#dfp #adsense

خاص “المسيرة”: جان الحاج يروي قصة عذاباته في السجون السورية

حجم الخط

رسمت شعار “القوات” وكتبت بشير حي فينا على جدار السجن 

كندا – خاص

من لبنان، والنضال في صفوف “حراس الأرز” ومن ثم “القوات اللبنانية”، إلى الاعتقال في سجون الاحتلال السوري، وصولاً إلى هجرته إلى كندا، مسيرة خطّها الرفيق جان إميل الحاج ليختصر معها تاريخ نضال الرفاق في “القوات اللبنانية” وصمودهم في مواجهة الهمجية والبربرية التي مارسها نظام الأسد في لبنان طيلة أعوام الاحتلال، تلك الممارسات التي تبقى حية على أجساد ما يمكن وصفهم بالشهداء الأحياء من شاء قدره أن يخرج من معتقلات الذل والعذاب، وتبقى محفورة عند كل نصب تذكاري لكل شهيد وكل شهداء نظام البعث في سوريا على مدى نحو ربع قرن من إحتلاله لبنان إلى أن أخرجته ثورة الأرز ثورة الشعب اللبناني الشعب المقاوم الحقيقي مذلولاً مكسوراً .

إلى تفاصيل رحلة العذاب التي تعرض لها الرفيق الحاج والتي تثبت من جديد أن نظام الأسد هو النظام الذي أطلق وأنشأ وزرع الإرهاب، ليس في لبنان فحسب بل في سوريا أيضاَ، وفي المنطقة بأسرها.

 بعدما أنهى الرفيق جان إميل الحاج عمله في جونيه، توجه مساء إلى حراجل للاحتفال بعيد السيّدة كما العادة في كل سنة. كان ذلك في الرابع عشر من آب من العام 1984، وبعدما شارك في القداس والاحتفالات مع الأصدقاء والرفاق، قرر العودة مع صديقه الذي أبلغه نيته بعدم المبيت في حراجل إلى بلدتهما شكا. كانت الساعة تقارب الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، عندما وصلا إلى حاجز المدفون التابع لقوات الاحتلال السوري، فطلب منهما عناصره النزول من السيارة، مما يوحي بأن معلومة وصلت إليهم لتوقيفه فور وصوله، وبادروا إلى تفتيش السيارة بدقة فعثروا في داخل حقيبته على سلاح فردي، وبدأت رحلته مع العذاب والألم، حيث طلبوا منه بداية أن يتقدّم بنفسه بسيارته لمسافة قصيرة، إلا انه تذكر فوراً أنه قبل اسبوع فقط من تاريخه جرى توقيف أحد ضباط الجيش على الحاجز السوري، ومن ثمّ تركوه يعبر وما هي لحظات إلا وأطلقوا عليه رصاصات قاتلة وهو في داخل سيارته، فرفض هذا الأمر، عندها بدأ عناصر الاحتلال بضربه وإهانته، وبقي مع رفيقه هناك طيلة الليل إلى أن جاء المسؤول عن الحاجز وهو برتبة نقيب، حيث تم أخذهما عنوة إلى المركز السوري الذي كان يومها في محاذاة طريق المدفون القريبة من الحاجز، وأخضعا لجولة ثانية من الضرب ومن ثمّ بدأت التحقيقات معه من قبل عناصر من المخابرات السورية بذريعة إتهامه أنه يسعى لتنفيذ عمليات ضدّ القوات السورية في مناطق إنتشارها في الشمال، وإستمرت الحال على هذه الوتيرة من الضرب والتعذيب طيلة ساعتين، ومن ثم أودعوهما في غرفة صغيرة جداً عبر باب ضيّق، تقع بجوار مركز كفرعبيدا للمخابرات السورية يومها. وطلب جان من زميله أن يتماسك أمام التحقيقات. وفي صباح اليوم التالي طلبوا منهما الخروج من القبو الذي وضعوهما فيه، ومن جديد تعرضا لجولة عنيفة من الضرب والتعذيب ثم نقلوهما بالسيارة حيث جالوا بهما في شوارع كفرعبيدا، وأعادوهما مجدداً إلى مركز المخابرات وأخضعا لجولة جديدة من التحقيقات على يد عناصر من مخابرات الوحدات الخاصة، وأوهموه في التحقيقات أنه إذا أعطاهما سيارته سيفرجون عنهما لكنه رفض هذه الخدعة.

خلال جولة التحقيقات الجديدة إكتشف عناصر المخابرات السورية في حقيبته الجلدية بعد تمزيقها بطاقة طالبية، ولم يكن يحمل بطاقته الحزبية وهو كان عضواً في “حراس الأرز”، بالإضافة الى بعض الأرقام المُرمزّة بأسمائها خصوصاً وانه كان لديه دوام في ثكنة “القوات اللبنانية” في مركز السيوفي وحرص على عدم ذكر أي إسم من هذه الأرقام، ولكنهم رأوا رقماً مكتوباً عليه “القوات اللبنانية” بيروت، وتحته الإسم الأول لأحد الرفاق، ومن حينه تحول المشهد ليصبح التحقيق مع متهم، وشدّدوا من إجراءات التعذيب عليه تحت وطأة الترهيب والترغيب بإعطائهم سيارته، أو أي شيء فرفض الرضوخ لكل طلباتهم، فما كان من عناصر الاحتلال السوري إلا أن أشبعوه ضرباً طيلة الليل، ومارسوا في حقه وصديقه أقسى أنواع الإهانات النفسية والعذابات الجسدية.

بعد فصله عن صديقه، تابع عناصر المخابرات التحقيق معه فرفض البوح بأي شيء، وهددوه بعنصر من قبلهم يلقب بـ”الإرهاب ” وقالوا له عندما يأتي إليك المدعو “إرهاب” عندها ستعرف كيف تخضع وتفشي بما لديك.

وفور وصول الإرهابي المميّز، ضربه على رأسه بواسطة آلة حادة فنزف على الفور من جبينه، ثم طرحه أرضاً وهو مكبل اليدين مما أدى إلى كسر في إحدى يديه، وبقي على هذه الحال من النزيف والألم مع إستمرار جولات الضرب والتعذيب، التي كان يتخللها جلسات تحقيق حول أي شخص أو رفيق يعرفه، مع ذلك بقي جان على قراره بتحمل كل الأوجاع ووسائل التعذيب، لأنه أدرك أنه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الموت، أو السجن المؤبد، فقرر الصمود ورفض الإفصاح عن أية معلومات تتعلق بالرفاق ومهماته الحزبية.

ولاحقاً تم نقله من مركز المخابرات في كفرعبيدا إلى مركز مخابرات الإحتلال السوري في طرابلس وتحديداً في حي الأميركان في منطقة القبة، وتقصّدوا نقله إلى طرابلس بسيارته الخاصة مروراً بمدينته في شكا. هناك تعرض لجولة جديدة من الضرب والتعذيب وكان يرأس المركز أحد الضباط وهو محمد الشعار الذي تولى في ما بعد مسؤولية وزير داخلية النظام البعثي.

يصف الرفيق الحاج جولات التعذيب في مركز طرابلس بأنها كانت قاسية جداً ولا يمكن لأحد تحمّلها، إذ كان النهار يبدأ بجولات متتالية ومتعاقبة من الضرب والتحقيقات حتى ما بعد منتصف الليل، ووجهوا إليه تهما متعددة أضيفت الى تهمة تفجير الحاجز السوري التي ألصقت به في مركز المخابرات في كفرعبيدا، وهي القيام بعمليات ضدّ القوات السورية في الشمال، ومنها قتل الضباط السوريين في دير الناطور، ومارسوا في حقه أقسى أنواع التعذيب لكي يقرّ بإحدى هذه التهم، لكنه رفض وقرر أن يصمد ويواجه بإيمانه والصلوات التي كان يرددها بصمت، لأنه كان يدرك أن أي كلمة أو أية معلومة يضطر أحد المعتقلين للبوح بها تحت سيف التعذيب كانت التوقيفات والاعتقالات تطاول العديد من أبناء مدينته ومن قرى الشمال.

وتابع الرفيق الحاج أنه في كل مراحل التحقيقات وجهت إليه أسئلة محددة عن حمله السلاح أو إطلاقه النار في مكان أو آخر، وهو كان يدرك أن تقارير إستخباراتية كانت تصل إلى المحققين عنه ولكنه بسبب إرادته استطاع أن يتحمل التعذيب ويصمد.

يؤكد الحاج أن وزير داخلية النظام لاحقاً والضابط السوري في طرابلس آنذاك محمد الشعار تولى بنفسه ضربه وتعذيبه، ومن ثم وضعه عنصر ملقب بـ”نمر” في دولاب وهو مغمّض العينين، ومكبّل، وأخضعوه لجولات وصولات من الضرب العنيف في شتى أنحاء جسمه، وبعد توقف الضرب لفترات قصيرة كان يطلب منه الإقرار بالتهم التي فبركوها عليه، ولكنه من جديد صمد ولم يدل بأي كلمة، وأنكرَ أمامهم بقوة وثبات قيامه بأي مهمات أو تدريبات عسكرية.

فقد جان وعيه أكثر من مرة من شدة الضرب وللحال كانوا يمطرونه بالماء فيصحو ليستأنفوا بعدها جولات الضرب والتعذيب، ولفت إلى أن والدته وخالته كانتا زارتا مركز القبة للمخابرات السورية وسألتا عنه فأنكر السوريون وجوده على الرغم من سماعهم صوته وهو يصرخ آلمًا وتعذيبًا، الى درجة أنه لم يعد يقوى على السير، وبقي لفترة على هذه الحال في مركز القبة، حيث كان محمد الشعار يتولى التحقيق معه، وفي كثير من المرات هددوه بحرق عينيه بالأسيد ومواد حارقة لكي يتكلم ولكنه بقي صامداً، وبعد ذلك رموا وجهه بكمية من المياه الساخنة، فأصيب بحروق عدة، ولم يستطيعوا أخذ ما يطلبونه منه من معلومات.

بعد كل هذه الجولات، يتذكر الرفيق الحاج بأن ضباط المركز السوريين، وبعدما عجزوا عن أخذ أية معلومة منه، أخذا يقولون بأنه لا يعلم شيئاً، عندها قرّروا أخذه إلى مكتب التحقيق لكي يوقع على المحضر، فأجبروه على كتابة المحضر بيده لكنه لم يستطع بسبب الكسور والألم، مما أدى الى تضرر اليدين. فطلب منه الضابط السوري أن يتلو ما يجب أن يكون في المحضر ليعمل على كتابته، وتذكر مجمل ما قاله في التحقيقات لأنهم كانوا يهددونه بالويل والثبور إذا جاء المحضر غير مطابق مع جلسات التحقيق. وبعد ذلك أدخلوه سجن القبة، وكان مساعد أول السجن ويدعى فهمي يزوره في زنزانته ويخضعه كل مرة لجولات ضرب جديدة ولم يعد يقوى على الحراك من شدة الألم في كل أنحاء جسمه.

 

نقله إلى عنجر

بعد نحو سبعة أيام إتخذ قرار بنقل جان الحاج إلى عنجر بواسطة سيارة من نوع جيب عسكري تابعة لجيش الإحتلال. أوثقوه بإحكام وتوجهوا به نحو حمص مروراً بدمشق وصولاً إلى عنجر، حيث بقي هناك سبعة أيام، وما أن ادخل إلى عنجر انهالوا عليه بالضرب بواسطة جنزير حديدي على صدره مما تسبب له بكسور في أضلعه الى درجة لم يعد يقوى على التنفس. ويروي جان أن الضابط الذي كان يتولى مسؤولية السجن في عنجر كان يدعى أمير التل، وهو نسيب غازي كنعان، والسجن هو عبارة عن إسطبل خيل وضع فيه نحو ستين معتقلاً، وعندما عرف من في السجن على أنه عنصر في حزب “حراس الأرز” صاروا يقولون له إن مصيره سيكون القتل، وقد صادف أيضاً وجود معتقلين من الجيش اللبناني في سجن عنجر، فسأله أحد العناصر عن هويته وإسمه ووعده بأنه إذا أفرج عنه سيُخبر عائلته في شكا انه كان معه في السجن.

التهمة في عنجر تغيّرت وتحولت الى خضوعه لدورات تدريب في إسرائيل، متذرعين بوجود صور تثبت ذلك، لكن جان بقي مصرًا على ما أورده في التحقيقات السابقة، لا سيما عدم قيامه بأي نشاط عسكري. أما التهمة الثانية التي ألصقت به، فهي تجنيد أشخاص لتنفيذ عمليات ضد مراكز الجيش السوري. ولم يكد يمر يوم واحد على وجوده في عنجر حتى أعيد مجدداً إلى غرفة التحقيق وأخضع لتحقيق من قبل أحد الضباط فيما كان يجلس مسؤول السجن أمير التل مستمعاً. وبعد ذلك طلب إلى التحقيق مرة ثالثة، فتولى عندها التل تهديده بأنه سيتمكن من أخذ المعلومات المناسبة منه، فخلعوا عنه ثيابه وأوثقوا يديه بواسطة حبال وعلقوه في سقف غرفة التحقيق، وبدأت جولة قاسية من الضرب تولاها أربعة إلى خمسة عناصر بواسطة الكرابيج والعصي، مع تكرار الأسئلة والإستفسارات ذاتها. عندها إستسلم لقدره لكنه صمد لجهة عدم الإدلاء بأي معلومة طالما أن مصيره سيكون الموت في النهاية. ويروي جان أن جولات التعذيب في عنجر كانت أقسى وأعنف من جولات السجن في طرابلس حيث طحنوا كل مفصل من جسمه لدرجة أن الدم بدأ ينزف من عينيه، ولما لم يحصلوا منه على معلومة واحدة أنزل عن البنغالو، ونقلوه محمولاً إلى السجن يقينا منهم بأنه لن يفشي بأية معلومات لأنه لا يعرف شيئاً، وبقي يرزح تحت صليب الألم والأوجاع مدة خمسة أيام متتالية في السجن – الإسطبل، وعندما لاحظوا أن حاله تحسّنت بعض الشيء طلبوا منه الإستحمام وإزالة الدماء عن وجهه، ولكن وقع الصدمة كان كبيراً فمجرد أن خرج من غرفة السجن متجها ً نحو المكان المخصص لدورة المياه حتى أشبعوه ضرباً من جديد، فسقط أرضاً في إحدى المجارير القريبة من المكان.

في اليوم السادس على وجوده في عنجر، وكان يصادف ذكرى تاريخية لدى النظام السوري، تم إخراج المعتقلين إلى باحة خارجية وجرى الإعلان عن إخلاء سبيل بعضهم. كل شخص كانوا ينادونه بإسمه وعندما وصل الدور إليه خاطبه التل بأنه سيبقى طويلاً في السجن وسيتم نقله إلى سوريا.

 

نقله إلى سوريا

وفي اليوم التالي نقل الحاج بواسطة جيب عسكري إلى فرع الشرطة العسكرية في دمشق، وأبقوه في السجن بعدما رأوا آثار التعذيب والضرب عليه، وبقي أحد العناصر معه حيث قام بتهديده طيلة الوقت بضرورة الكلام والإفصاح عن أي معلومة لديه لأنه سيلقى مجدداً المصير نفسه وسيواجه أقسى أنواع التعذيب مثل جلسات الكهرباء وغيرها. وبعد تمضية ليلة هناك نقل إلى فرع فلسطين وهو فرع التحقيق الذي تتولاه الشرطة العسكرية، وتفاجأ هناك بأن سلاحه نُقل معه وأخذوا يضربونه فيه ومن ثم أنزل على سلم بطول أربعين متراً بعدما أجبر على الزحف مسافة طويلة وأدخل إلى غرفة تحقيق جديدة حيث تولى أحد العناصر التحقيق معه بناء على محضر التحقيق السابق ووجهت إليه إتهامات عديدة مع تهديده بأنه سيلقى مصيراً صعباً ليس لسبب بل فقط لأنه مسيحي وينتمي الى أحد الأحزاب المناهضة للنظام السوري.

وبعدها ألبسوه ثياب السجن وأدخلوه إلى إحدى الغرف التي لا تتسع سوى لثلاثين شخص وفيها مئات المعتقلين ولا تنطفئ فيها الأنوار ليلاً نهاراً، تسلمه آمر السجن وهو جندي سوري مسجون. وأبقي لمدة خمسة وأربعين يوماً في فرع فلسطين، خضع في خلالها لجولات تعذيب جديدة شملت عدداً آخر من المعتقلين اللبنانيين، ولكنه بعد فترة تمّ نقله لمعاينته من قبل أحد الأطباء حيث وصف له بعض المراهم لمداواة جروحه، وقد توقفت لفترة قصيرة عمليات الضرب ليخضع بعدها إلى أسلوب عذاب نفسي.

بعد أربعين يوماً، أرسل جان من جديد إلى غرفة التحقيق، فألقى عليه المحقق محاضرة عن سوريا والمواطنة ومهمة قواتها في لبنان، وكيفية مواجهة الشعب اللبناني للنظام، ليعود إلى السجن، وبعد خمسة أيام تم نقله في إحدى العربات إلى سجن المزة العسكري، بعدما أوهموه بإخلاء سبيله.

هناك حيث الداخل مفقود والخارج مفقود، كان يفترض أن يتم حلق شعره، وإخضاعه للضرب بالكرباج قبل إيداعه غرفة السجن، لكن لحسن حظه تسلمه سجان وكان أحد العناصر السوريين من الطائفة المسيحية، فحلق له شعره وطلب منه أخذ ما يحتاجه من بطانيات ومن ثم نقله إلى إحدى غرف السجين التي كان فيها نحو أربعة وعشرين معتقلاً وجميعهم يرتدون لباس السجن الأبيض، هناك أمضى نحو سنة وشهرين. وبعد تسعة أشهر من إعتقاله عرف أهله أنه موجود في سوريا حيث قاموا بزيارته، وكانوا من فترة لأخرى يرسلون له بعض الأموال لشراء الطعام، مشيراً إلى أنه كان مع معتقلين آخرين يطلبون شراء الأقلام والدفاتر والخيطان ويقومون بصناعة الصلبان منها وكانوا يقدمونها لكل زائر صليبًا يتضمن أسماء كل المتعقلين في سجن المزة، للكشف عن مكان اعتقالهم، وبهذه الطريقة أصبح لدى “القوات اللبنانية” يومها فكرة عن أسمائهم.

يروي الحاج أنه في سجن المزة تولى رسم أرزة “القوات اللبنانية” على قمصان عدد من المعتقلين وشعارات أخرى، ولكن بعدما اكتشفها السجانون تم إدخاله مجدداً إلى التحقيق، ولكثرة ما تعرض له من تعذيب أصيب بأمراض جلدية في كل أنحاء جسمه وتم نقله إلى عيادة أحد الأطباء ووضع في غرفة إفرادية ضيقة جداً ومظلمة مدة ستة وعشرين يوماً، وتمت معاملته وكأنه سيذهب إلى الإعدام، وخلال فترة بقائه في هذه الغرفة تعرض لأقسى أنواع التعذيب النفسي، ومع ذلك وجد في أحد الأيام مسماراً حفر من خلاله أرزة “القوات اللبنانية” على جدار الغرفة، وكتب عبارة “بشير حي فينا”. وعندما أخرج منها أستدعي إلى التحقيق وتعرض للكثير من الإهانات بسبب ما قام به.

استمر الوضع على هذه الحال إلى أن تمّ الإفراج عن عدد من المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وصل عددهم إلى نحو واحد وثلاثين معتقلاً، قبل توقيع ما عُرف يومها بالإتفاق الثلاثي، فنقل المفرج عنهم إلى فرع فلسطين، ومن هناك مجدداً إلى عنجر، حيث إستلمهم اللواء علي حمّود، الذي كان يشغل منصب نائب غازي كنعان يومها، وألقى خطاباً أمامهم ونبههم في خلاله إلى وجود خطين في المنطقة الشرقية واحد مع الاتفاق وآخر ضده، ولكنه تجرّأ يومها وسأل اللواء حمود عن مصير أحد عشر معتقلاً آخرين كان يفترض الإفراج عنهم، ولم يتمّ ذلك.

وعندها جرى نقل المفرج عنهم إلى مناطق عدة ومنها بيروت، وزحلة ومناطق أخرى، وفور دخوله إلى الباص لنقله إلى بيروت نزع جاكيتته وأظهر أمام الجميع قميصه الذي رسم عليه شعار حراس الأرز و”القوات اللبنانية”، وعبارة بشير حي فينا، ومن ثمّ وصل المعتقلون في نهاية شهر تشرين الأول من العام 1985 إلى المجلس الحربي حيث كان ينتظرهم عدد من القادة والمسؤولين القواتيين ولا سيما الدكتور سمير جعجع، وبعدها توزع المفرج عنهم، وبقي الحاج في بيروت في مبنى كان يقيم فيه عناصر حراس الأرز، ثم انتقل بعد فترة إلى طبرجا وبعدها قرّر الهجرة إلى كندا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل