.jpg)
قد يكون من السابق لأوانه إصدار الأحكام على سياسة ترامب الخارجية رغم المعرفة باتجاهاته وأفكاره والتي أعلن عنها في الأيام التي خاض فيها الانتخاب. لكن في عالم السياسة الكثير مما يقال في الانتخابات عادة لا تترجم على أرض الواقع، خصوصاً عندما تكون التصريحات والتوجهات صعبة التنفيذ لعدم واقعيتها وقبولها، ولتعارضها مع الشأن العام.
فالغالبية تدرك بمن فيهم ترامب نفسه أن الكثير من آرائه وتوجهاته قد لا تكون عملية أو براغماتية، خاصة وأن هناك خلافا واسعا عليها، كالتصريح بالحاجة إلى تقليص المساهمة الأميركية في الأمم المتحدة، والتراجع عن اتفاق باريس للمناخ، وإلغاء الاتفاقية النووية مع إيران، وتعديل الرعاية الصحية لأوباما، ووضع القيود تجاه العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وغيرها من قضايا لا تشاطر أو تنسجم أساساً مع القيم والمبادئ التي تنادي بها أميركا دائما وتجسدها في علاقاتها الدولية، خصوصاً وأنها القوة التي ينظر إليها العالم بمنظار الراعية للسلام العالمي، وبمحاربة الاستبداد والإرهاب.
لا أحد يستطيع التهكن الآن بحجم التغيير المتوقع في الرسائل أو التصريحات المعلنة لترامب، فأي تغيير مهما كان قليلاً يجعل العلاقة الأميركية الخارجية غاية في التعقيد، ولا يريح الحلفاء أو يزيل ستار الشك والقلق في العلاقة بأميركا تحت قيادة ترامب الذي يجهل الواقع الدولي، وينطلق من أفكار يريد بها تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية لا تأخذ في الاعتبار المصالح الدولية المشتركة والمتبادلة والتي أساسها التفاهم والتعاون والسلام.
يذهب الكثير من المحللين إلى أن عدم تغيير نهج ترامب وثباته على آرائه واتجاهاته المعلنة قد يؤدي إلى تداعيات مختلفة لا تؤذي الآخرين فقط، وإنما كذلك أميركا نفسها إذا خسرت حلفاءها، خصوصاً في الخليج العربي، والاتحاد الأوروبي بما في ذلك دول جنوب شرقي آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفيلبين. ناهيك عن انفراط سلسلة العلاقات مع دول أميركا الجنوبية وأفريقيا والعديد من الدول العربية.
وما لم تتغير سياسات ترامب الخارجية فإن أميركا ستخسر الكثير في الفترة المقبلة ليس فقط على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وإنما كذلك في مجال عزوف العالم عن التعامل معها، وتحول حلفائها إلى إيجاد تحالفات جديدة مع معسكرات وقوى ليست حليفة من الأساس مع أميركا. ويتوقع جراء هذه السياسات الجديدة أن تتأثر التفاهمات الدولية الأميركية حول قضايا عالمية تؤكدها الاتفاقيات القائمة والتي إذا ألغيت فإن تداعياتها كبيرة، وخصوصاً التفاهمات حول محاربة الإرهاب وحماية أمن الدول، ومنها الأمن القومي الأميركي.
ويكفي التمعن في الرغبة الأميركية القادمة بإقامة الجدار الحدودي مع المكسيك، وازدراء الأديان والمعتقدات، وممارسة العنصرية وغيرها من مسائل تتعارض مع المبادئ والدستور الأميركي. والسؤال: كيف يمكن للإدارة الأميركية من معالجة ملفات شائكة تتعارض أساساً مع التوجهات الجديدة للرئاسة؟ هناك آراء ترى أن صعوبة السيطرة على شخصية ترامب، وتقلبات مزاجه ربما ينسجم مع نبوءة المؤرخ الأميركي آلان ليتشمان من احتمالات عزل الرئيس الجديد في المرحلة المقبلة، وتعيين نائبه مكانه كشخصية أكثر قبولاً من الحزب الجمهوري الذي يمثل أغلبية أعضاء الكونغرس؟ لا أحد يعرف ما سيحدث في المستقبل، لكن ما هو معروف حالياً أن العالم متخوف من السياسة الأميركية القادمة، وغالبية الدول لم تعد تثق بالرئيس الجديد، وترى أهمية الانتظار لتقويم اتجاهاته ومعرفة مدى التغيير في السياسة الأميركية القادمة.