#adsense

أنا وجدّي في نيويورك ورأس السنة في الضيعة!!

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة”:

أين سهرة رأس السنة؟ أجلس الى نبيذي الدافئ وأراقب أضواء العالم تنهال قربي تماما، رائعة تلك الشاشة الصغيرة حين تصبح نافذة الدنيا، هي كذلك عمليا، بلحظات أتنقّل الى حيث أحب أن أكون.. لكن لحظة، قبل كل شيء يجب أن أعرف ما إذا كنت سأعيش لحظاتي المقبلة لأراقب فرح الأرض بالسنة الجديدة، من يرصد تنهداتي أكثر؟ عجقة مشهودة على أبواب المنجّمين، مساكين في تلك الليلة لا يلحّقون رصدا لحركة الفلك، والفلك المسكين الآخر يريد أن يسكر في اللحظة لكن كيف له أن يفلت من قبضة هؤلاء؟! كيف يهرب مثلا من قدر محتوم ترسمه ليلى عبد اللطيف الدقيقة، جدا دقيقة، يا لطيف؟ أو من شعوذات مايك فغالي المنحدرة مباشرة من إقليم السحرة، يا إلهي؟ أو من مخططات جهنمية لميشال حايك منهمرة طازة من مقررات بلدية الجان فوق رأس البشر؟ هذا هو الطبق الرئيس في سفرة الشاشات اللبنانية ليلة رأس السنة، أما الباقي، أي المقبلات، فتأتي  لاحقا

 

 

تتسابق الشاشات لإعلان “هداياها” لنا في تلك الليلة، غير التسابق للاستلحاق بشعيرات المنجمين، إذ تعرفون هم النجوم والنجوم هم، ثمة نعمة استثنائية إضافية تهبط علينا وهي المشاركة في المسابقات والربح الوفير الذي ينتظرنا. سنة كاملة ننتظر تلك الليلة لنعمّر بيوتنا من المنجمين والمسابقات، ثمة سيارات جديدة تبتسم بإغواء واضح لنا، وأموال طائلة متل الشتي تنهمر علينا، مع دعوات لا تعد ولا تحصى تتكرر على مدار الدقائق للمسارعة والمشاركة في المسابقات تلك لأن هي ليلة الحظ، والحظ كما العمر لا يتكرر، والتسابق ضروري جدا جدا وعاجل كنداء الدم لنكون من أول الرابحين! كم عمري؟ ألف عام. لكن، وحتى هذا العام لم أربح ولا مرة رغم دعواتي الحارة للملائكة والقديسين ليتدخلوا ويؤمنوا لي الوساطة اللازمة وما فعلوا، وتعرفون تلك النكتة عندما صرخ الله بأحد إبنائه “إنو حلّ عني واسحب ورقة يانصيب قبل ما تطلب مني ربحك”… صحيح، نسيت، كان يجب ان أشارك ولو لمرة قبل ان أستنجد بالسماء!!

فرغ الكأس الأول، الليلة بأولها وتبدو حامية جدا، نظرة من النافذة، هنا الضيعة، صقيع وشتاء ونوافذ الضيعة دانتيل حنين يعكس أضواء مغارة في كل بيت، في زمن الأهل، الزمن الحلو، لم يكن ليبقى رجل في بيته تلك الليلة، هي ليلة لعب القمار بامتياز، وليس سهرة الرقص والسهر في المطاعم كما هو الحال الآن. ليلة رأس السنة ليلة النقمة عند النساء، والتفلّت كي لا نقول التشرّد خلف خيوط الحظ عند الرجال، لم يكن يأتي فجر إلا ورجال الضيعة ملقوحين حول الطاولة الخضراء، وما ان يتنبّهوا للوقت المنهوب بالوقت، حتى يهرعوا خائفين الى بيوتهم، تصوروا الرجال الأشداء لا يخشون سوى صراخ زوجاتهم، يهرعون إذن الى نسائهم ويعرفون أنهن عند الباب ينتظرن بفارغ الصراخ عودتهم، لتكون فشّة الخلق من حجم الغضب، ليس لأنهم يلعبون القمار وحسب ومال القمار دائما حرام، وليس لأنهم غالبا يخسرون، ولكن الصراخ من حجم الغيظ لأنهن تُركن لوحدهن يستقبلن الضجر في ليلة مماثلة، ولأن القمار سلبهن هدية محتملة، حلما مؤجلا قد يكون فستانا جديدا أو حتى إسوارة من الذهب، مبرومة بلغة الضيعة، من يعلم، لكن الرجال خطفوا منهن حتى الحلم بهدية مماثلة…

تغيّر الزمن، والضيعة كما المدينة تسكر في ليالي لبنان حتى الثمالة وإن كانت الثمالة هنا تختلف في بعض تفاصيلها عن سكر العالم بمجئ تلك الجديدة الساحرة البراقة الغامضة التفاصيل.

تنزل باريس الى برج إيفل الملتهب ألوانا، هذه مدينة السحر والإغواء مهما حاولت مدن العالم قاطبة منافستها. لا سحر يفوق باريس، الحضارة هنا ليست في التماثيل المبدعة المشرورة في طول البلاد وعرضها، هذه مدينة الثقافة، الحضارة الإنسانية، الآداب، الفنون، الأناقة، يا الله الأناقة، كل سحر المدينة ينزل الى ساحة Trocadero ليلة رأس السنة، يتمشّى عشاق السهر والعشاق في ساحة الليل تلك، هكذا بكل بساطة، لا يلبسون الخزانة وفساتين السهرة، يكتفون بما يدفئهم، والدفء أساسا متوافر في ليلة نادرة كتلك، يحملون زجاجات الشمبانيا والبراندي والنبيذ، يشربون ويشربون، يرقصون، يغنون، يعانقون، يحب الفرنسيون المعانقة فكيف بليلة مماثلة تجعل المشاعر في عز توهجها. الساعة 12 يعلن الزمن أنه تقدم زمنا في عمر السنة، يصرخون مع المفرقعات bonne annee bonne annee، ولا تسألوا أي جحيم من القُبَل يغرق المكان الذي لا يتركه ناسه إلا مع أول شعاع الصباح الجديد…

لو كان جدي حيا لذهب الى نيويورك  تحديدا وشارك في احتفالات ليلة رأس السنة! يحب جدي تلك المدينة المذهلة التي سافر إليها أجداده، وبقي حتى آخر لحظاته يقول “ببلاد النَيورك أبيفهموش أَنكليزي قدي أنا”. ببلاد النيورك جدي يعيشون آخر لحظات السنة الراحلة كمن يذهب في رحلة حلم، وقع سحر المدينة ينسحب على مدن العالم كله، العالم كله يشخص بأنظاره وإحساسه الى ساحة Times Square، نحو مليون شخص جدي يقفون كتفا الى كتف ينتظرون اللحظة، لا يلبسون ما يكفي اتقاء للبرد القارص، التدفئة مركزية من حرارة الصراخ والغناء والرقص وتلك الكؤوس وزجاجات الخمر التي تتطاير انسجاما وفرحا بالحدث المنتظر، وأخبرك جدي أني أنا من بين المليار إنسان على وجه الأرض أراقب اللحظة النادرة تلك، لحظة هبوط كرة الألوان الكبيرة والمفرقعات التي تعلن مجئ الجديدة على راحات الفرح والصراخ، وعلى أنغام العروض الموسيقية وكبار النجوم الذين يشاركون غالبا بالمجان جدي ليفرحوا ناسهم، وليس لنعرض مقتنياتنا في المزاد العلني مقابل ليلة غناء ليست بغناء في حفلات رأس السنة لفنان لبناني أو عربي في دنيانا جدي…

غريبة هذه الأرض، هنا وهناك في أوروبا وأميركا نحتفل بالبرد تحت وقع الأبيض الحلو المنتظر، وحدها أستراليا تلبس سنتها الجديدة وبابا نويل ثوب السباحة، من قال إن الدفء لا يعيّد في الأضواء ولا يسبح في الألوان. أنظر الى مرفأ سيدني الشهير الحار وأنا أجالس الموقد، ثمة حر في الأجواء، تستبدل سيدني سنتها بسنة جديدة وهي تلبس المايوه، جميل أيضا لمن لا يقوى على فراق الشمس، لكن… لا، سأعود الى دنيا البرد، الى شوارع بيروت، على رغم ان الرحلة تلفزيونية لكني اشتقت لبلادي.

جميل هذا التماهي مع الشارع، ان تعيّد قلب المكان الذي تعيش فيه، كما تفعل بيروت حين تعيّد وسطها، لم يكن يفعلها سابقا البيارتة ومن يسكنون مدينة الشرق الرائعة على رغم كل شيء، صاروا ومذ هدأت لغة المدافع ورحل عنها الاحتلال البغيض، يفعلون كمن يهدي بيروت هدية بعضا من وجودنا فيها، ونهدي أنفسنا روح تلك المدينة وريح الثورة والشباب فيها، فنذهب لنسكن شوارعها في ليلة رأس السنة ونشرب مقفّى كأس المدينة الرائعة التي تسكننا، رائع المشهد، شباب وصبايا أغان وألحان، جنون الرقص والحياة، نعم ولم لا، ثمة جنون مطلوب كما الثورة، الفرح ثورة أيضا طالما بقيت حدوده ضمن حدود الكرامة الشخصية بالطبع، رائعة بيروت وهي ترقص فوق بريق ألوانها، هذه مدينة تخترع فرحها، هنا أشتهي أن أكون في ليلة مماثلة، هنا فقط  أقبل بأن أترك كأس ضيعتي لألتحق بمهرجان الحياة ذاك…

فرغت أول زجاجة نبيذ، أنتقل الى الثانية، ها هي المذيعة تعلن سكوب بقايا العام 2016 “وهلأ منقدملكن اللحظة المنتظرة، المنجّمة ليلى عبد اللطيف في حديث  exclusifوخاص وللمرة الأولى بتحكي عن تنبؤاتها للسنة الجديدة”!!! للمرة الأولى؟ يبدو أني غير متابعة لبرامج شاشاتنا الصغيرة، إذ معلوماتي تتنبأ بأن “ظهورات” اللطيف متعاقبة على مدار الساعات والأيام، وكذلك زملائها في الوحي الربّاني!! طيب مش مشكلة، أستمع الى التنبؤات، كل بدوره، سنة منيحة، سنة قبيحة، بختك مبخوت حماتك بدها تموت قولي نشالله… حماتي؟ يا عمي أنا عزباء منذ مئة عام على الأقل ولمئة عام بعد إذا مش أكتر! لبنان سيعيش أفضل أيامه، ستجتاحه العواصف والهزات السياسية والأمنية، سيموت الزعيم الفلاني، وجان عبيد حتما رئيسا للبلاد ورفيق الحريري رئيس حكومة!!! لبنان سيجتاحه الهنا أم البلا؟ فهّمونا، رفيق الحريري يا جماعة استشهد و… والله العظيم ميشال عون رئيس الجمهورية، وحياة الله هو الرئيس!!!

