كنا هناك – فادي سعيد: هكذا أصبت وهكذا أسسنا “كروس رود”

كتبت صوفي شماس في “المسيرة” – العدد 1534

عندما أصيب فادي إدمون سعيد في 15 كانون الثاني 1986 لم يكن يعلم أن هذه الإصابة ستجعله عاجزًا عن السير طيلة حياته، ولكنه كان واثقاً أنها لن تجعله عاجزًا عن متابعة الحياة. رفاق كثر عاشوا هذا الوضع قاتلوا من أجل الاستمرار بكثير من الإرادة حتى كان لهم ما أرادوا مع تأسيس جمعية “كروس رود”. إنها مسيرة حياة ونضال ومقاومة يرويها فادي سعيد مثبتاً أن الحياة ليست محطة واحدة على تقاطع طرق بل طريق طويلة لا مكان فيها لليأس أو للتعب.

 كنت أسكن في جل الديب ثم انتقلنا الى منزلنا في الجديدة مقابل إقليم المتن الكتائبي، كان عمري أثناءها 11 عامًا وكنت انزل وأساعد الشباب. كانت أيام الحرب في 1977 وكان الموت سهلا وبسيطا.

كنا دائما نعيش في أجواء الحرب فقد كانت حياتنا اليومية. وبدأت “القوات اللبنانية” مع بشير الجميل. قبل بشير كنا دائما نعيش بخوف ولكن معه أحسسنا بالقوة خصوصًا بعد حرب الأشرفية وزحلة والبطولات التي حصلت. عندما كنا نجلس مع الشباب ويخبرونا بما يجري وبالإنجازات كنا نشعر بالفخر والسعادة. لم نكن نتابع الأخبار وعندما انتخب بشير رئيسا للجمهورية شعرنا بالفرحة ونزلنا الى الطرقات واعتبرنا أننا سنحصد كل شيء وبأننا سنكون اقوى وسنحصل على كل ما نريد.

وفي العام 1982 استشهد بشير الجميل فكان الحزن كبيرًا.

هنا بدأنا نستفيق على الحرب وبدأت حرب الجبل كان أصبح عمري 14 سنة واهلي لم يكونوا متحمسين للأحزاب ولا يحبون حمل السلاح لأن فيه خطرًا. في الحي كنا نجلس مع بعضنا ونسمع الاخبار وبدأنا نعي ما يجري. أحسسنا بأننا لا نفعل شيئا وعلينا واجب ان نقوم بشيء ما. في نهاية حرب الجبل سألني أحد أصدقائي وليد الصليبي إن كنت أريد أن ألتحق بـ”القوات”. أحد أصدقائه كان في ثكنة 56 في جعيتا حارسًا في الثكنة فسألني ان نكون حرسا أيضا. فقبلت وعندما ذهبت الى الثكنة كان العسكر يعود إليها من المشرف. في اليوم الذي قررنا  الذهاب الى الثكنة عرف أهله واحتجزوه في المنزل. وكنت أعرف شخصا آخر اسمه جوزف ابو زيد وأخبرته برغبتي وصعدنا الى الثكنة وتكلمنا  مع أحد المسؤولين فيها، وقلنا له انه يهمنا ان نخدم في الليل فقد كنت في صف البروفيه وأذهب الى المدرسة في النهار. لم نكن ندري كيف نقنع الأهل. قلت لأهلي إنني  سأعمل حارسًا ليليًا ولن يكون لنا دور في المعارك، وما سآخذه سأدفعه لقسطي في المدرسة وسأساعدكم في المصروف. وقد كان والدي متوفيًا في العام 1975.

ذهبت لأجري الفحوص الطبية في الكرنتينا بحسب ما كان مطلوبًا، فأحالني الطبيب المختص الى طبيب قلب لأجري تخطيطاً. وبعد التخطيط أفادني طبيب القلب بأنه يوجد ثقب في القلب ولا يمكنني الالتحاق. حزنت جدا وأخبرت عمي وذهبنا الى المسؤول عن قسم القلب في مستشفى الروم. بعد المعاينة قال إنه يوجد ثقب في القلب لكنه لا يؤثر وأعطاني تقريرًا طبيًا بأنني لا أعاني من شيء. أخذت التقرير وقدمته وقبلت. كان عمري 16 سنة داومت في ثكنة جعيتا لمدة سنة ونصف تقريبا. انهيت الدراسة الثانوية ودخلت الى الجامعة للتخصص في مجال العلوم التجارية. كنا قد تدربنا لمدة أسبوعين تقريبا قبل الدخول الى الثكنة. وبعد ان كنا حرسا فيها أردنا ان نكون فعالين أكثر. بعد ذلك التقينا بأحد الشباب الذي كان معنا وأخبرنا انه انتقل الى وحدات الدفاع في الضبية حيث تدرب على كل أنواع السلاح والملالات، فتحمسنا. ونزلنا انا وجوزف الى الضبية وقلنا لهم إننا نريد الالتحاق. ونقلنا أوراقنا من جعيتا الى الضبية.

ثكنة وحدات الدفاع في الضبية كان المسؤول عنها جوزف راشد وآمر الفصيلة اسمه عصام صليبا وكان هناك آمر فصيلة ثان استشهد عندما أصبت انا. في هذه الثكنة احسسنا بمرحلة جديدة وبأننا مميزون عن العسكر العادي وأن لدينا دور أكبر. كانت مدة الدورة التدريبية شهرين في باكيش تدربنا على كل شيء السلاح والألغام والمناورات والعمليات وكيف نهاجم ونرمي القنابل. بعض الشباب الذين كانوا معنا كانوا خاضوا معارك ولديهم خبرة ومعرفة وكنا نقوم بأمور عملية على الأرض. وتخرجنا من الدورة وأعطونا بيريه وقالوا لنا إنكم النخبة والاتكال عليكم أنتم في المقدمة ولديكم الخبرة وعليكم تقع المسؤولية.

اعتاد أهلي على الفكرة وأصبحت أنام خارج المنزل واشتريت دراجة نارية من دون علم أهلي وبقيت أقودها فترة من دون ان يعرفوا بذلك.

في بداية العام 1986 كنا لا نزال في ثكنة رشدان وقربنا ثكنة مدرعات. وكانت بدأت الاشكالات مع جماعة إيلي حبيقة قبل ان تحصل أحداث 15 كانون. جاء عدد من أمن حبيقة حوالى 50 او 70 شاباً وضعوا خيمهم في بورة قبالة الثكنة. أخبرنا قائد الثكنة جوزف راشد ان الوضع متوتر بين الأمن اي حبيقة و”القوات” وهناك شيء غير مستقر ولا ندري ما اذا كان هناك قرار بالهجوم علينا. أقاموا لمدة 3 اشهر ثم غادروا. الساعة الخامسة فجر 15 كانون الثاني 1986 انتقلنا من الثكنة الى الأشرفية بسيارات مدنية، وصلنا الساعة 5:30 الى جسر النهر وكانت هناك معركة وإطلاق نار كثيف. توزعنا في الزواريب.

كان علينا ان نكون خط دفاع عن المجلس الحربي وان نمنع عناصر حبيقة في الاشرفية من الوصول الى المجلس لفك الحصار عن حبيقة.

الساعة 6 احتدت المعركة. كان معهم “بانهرد” لا أدري من أين حصلوا عليها أطلقنا عليها “ب7” وأصبناها وقد أصيب عدد من الشباب إصابات طفيفة. ظهرا جاء قائد الثكنة وقال إن هناك مجموعة من كتائب المتن عليهم ان يؤمنوا عددا من الشوارع ولكنهم لم يستطيعوا وتقدمت جماعة حبيقة نحونا بشكل كماشة وكان علينا ان نؤمن الحماية لشبابنا لكي يخرجوا من دون إصابات وكنت بجانب شجرة أطلق النار وأصبح الرصاص كثيفا وقريبا جدا وكنت مقرفصا، أردت ان أعدل في وضعيتي فأصبت برصاصة في ظهري من دون ان أحس بداية بأنني أصبت ومشيت لعدة امتار لأؤمن الحماية ثم شعرت بالإصابة وأخبرت الشباب بأنني أصبت ووقعت على الأرض. سحبني الشباب وكانت الرصاصة أصابت الرئة والعمود الفقري. كانت الساعة 12 او 1 وقد استشهد اثنان من رفاقي أيضا.

تم نقلي في البداية الى غرفة داخل مبنى. بعد ساعة وصل الشباب الى المنطقة وأخذوني الى مستشفى أوتيل ديو. كان هناك عدد كبير من المصابين. أسعفت وبقيت في المستشفى لمدة يومين من دون ان يعلم أهلي وبعد ان تحسنت حالتي قليلا اتصلت بعمي وأخبرته بأنني مصاب في رجلي. بقيت لمدة شهرين ولم يجروا لي أي عملية ولم أستطع السير لذلك كان الخيار أن أنتقل الى معهد بيت شباب. ما خفف عني ان أحد الشباب أصيب في ظهره وشل لمدة 6 أشهر ثم استعاد القدرة على المشي. فهذا طمأنني ولم أفكر ان يحصل لي شيء من هذا وكنت دائما أقول لصديقي انا لا أخاف ان أموت بل اخاف ان تقطع رجلي. كان أحد الشباب مقطوع الرجلين وكان يأتي الى الثكنة وكنا نحمله لذلك كنا نخشى ان يحصل لنا ما حصل له. كان عمري 19 سنة وقد قال الأطباء لأهلي إنني أصبت بالشلل ولكن لم يخبروني ولم أكن أعرف. وفي بيت شباب اعتقدت أنني سأتمرن على السير وعندما كنت أتعرف على الشباب وأسألهم عن فترة وجودهم هنا كانوا يقولون 5 او 3 سنوات هنا عرفت أنني لن أخرج في وقت قريب وأقمت في بيت شباب.

تساءلت لماذا حصل معي ذلك لو مت ألم يكن أحسن لي لماذا علي ان أتعذب؟ بعد ذلك استعدت روح المقاومة وتعلمت ان أتأقلم وان أكون مستقلا وان أقوم بكل احتياجاتي لوحدي من دون مساعدة، وهكذا كان. كنت أجري تماريني وتغلبت على كل ذلك وصرت أخرج وأعاود حياتي بتحد جديد.

قبل الإصابة كنت سجلت اسمي للالتحاق بدورة ضباط في “القوات اللبنانية”. ولكن كل شيء تغيّر. وكان علي أن أتحدى هذا الوضع. اشتريت سيارة وبدأت حياتي من جديد مع أشخاص جدد في بيت شباب ولفترة كنت أرى صعوبة وكان لدي طموح وأحلام، خصوصًا عند بدء دورة الضباط تضايقت كثيرا.

إحدى شركات التأمين طلبت شابا مقعدًا لتوظيفه. جاؤوا الى بيت شباب وتوظفت في الشركة وكان لدي سيارة أداوم بالعمل وكنت ما زلت في “القوات” لكنني أحسست بأنني أبتعد لذا كنت مرة عند إيلي أبي طايع الذي كان مسؤولاً عنا في ثكنة جعيتا التابعة للشعبة الرابعة سألته اذا كان بإمكاني ان أحصل على مكان أقيم به في الشعبة الرابعة بدل بيت شباب. فسأل مارون وديع الذي كان في ثكنة في آخر الكرنتينا اول المرفأ فاعطاني غرفة فيها وأحسست هنا أنني عدت الى “القوات” من جديد. بقيت مدة سنة ونصف تقريبا أنزل الى بيروت وأعود الى بيت شباب في نهاية الأسبوع، فقد كنت أحس بين الشباب بأنني أخوهم الصغير يأخذونني الى السينما ويحملوني حوالى 40 درجة 5 شباب ومن ثم إذا لم يجدوا فيلما جميلا يحملوني ويصعدون بي الى سينما أخرى، كنت محاطا بالرفاق الطيبين.

في العام 1992 صعدنا الى غدراس عند الحكيم وقد كانت “القوات” سلمت سلاحها. قال لنا الحكيم إنه لم يعد بإمكاننا دفع الرواتب للمصابين فقد كانوا يدفعون أيضا لأشخاص مصابين في منازلهم ليس فقط للذين في بيت شباب. وقد أعلمنا انه سيحاول إعطاء مساعدات. وظل الحكيم يرسل أشخاصا الى بيت شباب وسافرنا مرة الى سيدة لورد في فرنسا. بقينا نحس أننا لسنا متروكين بل هناك من يهتم بنا.

كان هناك عدد كبير من المؤسسات والجمعيات من لبنان ومن خارج لبنان تعطي مساعدات للمصابين في بيت شباب. لكن بعد نهاية الحرب بعد العام 1990 أصبح الوضع مختلفا أصبحت المساعدات تأتي الى الدولة التي أصبحت تعطينا مساعدات غير كافية. فحاول الشباب العمل وإقامة المعارض لتأمين حاجياتهم. انا كنت ما زلت أعمل في شركة التأمين وهنا بدأت الصعوبات في الحياة.

بعد اعتقال الحكيم صارت الأوضاع أصعب فهناك أشخاص ليس لديهم اي مدخول ولا يمكنهم ان يعملوا. أصبح تأمين كل شيء صعبًا كالدواء والاستشفاء…

أردنا نحن الشباب ان نؤسس جمعية. طرحنا فكرة ان نجمع بعض المال من بعضنا مثلا 10 دولارات شهريًا من كل واحد. لم نستطع ان نأخذ إذنا من الدولة، ولكننا استمرينا وأصبحنا نساعد بعضنا بداية ضمن بيت شباب.

كروس رود؟

عندما خرج الحكيم في العام 2005 صعد الى الأرز. صعدنا مجموعة من الشباب. أخذنا موعدا من الحكيم وملفاً حضرناه عن كل ما كنا نقوم به من نشاطات. كان معنا ابراهيم بيطار الذي أصيب في حادث وكان ضابطاً في “القوات” وقد شارك في معارك كثيرة منذ العام 1978 تقريبا. وأعطينا الملف للحكيم. سألنا الحكيم عن كيفية مساعدته لنا فطلبنا منه ان يساعدنا لكي تكون الجمعية رسمية. فطلب من أحد المحامين مساعدتنا فغيّرنا الأوراق وأسميناها “كروس رود”. بعد التداول والتشاور بالأسماء أعجبني هذا الاسم لأن معناه بالانكليزي تقاطع طريق الفكرة ان المعاق او المصاب وهو يسير على الطريق اذا حصل معه حادث يجد نفسه على تقاطع طريق فتختلف حياته ولا يدري الى اين يذهب في اي طريق بعضهم يتابع كما فعل أحد الشباب الذي كان معنا فأكمل علمه وأصبح طبيبا كما كان مخططا لحياته وبعضهم تتغيّر حياتهم. وبالعربي معناه “درب الصليب” ولو أردنا ان نسميها كذلك لما أعطونا الرخصة من هنا التسمية  فباللغة الانكليزية او باللغة العربية الاسم له معنى. قبل التسمية كان ابراهيم قد توفي وأصبحت انا الرئيس في العام 2006 وأصبح اسمنا “كروس رود” وعملنا لوغو وأوراقاً رسمية باسم الجمعية وتابعنا المشروع. قبلا كان اسمها “جمعية المعاقين اللبنانيين”. كان لدينا مركز تقدمة من شركة اسمر في الذوق، ثم انتقلنا الى الضبية الى مركز أوسع.

لقد خُلِقنا “قوات” وسنموت “قوات” مهما حصل. هذا شيء محفور فينا في جسمنا ولا يمكن ان نخلعه عنا.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل