
في ضؤ البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة منذ اتفاق الدوحة والى يومنا هذا، واخيراً البيان الوزاري لحكومة استعادة الثقة – ولا سيما البند المتعلق بالتأكيد على حق المواطنين اللبنانيين في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الاراضي المحتلة، لا بد بادىء ذي بدء من التأكيد على أن مثل هذا البند في البيان غير دستوري وغير قانوني بمفهوم القانون الدولي، ونسارع للقول بأن اهم شرط قانوني ودستوري لقيام الدولة بشخصيتها الدولية القانونية التي تمنحها استقلالها الكياني وفق القانون الدولي والعلم الدستوري، هو في مدى ما تتمتع به الدول والحكومات المجسدة، لفكرة ارادة المحكومين من سلطان حصري داخل اراضها من سيادة داخلية كما خارجية.
فتنازل اي حكومة عن حق الدولة الحصري في صون وحماية سيادة الدولة يعتبر تنازلاً عن كيانية الدولة الدولية وفقاً للقانون الدولي قبل القانون الدستوري، وينتقص ان لم يكن يلغي، الشخصية القانونية للدولة كعضو دولي في مجموعة الدول الأعضاء المستقلة والسيدة.
فقد اقر الحكم الدولي في قضية جزيرة النخيل (السيد ماكس هوبر) مبدأ “ارتباط استقلال دولة بسيادتها – بما تعنيه حصرية استخدام الدولة دون سواها ضمن نطاق اقليمها، اختصاصات الدولة … فللدولة اختصاصات حصرية ضمن اقليمها ان تنازلت عنها فهي تكون متنازلة عن استقلالها ما يفقدها هذا الاستقلال وبالتالي شخصيتها القانونية في الاسرة الدولية …” (DROIT INTERNATIONAL PUBLIC – PIERRE – MARIE DUPUY – 3EME EDITION – DALLOZ – P. 48-NO.67).
وانطلاقاً من القاعدة أعلاه فان البيانات الوزارية المتعاقبة منذ اتفاق الدوحة، وصولاً الى البيان الوزاري الحالي لحكومة استعادة الثقة، دأبت بما يخالف القانونين الدولي والدستوري على التنازل عن سيادتها وبالتالي عن ركن اساسي ليس فقط من اختصاصاتها الدستورية بل وايضاً من شرط اساسي لاعتبار لبنان عضواً مستقلاً سيداً في الاسرة الدولية ذات شخصية قانونية وسياسية مستقلة وسيدة … وهنا الخطورة في الموضوع.
فحصرية اختصاصات الدولة ضمن اقليمها لا تقتصر ابعادها ونتائجها فقط على الوضعية الدستورية الداخلية بل تتعداها الى البعد الدولي وفق القانون الدولي، بحيث ان اي انتهاك لسيادة الدولة ضمن اقليمها في ممارسة حصرية اختصاصاتها يؤدي الى افقادها شرطاً اساسياً من شروط اهليتها الدولية… كعضو في الاسرة الدولية للكيانات المستقلة والسيدة على اراضيها وفي علاقاتها الخارجية.
ونشير في هذا السياق ايضاً الى ما كرسته محكمة العدل الدولية في اجتهادات قضائية ثابتة لها ليس اقلها في ملف قضية مضيق كورفو وقضية العمليات العسكرية في نيكاراغوا، من اعتبار الترابط العضوي بين حصرية اختصاصات الدولة ضمن اقليمها واستقلالها كشرط اساسي انشائي للشخصية القانونية الدولية – (RECEUIL DE JURISPRUDENCE DE LA COUR INTERNATIONALE DE JUSTICE – CIJ – 1949 – P. 35 ET RECEUIL DE JURISPRUDENCE DE LA CIJ DE 1986-P.106).
وبالتالي، أن يأتي بيان وزاري مهما على شأنه وتميزت به عباراته، ليلقي على غير الدولة مهاماً هي في الاصل حصرية للدولة والحكومة دون سواهما، ففي ذلك من الناحيتين القانونية الدولية والدستورية خرق وطعن لشخصية الدولة القانونية والدولية. فالسيادة الداخلية في المفهوم الدستوري تعني بداية ان لا سلطة اعلى من سلطة الدولة او موازية لها،ة فهي تسمو فوق الجميع وتفرض نفسها على الجميع (راجع GEORGES BURDEAU – DROIT CONSTITUTIONNEL ET INSTITUTIONS POLITIQUES – LGDJ- PARIS – PAGES 14 et suivantes) )
على صعيد آخر ومن الناحيتين الدستورية والقانونية الدولية، ان سلطة الدولة وحدة لا تتجزأ وغير قابلة للتجزئة وبالتالي فإن تعدد السلطات الحاكمة في الدولة كرئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان والقوات المسلحة والقضاء، لا يعني تقاسم السلطة في ما بينها لا بل تقاسم الاختصاصات في ما بينها، خصوصاً في ظل اعتماد الدستور في مقدمته، مبدأ الفصل بين السلطات (الفقرة ه من مقدمة الدستور)، ما يستتبع دستورياً اعتبار ان السيادة تعني ان وحدها سلطة الدولة هي الامرة العليا فتستطيع وحدها وهي الوحيدة المخولة فرض ارادتها على الاخرين بافعال تصدر من طرفها وحدها وتكون قابلة للنفاذ، اي من دون موافقة المحكومين خصوصاً وان الفقرة (د) من مقدمة الدستور تحصر بالشعب مصدر السلطات وحق السيادة، وتحدد اليات ممارسته لتلك السيادة عبر مؤسساته الدستورية، ما يعني في التفسير الفقهي ان لا سيادة لاي سلطة خارج السلطات الدستورية وبالتالي لا شرعية لاي سلطة خارج السلطات التي ينتخبها الشعب، وهذا ما تؤكد عليه الفقرة (ي) من المقدمة ايضاً… بربطها شرعية اي سلطة بتوافقها مع ميثاقية شعبية …
انطلاقا من الملاحظات الدستورية والقانونية اعلاه نسجل الاتي:
اولاً: ان اعتماد الحكومات بنداً متنازلاً عن سيادتها في كل بيان وزاري لها، تخرق الدستور من خلال التمييز في التعامل بين مواطنيها وفئات المجتمع السياسي بما يخالف المبدأ الدستوري، تكلمت عنه الفقرة (ج) والمادة (7) من الدستور لجهة المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون تمايز او تفضيل، وتمتعهم بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية وتحملهم الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم. فاعطاء مواطنين حقوق او امتيازات اكثر من مواطنين اخرين يعد خرقاً للدستور.
ثانياً: ان امعان الحكومات المتعاقبة في بياناتها الوزارية في خرقها بند سيادتها، هو مثال على الفساد السياسي المستحكم كما الفساد الاداري والمالي، وهو فساد لا دستوري ولا قانوني ولا تنحصر مفاعيله فقط في الداخل اللبناني، بل تطال كيانية لبنان الدولة الشرعية المتمتعة بالشخصية القانونية الدولية وبالتالي شرعية شخصيته القانونية .