الحلول وريادة النهضة الجديدة؟

هنا ميثاقيّة المسيحيّين، وهنا حقوقهم ورسالتهم. وما عدا ذلك لعبة حصص وأوزان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل