
كل سنة تقدم بيروت، بيئة حاضنة للثقافة والموسيقى والمسرح والسينما والمهرجانات، على الرغم من جهود بعض اللبنانيين، غير المشكورة، لنقل النموذج الإيراني والإسلامي المتزمّت، إلى مدن الحضارة القديمة والحديثة: من صور إلى صيدا فبيروت وطرابلس.
المهرجانات الصيفية عنوان كبير للحياة، إذا لم يشنّ “حزب الله” حرباً بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن باقي اللبنانيين وغصباً عنهم. فعلها في السابق ويفعلها متى يحلو له.
لكل مهرجان سماته ومواصفاته وجمهوره. فأن يكون باسم يوسف ضيفاً في مهرجانات ذوق مكايل أو ضبيه فالأمر مُستغرب. لكن أن يحل ضيفاً على مهرجانات بيت الدين، في عرض خاص، فذلك يتماهى مع دور لجنة مهرجانات بيت الدين الدولية التي ترأسها نورا وليد جنبلاط. وفي بيت الدين، كما كل صيف شهدنا أعمالا عالمية ومنها باليه روميو وجولييت لشكسبير برؤية مسرحية خارج الأطر الكلاسيكية قدمها راقصو أنجلان بريلجوكاج (على موسيقى بروكوفييف). روميو وجولييت في بيت الدين، وقيصر الغناء كاظم الساهر، الرافعة الجماهيرية لأي مهرجان لبناني. مثله مثل ماجدة الرومي مارسيل خليفة الذي حط رحاله في صيف 2016 قرب كاتدرائية مار إسطفان في البترون (مهرجانات البترون الدولية)، فيما طلع عبد الحليم كركلا إلى مهرجانات الأرز بعرض مٌستعاد (كان يا مكان). أما في مهرجانات بعلبك فقدم عمله الجديد “إبحار في الزمن”. يُذكر أن فرقة كركلا عرضت في العام 1972 باكورة أعمالها على مسرح أدراج معبد جوبيتير ضمن مهرجانات قلعة بعلبك لتنطلق بعدها الى العالمية. ومفاجأة بعلبك للعام 2016 كانت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب.
وكما افتتحت ماجدة الرومي مهرجانات الأرز كذلك كانت نجمة الإفتاح في “إهدنيات”.
وعلى المسرح الإهدني غنى أحد نجوم البوب هيرفي فيلار والمغنية ميشال تور.
وكذلك الفنانة العالمية ريتا أورا وتضمن برنامج المهرجان أمسيتين جماهيريتين عاطفيتين لقيصر الغناء العربي كاظم الساهر.
بيبلوس إفتتحت صيفها بكارول سماحة وفرقة سامي خوري للرقص وشارك فيه فنانون أجانب وفرقاً محلية: مغنية البوب الأوسترالية سيا، مشروع ليلى، أوبرا هشيك بشيك، مكسيم لوفوريستييه، غرايس جونز، كيني دجي، توكينيو وماريا كروزا…
وكانت لصيدا وصور وبيروت وجونيه وضبيه وبكاسين وتنورين وقرى الإصطياف مهرجاناتها المحلية والدولية التي نالت رعاية من وزير السياحة السابق ميشال فرعون فعسى يكون أواديس كدنيان بنفس نشاط سلفه.
وكما كل سنة تألق في مهرجانات الصيف الوائلان جسار وكفوري والديكان علي وحسين والنجمات إليسا ونجوى ويارا ونوال العلامة الفارقة وفارسا “الغناء” و”الأغنية” فارس وعاصي. ولم يتسنّ لي رصد تحركات هيفا الثقافية. أكيد كانت حاضرة.
عاد المسرح في ال 2016، وبقوة، إلى “المدينة” و”دوّارالشمس” و”مونو” و”الجميزة”، فعرض كميل سلامة، بعد انكفاء مبرر، إنجازات حياة على مرحلتين وشاهدنا لمارك قديح “غرام أو انتقام”.
كما أن روميو لحود عاد إلى أرشيفه وأطلع “سنكف سنكف” (مواليد 1974) ومن أبطال نسخة السبعينات جورجينا رزق، سلوى القطريب، عبده ياغي، طوني حنّا، ورضا كبريت… أدخل لحود تعديلات على حوار وأضاف أغان جديدة على” يا مية هلا”، “خدني معك”، و”يا بو السواعد”، “مين شردلي الغزالة”، “يمكن شي يوم”، و”طال السهر” وذلك على مسرح.
لحود غيّر إسم المسرحية فصار “كاريكاتور”، وهي تعرض على مسرح théâtre des Arts في جونية.
أما جورج خباز فختم سنته “بالكواليس” وهي كوميديا مسرحية.
سنة عن سنة يكبر المسرح بكبار مثل روجيه عسّاف ( 76 عاماً) الذي أطل ب”عشق” من كتابة وإخراج لارا قانصو المقتبسة عن مسرحيّة للكاتب الياباني زيامي. كما أدى عساف دور “الملك لير” على خشبة مسرح المدينة وكعادته أبدع وأثبت أنه آخر عمالقة المسرح.
من خسائر المسرح لسنة 2016
برج فازليان (1926 ـــ 2016) المتوفي عن عمر ناهز التسعين عاماً بعد مسيرة حافلة بدأها منذ الخمسينات، مشكّلاً أحد الوجوه الأساسية في نهضة الخشبة اللبنانية وعصرها الذهبي في الستينات.
قدم باكورته الإخراجية “البخيل” لموليير التي كان قدّمها قبلاً على المسارح التركيّة، وأسس نواة المسرح اللبناني مع أندريه جدعون وشريف خزاندار. ثم تعرّف إلى جلال خوري، ومنير أبو دبس، وريمون جبارة… إلى أن جمعه أنسي الحاج بالرحابنة، فبدأت معهم شراكة طويلة. بعدما أخرج مسرحيّة “بياع الخواتم”، تولى أغلب أعمال الرحابنة حتى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. هكذا، أخرج “هالة والملك” (1967)، و”الشخص” (1968)، و”يعيش يعيش”، و”لولو” (1974)، وصولاً إلى “ميس الريم” (1975).
بعيداً عن المسرح الغنائي، وقع فازليان أعمالاً مهمّة خلال العصر الذهبي للمسرح اللبناني الحديث، بعد مسيرة حافلة قدّم فيها أكثر من 160 عملاً مسرحياً. وكانت آخر إطلالانه “الرمزية” مع عبد الحليم كركلا في “كان يا مكان” بنسختها الأولى.
كما غاب منير أبو دبس مؤسس “مدرسة المسرح الحديث” وصاحب مقولة “الممثل هو النص”، بعد أن كان النص في الفترات السابقة هو الأساس. غاب أبو دبس بعدما ترك مكاناً في صفحات التاريخ ومدرسة.
وإنضم إلى قافلة الراحلين، ملحم بركات، الفنان المزاجي الذي منحه جورج ابراهيم الخوري لقب “الموسيقار”. لحن “أبو مجد” معظم أغانيه كما لحن لوديع الصافي، صباح، سميرة توفيق، ماجدة الرومي، وليد توفيق. أولى ألحانه “بلغي كل مواعيدي” (ديو بينه وبين جورجيت صايغ)، ثم لحن أغنيات مسرحية “حلوة كتير” للشحرورة صباح ومنها: “المجوَّز ألله يزيدو”، و”صادفني كحيل العين”، و”ليش لهلق سهرانين”.
أول عمل مسرحي قام ببطولته كان مسرحية “الأميرة زمرد” ومن ثمّ “الربيع السابع” مع الأخوين رحباني، وبعد ذلك مسرحية “ومشيت بطريقي”… ومشى.
وذات مغرب غابت من غنت “شمس المغارب”،
و”اتركني انسالي إسمي ولا تفكر تحكيني/
أنا عندك متل الكلمة بتكتبني وبتمحيني/
إيديك الشتوية/
فيهن إيديي بتدفى/
لا عم اقدر إنساهن/
أنا ولا عم بقدر أغفى”/
غابت منى مرعشلي على غفلة. وبقيت الكلمة المغناة للعاشقين في كل زمن.
وكان سمير يزبك استعجل الرحيل قبل بركات ومرعشلي تاركاً صدى صوته يردد: إسأل عليي الليل يا حبيبي / صارلو عمر غافي بعينيي/ وإن كان نسيني الليل يا حبيبي/ ضو القمر بيدلك عليي/…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]