.jpg)
عام 2016 روسيا تهاجم وأميركا مستقيلة فوق ساحات الشرق الأوسط. أوروبا العجوز عاجزة. إيران تتقدّم والعرب يتراجعون. الشيعة يهاجمون في عملية تأسيس لحروب أبدية، والسنّة يدافعون. ثمن هذه الحروب، شرق أوسط متفجّر، ضربته لعنة التخلُّف التاريخي عن مواكبة العصر، ليموت أبناؤه دفاعاً عن هوية الربّ.
اقتنص بوتين فرصة الإنكفاء الأميركي عن لعب دور البوليس في الشرق الأوسط والعالم، لينقضّ بنفسه على سوريا، متغطّيّاً بدور طليعي إسمه “محاربة الإرهاب”. اعتقد أوباما أن دور البوليس الذي تلعبه أميركا في الشرق الأوسط، يسبب لها الحقد والكراهية لدى شعوب المنطقة؛ فحاول بهذا الإنكفاء إعادة اكتساب محبة الشعوب، ما أدى إلى خسارة أميركا أصدقاءها التاريخيين، من دون أن تكسب صداقة أعدائها في المنطقة. لا بل ذهب أعداؤها بعيداً، عندما أمعنوا في التطاول على هيبتها، وحتى إذلال رئيسها، وفق استطلاعات الرأي العام الأميركي.
نهاية عام 2015 دخل بوتين عسكريّاً إلى سوريا بـ”قبة باطٍ” أوبامية، بحجة ضرب “داعش”؛ فإذا به يقضي على المعارضة السورية المعتدلة قبل “داعش”، متذرعاً بتعجيز الأميركيين طالباً منهم “حددوا لنا الفصائل المعارضة وهوية كلٍّ منها”. وكأن المعارضات، خصوصاً المعتدلة في سوريا، تحمل لوناً خاصاً وهوية محددة وبزة ميدان واحدة وتتكلم لغة خاصة منفصلة عن بعضها بحدود جغرافية ظاهرة… يحتفظ فيها كلها البيت الأبيض!! وهكذا قضى بوتين على المقاومة التي يدلّه عليها النظام، أي المعارضة المعتدلة؛ باعتبارها الأشد خطراً على النظام من الإرهابيين. واستمرت محطات المذابح الجوالة في سوريا؛ وبعد كل مجزرة، كان بوتين، ومعه الممانعون، يدعون واشنطن إلى التفاوض لقطف ثمار جرائم القتل على الساخن؛ لكن أوباما لم يكن مستعداً للمقايضة، ولا للبيع. واستمرت مأساة الشعب السوري ولا تزال.
لم تكن إيران أكثر رأفة من بوتين بحق الشعب السوري. فمشروعها الأمبراطوري الهادف إلى الوصول إلى الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، يبيح لها تجاوز كل قوانين الحروب وأخلاقياتها. هي تمسك بالورقة العراقية، من دون أن تنجح في تأمين الإستقرار فوق هذا القسم من الأمبراطورية الموعودة. فالممارسات الإنتقامية التي تحرك نظام بغداد، المدعوم والموجّه من آيات الله في إيران، ضد السنّة العراقيين، لم تجلب السلام والإستقرار للشعب العراقي. لا بل على العكس، هذه الممارسات تغذي الحقد والكراهية بين السنّة والشيعة. وعملية “تحرير” مدينة الموصل من “داعش”، والتي بدأها النظام منذ أشهر، لا تزال تتعثر على أبواب المدينة؛ خصوصاً إن الحشد الشعبي العراقي، ذا الهوية الشيعية البحتة، والمرتبط بالحرس الثوري الإيراني، هو الذي يقود عملية “التحرير” حاملاً راية الحسين، بدلاً من الجيش العراقي الرسمي. وطلائع الحشد الشعبي التي حاصرت الموصل من الجهة الغربية في مدينة ” تلعفر “، ارتكبت المجازر المذهبية بحق السنّة العراقيين؛ ما يؤسس لحروب طويلة بين الجانبين، وليس إلى توحيد العراق والعراقيين؛ وبالتالي يدفع بالعراقيين السنّة ويشجعهم على مقاومة الإحتلال الإيراني لبلادهم، واستباحة كل المحرمات وصولاً إلى اعتماد الإرهاب كوسيلة ضد مواطنيهم الشيعة المتعاطفين مع الإحتلال. فرئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، الذي جاء على أنقاض نوري المالكي المتهم بالفساد والتبعية للحرس الثوري الإيراني، لا يختلف عن المالكي سوى أنه إيرانيّ بـ”كرافات “. وهكذا استمر العراق طوال عام 2016 ساحة مفتوحة للحروب: إيرانيون، عراقيون (شيعة وسنّة)، أكراد، أتراك، قوات دولية وعربية عديدة… كلها قوى ناشطة فوق أرضه، من دون أن يكون هناك أفق ظاهر للسلام والإستقرار؛ لا بل، قد يستمر الصراع طويلاً بين العراقيين أنفسهم، لأن القتال بين السنّة والشيعة ألبسه الإيرانيون ثوباً مذهبياً، ليصبح قتالاً على هوية الرب. إنه أخطر أنواع القتال في الحروب وأصعبها للوصول إلى حلول مرضية؛ وتاريخ أوروبا شاهد على ذلك.
الحرب في اليمن مستعرة ومستمرة، كونها تشكل إحدى إفرازات المذهبية في المنطقة. المشروع الأمبراطوري الإيراني يستغّل المذهب الشيعي، ويُسخّر الشيعة ومتفرعاتهم المذهبية في العالم لخدمة المشروع (العلويين، الحوثيين “زيديين”)، لتأسيس المشروع الأمبراطوري وتثبيته. وكما في العراق، إنه قتال على تحديد هوية الرب؛ من دون أن تنجح الأمم المتحدة، عبر وساطاتها العديدة، في إيجاد حلٍّ للأزمة اليمنية التي تغذيها وتشرف على إدارتها طهران.
في لبنان تستمر الأزمة السياسية منذ أربعة عقود؛ متجددة في العقد الأخير بإشراف إيراني لتحديد هوية لبنان وموقعه الاستراتيجي في المنطقة؛ بين أن يحتفظ بهويته التاريخية وموقعه الجغرافي الطبيعي في العالم العربي؛ وبين أن يُرمى في محور جديد مستجِدٍّ ممذهب، لاعلاقة له بتاريخه أو جغرافيته، أي المحور الإيراني الذي يستمر في مصادرة لبنان، ورهن مصيره بهذا المحور، الذي يحرمه قيام الدولة والمؤسسات. ويستمر مشروع لبنان الوطن عام 2016، معلّقاً على أهواء بعض مواطنيه المرتهنين للمشروع الإيراني الفارسي.
بالمقابل، صحيح أن العرب فشلوا في إخراج إيران من الساحة العربية؛ إلاّ أنهم نجحوا في احتوائها ومنعها من تأسيس وتثبيت الأمبراطورية على مستويات متفاوتة. فلقد أخرجوها من القضية الفلسطينية، إنطلاقاً من قطاع غزه؛ لكنها بقيت قابضة على راية فلسطين، محاولة استثمارها في العالم العربي. وفي سوريا عصفت الأنانية بالدول العربية الداعمة للثورة السورية والمعارضة المعتدلة في بداياتها، فأجهضوها وتحوّلت إلى ساحة مفتوحة أمام النظام وحلفائه: من حرس ثوري إيراني، إلى “حزب الله” اللبناني، مروراً بالفاطميين الباكستانيين، وصولاً إلى الزينبيين الأفغان، انتهاء بالحشد الشعبي (الشيعي) العراقي؛ يقتتلون مع الإرهاب؛ في أكبر عملية خدمة لعدوهم المشترك إسرائيل؛ وبدعم من سلاح الجو الروسي.
في العراق، لم ينجح العرب في إجراء مصالحة تاريخية بين سنّة العراق وشيعته، بوجود إيران التي تسيطر على كامل العراق عبر شيعته. بينما في اليمن، نجح العرب في احتواء الهجوم الإيراني، ووقف تمدُّد الإيرانو – حوثيين فوق الأرض اليمنية وأجبروهم على التراجع، لا بل عدّلوا بتدخلهم العسكري الوضع لصالح أغلبية الشعب اليمني، الذي يشكل جزءاً من العالم العربي. غير أنهم نجحوا تماماً في إفشال مشاريع إيران الهادفة إلى السيطرة على مملكة البحرين.
إسرائيل، من جهتها تعيش عصرها الذهبي؛ عندما تشهد على أعدائها يقتتلون على الهوية الدينية تطبيقاً لاستراتيجيتها التي تحلم بها منذ تأسيسها؛ وهي تشجع وتبارك هذا النوع من الحروب، الذي يؤمن لها غطاءً إضافيّاً لمبرر وجودها؛ ويؤسّس لحروب الحقد والكراهية التي لا تنطفئ مع الزمن.
اختتم الشرق الأوسط عام 2016 بنكبة حلب، عندما سقطت بعد أربعة أعوام من الحصار على يد النظام وحلفائه. حرب الدمار التي قادها النظام على حلب، انتهت بارتكاب المجازر ضد أطفالها ونسائها وشيوخها. رد الفعل الأممي الرسمي أو الشعبي على الإبادات في حلب، لم يكن بمستوى الجريمة التي يتعرض لها المواطنون الحلبيون. وكأن العالم، إما فقد إنسانيته أو هو يبارك ما يحصل في حلب وغيرها من مدن الشرق الأوسط!
سقوط حلب محطة في حرب طويلة داخل سوريا. فالذين فرحوا بسقوطها سوف يندمون حتماً. وكما قال المسؤول إلإيراني السابق (المدير السابق لمنطقة غربي آسيا في وزارة الخارجية الإيرانية) السيد مير محمود موسوي؛ بعد سقوط المدينة “قد نفرح ليلتين لسقوط حلب، إنما يجب أن نقلق للثلاثين عاماً المقبلة، بسبب الحقد والكراهية اللذين سببتهما لنا حلب وغيرها من مدن الشرق الأوسط”. فهل تعي إيران وحليفها النظام في سوريا، مدى ردود الفعل المتوقعة على هذه الجرائم؟ وهل يعتقد النظام في طهران، أن أقلية عرقية في الشرق الأوسط (الإيرانيون)، وأقلية دينية مذهبية (الشيعة)، يمكنها السيطرة مع الزمن على فائض الأغلبية العرقية (العربية) والدينية الإسلامية (السنّة) في هذا الشرق الأوسط ؟؟! إنه وهم الأمبراطوريين الجدد الذي ينتهي حتماً بالهزائم.
إذا كان هدف بوتين من سقوط حلب، استدراج أميركا إلى المفاوضات في غفلة من نقل الإدارة في واشنطن، فهو واهم. لأن الأخيرة لا تزال تصر على وجوب خروج الأسد من السلطة. و”الإنجاز” الوحيد الذي راكمته إيران طيلة هذه السنوات من المواجهات هو تفجير الدين الإسلامي بين سنّة وشيعة؛ وستستمر شعوب الشرق الأوسط في دفع فاتورته لعقود عديدة مقبلة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