 

 

أترك الى شاشة أخرى، طيب جدا هذا القريدس مع كل تلك الإضافات اللذيذة، كل شاشاتنا ترقص على الواحدة والنص وعلى الإضافات غير المنتظرة التي صارت متوقعة في ليلة مماثلة، فنانون من الصف الثاني، لا صف أول هذه السنة يحتلون ليالي طرب الشاشات، ما ظبطت معن هالسنة، تريدون الاستمتاع؟ فنانو سوريا وذاك التراث المشحون بالندب ضيوف آخر السنة، آل الديك يصيحون كيفما اتجهت. الشاشات محتالة تعرف كيف تعوّض النقص، تذهب الى المسابقات أولا ومن بعدها القصص الإنسانية تلك المدرارة للدموع، بحر الدموع، نضحك ونبكي في ليلة واحدة، فجأة يتحول الجميع الى كاريتاس متنقل، سموم العام تتبخّر في هذه الليلة لنغرق في المشاعر الإنسانية، فائض منها، فنعيش قصصا إنسانية استثنائية ونتماهى  معهم في الوجع والمعاناة وما أن تنتهي الحكاية؟ أفففف نتنفّس الصعداء، نريد ان نفرح وبلا هموم ع القلب الليلة…

نفتح زجاجة نبيذ جديدة، رحلة الشاشات تتوقف عند المراسلين، نشفق عليهم، معقول ليلة رأس السنة أن يعمل مراسل لنقل أجواء العيد بدل أن يكون هو نفسه من ضمن تلك المشهدية العابقة بالفرح؟ بسيطة هي متاعب المهنة فكيف إذا أخبرناهم عما يفعله الممرضون والممرضات مثلا وكل تلك الوظائف المماثلة التي لا يعبر العيد من بين دوامها الصعب؟

رقص، رقص كيفما اتجهت الشاشات، أنا أرقص بلا موسيقى لأن صوت الضيعة موسيقى بحد ذاتها. جلت العالم بساعات قليلة ووجدت ان أطيب كأس أشربها على شرف سنة راحلة وأخرى قادمة هي الى مقعد ضيعتي، تلك الساحرة الساخرة من كل تلك التوقعات البائدة. وليمة الشاشات ليست غالبا على قدر طموح من اختار السهر في المنزل مع الأصدقاء أو حتى وحيدا، غريب ان لا وحدة في ليلة مماثلة إلا من قرر أن يخلع عنه ذاك الإيمان المطلق، بأن من يعيش لحظة ميلاد الرب يسوع، مستحيل عليه شعور الوحدة. تشرب كأس الأصدقاء المنهمرين ضحكا في أوقات نجعلها استثنائية وإن لم تكن كذلك، فشعور الفرح مفروض عليك في تلك الليلة، طيب وبلكي أنا زعلانة شو بيصير؟! ممنوع، الحزين منبوذ وحامل الحزن بيهربو منو الناس، فكيف إذا كانت الرفقة كل ذاك الدفء في الأصدقاء والأحباء والريح من رياح ضيعتي؟!

اقتربت الساعة، ترحل الـ 2016 على وقع الصراخ والقبل والأناشيد والغمرات والهمسات، نهبّ للمعايدة، جاءت الغامضة كما سابقاتها على جناح الأمل بأن تكون الأفضل. مسكينة الراحلة لا تجد حتى من يحمل نعشها، إذ ما أن تأفل حتى ندفنها بالنسيان ومن دون مراسم دفن حتى، ندوس آخر لحظاتها بالأقدام الراقصة كمن يرقص على زجاج روحه، ونسارع الى احتضان الجديدة بقلب مفلوش على الرجاء، لا بأس هذه حال الدنيا، راحت سنة وإجت سنة وبتبقى إنت حبيبي، هيك بتقول فيروز. تقفل الشاشات على العروس الآتية من سحر الغموض، فرغت زجاجات النبيذ، طلع الصباح، فنجان قهوة هو الأول لهذه السنة، نرتشف معه أول اللحظات الجديدة ونغرق في النوم، إذ إن بكرا غير كل الأيام، بعد الظهر يأتي ذاك الـ “بكرا” فنكتب أول تعليق على صفحات الفايسبوك “كيف السنة الجديدة نشالله ع زوقكن”… عمرها لم يتجاوز بعد أكثر من عشر ساعات هدّوا البال…!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل