.jpg)
كتبت أولغا جعجع في “المسيرة” – العدد 1560
نعرفهم من عيونهم التي تشي بما تفيض به قلوبهم من حب وعشق للشهادة، يلوّنون الحاضر والمستقبل بألوان الربيع الزاهية والحياة. مارون اسكندر آدم كان واحداً منهم كأنه كان يعلم بأن سنين عمره معدودة. فما أحب إضاعة الوقت على الإطلاق، بل جهد في استغلاله ليفني عمره القصير في خدمة القضية. عاش حنيناً دائماً ليعود الى أحضان أمه التي سبقته الى رحاب السماء وهو بعد طفلاً فكان له ما أراد.
ولد مارون اسكندر آدم في التحويطة في شباط ١٩٦٥ وترعرع وكبر في الأشرفية. من عائلة تتألف من ٥ شباب و ثلاث بنات. كان عمره فقط أسبوعين عندما أصرّت والدته أن تعمّده قبل أن تفارق الحياة. عند ولادته حصلت معها عدة مضاعفات أثّرت على صحتها، وكانت تدرك أنها راحلة وكأن قلبها كان دليلها، حيث فارقت الحياة بعد العمادة، فأخذته جدته لتربيه في كنفها في الأشرفية حيث كانت تسكن في البرجاوي وكانت شديدة التعلق به وعوّدته على المسؤولية من صغره، وغرست فيه حب التضحية، والمروءة، والصدق والشجاعة، بينما وُضِع إخوته في مدرسة داخلية.
.jpg)
عندما اندلعت الحرب في العام 1975 وكان مارون في العاشرة وكان لا يزال في المدرسة، لكنه تشرّب روح المقاومة من أشقائه ووالده، فكانوا أيضاً مناضلين أحراراً لم يتوانوا لحظة عن خوض المعارك من أجل لبنان، كانوا على الجبهات يقاومون فتأثر بهم كثيراً. كان يراهم يأتون إلى المنزل بلباسهم العسكري، إيلي وبيار كانا في فرقة الـ (ب.ج.)، وفيليب كان في اﻟ “أم بي” (MP) الشرطة العسكرية، والوالد اسكندر في فرقة “الصخرة وكان مسؤولاً عن المدفعية. في هذا الجو وضمن هذه المشهدية نشأ مارون وترعرع على النضال، وكان يعي حجم القضية وما تعنيه بمقدساتها وأرضها.
درس مارون في مدرسة سلمى صايغ في الأشرفية، وأكمل دروسه الثانوية في ثانوية الأشرفية لينتقل بعدها إلى معهد ELC حيث درس المحاسبة. كان شديد الذكاء في المدرسة، وينال أعلى العلامات، ويحب المزاح كثيراً وأينما حلّ كان يزرع الضحكة بين رفاقه، يملك الروح الرفاقية النادرة، كان يعشق كرة القدم وحكايته معها بدأت من المدرسة حيث كان يلعب مع أصدقائه قبل أن ينتقل الى فريق الحي..
.jpg)
وهنا، بدأت تتفتح بوادر الوعي الأولى لشاب ترعرع وسط عائلة غالبيتها على الجبهات، منشغل بهواجسه وتطلعاته إلى أفق الحرية، فحين أنهى دراسته في المحاسبة قرر أن يرهن نفسه لقضية تساوي وجوده، وبفعل إيمانه لبى نداء قضيته، فقرر أن يذهب ليخضع لدورات تدريبية وكان لا يزال في الثامنة عشرة من عمره، وكان بعد الإنتهاء من التدريب يأتي ليدرّب الأشبال في الحي.
كان طليع دورته في غوسطا عام 1983، في هذه الدورة كان معه ميشال حموي وكان المسؤول عنه في ذلك الوقت ناصيف مخول وبعدها تسلم مارون جبهة البرجاوي وأصبح مفوض المنطقة. ومن أبرز الرفاق الذين ترافقوا معه طوني غانم، جان حداد وجورج حداد.
.jpg)
كان محبوباً من قبل الجميع لأنه كان حنوناً وشجاعًا والضحكة لم تكن تفارق وجهه، وكان يحمل مسؤولية حماية كل مقاتل على عاتقه.عُرف بنشاطه وهمته في العمل مع رفاقه واستطاع تأليف فريق لكرة القدم أطلق عليه إسم فريق الناصرة، فكان هو كابتن الفريق والمشرف داخل الملعب ويضع التكتيك والخطط ويوزع المهام والمسؤوليات بين اللاعبين.
أغنيته المفضلة كانت “يا شمس عمري غيبي” وكأنه في قرارة نفسه كان يعلم بأن مشوار عمره سيكون قصيراً على الرغم من مرحه الدائم، وقد كان صاحب نكتة ويحب الحياة كثيراً، وكان صاحب “نخوة” كما يقول أحد رفاقه. استطاع مارون أن يقيم علاقات صداقة من مختلف الطوائف، وكان إذا أحب شخصاً أحبه من كل قلبه، وكان يحب كثيراً وجدي فياض وطوني شلفون وجان نادر وكان يعتبرهم أعز الرفاق. كلما كان أحدهم يقول له إنتبه على نفسك يا مارون كان يرد: “لا أحد يموت قبل أوانه”.
.jpg)
في 4 ـ 4 ـ 1984 كان يوماً هادئاً على الجبهة ولم تكن تسجل سوى مناوشات متقطعة، كان مارون وناجي القزاز ومانو فاضل ومنصور صيقلي يتولون الخدمة والحراسة… وحدها الرصاصة التي اخترقت رأس مارون هزت هذا الجمود القاتل، رصاصة قناص أصابته في رأسه، وسقط بين يدي منصور صيقلي من دون أن يقول شيئاً ليرسم بذلك آخر إبداعاته بجسده على الأرض، ولم يجد أروع من دمه القاني ليلوّن به تراب الوطن، وأبى إلا أن يرسم الحياة كما يراها هو وحده…
الأشقاء الذين كانواعلى الجبهات تلقوا خبر استشهاد مارون من فرقة اﻟ “أم بي” MP ولم يصدقوا الخبر، كان الأمر صدمة كبيرة. جدته كانت تعيش دائماً هاجس الخطر الذي يرافقه، وعندما أتوا ليبلّغوها سألتهم: “ماذا هناك؟”، فأجابوها: “إن مارون مصاب” فلم تصدق، عرفت في الحال أنه استُشهد. ودّعته وعادت إلى البيت ورآها تبتعد رويداً رويداً، فسارع ظله إليها كطفل صغير يتعلق بأذيالها، يغفو في دفء حضنها، ولكنه بقي واقفاً، ينظر إليها والغياب يلفها.. رفع يده ملوحاً بالوداع، وقف رجلاً يحمل الهموم والأحزان في قلبه، وفي يده بندقية اختارها رفيقة الدرب الطويل، وعيناه تنظران إلى السماء، وقد انحدرت على خديه دموع الشوق..
حُفر إسم مارون على تمثال بشير الجميل في ساحة ساسين في الأشرفية، هو الذي ترك بصماته واضحة وعميقة ودخل سجل الخلود، ليبقى حياً في ذاكرة رفاق وأحباء وأصدقاء. قدّم روحه بلا تردد أو خوف أو رهبة من الموت، فهو غادر الحياة جسداً، ولكن ذكراه ما زالت عابقة بعطر سيرته ومسيرته.
تعمد مارون مرتين. بعد العمادة الأولى ودعته والدته. وبعد الثانية عاد إليها شهيداً.
.jpg)
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]